انتهت المناظرة الانتخابية الأولى بكليفلاند بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن صباح أمس الأربعاء.
ركزت المناظرة الانتخابية والتي كانت أشبه بمباراة في رياضة الملاكمة على ثلاثة موضوعات رئيسية هي الاقتصاد والرعاية الصحية وتعامل الرئيس ترامب وإدارته مع جائحة كورونا وشابها اهانات متبادلة بين المرشحين.
وكان للرئيس ترامب الغلبة في هذا الأمر واستمر في مقاطعة جو بايدن لأكثر من مرة مما جعل المناظرة تبدو فوضوية وغير منظمة لدرجة أن جو بايدن قال فقط بعد 18 دقيقة فقط من المناظرة موجهاً كلامه للرئيس ترامب ” هل من الممكن أن تخرس يا رجل ، هذه التصرفات غير رئاسية ” بعدما تكرار مقاطعة الرئيس ترامب لمنافسه بايدن.
وبسبب فوضوية المناظرة انقسم الداخل الأمريكي حول من المستفيد ومن كان الفائز في المناظرة الرئاسية حيث ترى قناة ” سي إن إن ” الإخبارية أن ترامب كان هو الخاسر بسبب هدوء بايدن واتزانه، على العكس من صبيانية ترامب ، بينما ترى قناة ” فوكس نيوز” أن ترامب ألقى بهزيمة ساحقة ببايدن الذي لم يقدر على مجاراته.
نستعرض لكم في هذا التقرير أبرز ما جاء بالمناظرة و ردود فعل الداخل الأمريكي عليها.
المناظرة التي استمرت ل 90 دقيقة لم يستطع مديرها المذيع المعروف بشبكة فوكس نيوز كريس والاس من السيطرة عليها حيث استمر الطرفان في مقاطعة بعضهما البعض كما تجاهل ترامب طلبات كريس المتكررة لإفساح المجال للديمقراطي جو بايدن للحديث مما جعل المناظرة تبدو شجارا سياسيا بينهما وهو ما صعب على كليهما أن يوضح وجهة نظره في الموضوعات المطروحة.
وقد حاول المحاور والاس إعادة السيطرة عليها أكثر من مرة مع تكرار تجاهل الرئيس ترامب لنداءاته بإفساح المجال لبايدن ، الأمر الذي دعاه ليقول للرئيس ترامب ” أعتقد أننا سنسدي خدمة أفضل للبلاد إذا ما أفسحنا المجال للطرفين للحديث مع مقاطعات أقل ، أنا أناشدك أن تفعل ذلك سيدي”.

التعامل مع الجائحة


كان أحد أكثر المواضيع أهمية خلال المناظرة تعامل إدارة الرئيس الأمريكي مع جائحة كورونا التي حصدت أرواح 200 ألف أمريكي ، بايدن هاجم ترامب بشدة في هذا الملف وأتهمه بالفشل في حماية المواطنين لأنه كان أكثر اهتماما بالاقتصاد على حساب أرواح الأمريكيين.
وقال عن إدارة ترامب للمشهد في خضم الجائحة ” أنه أصيب بالذعر ، ونظر لسوق الأسهم (البورصة) ” مشيراً إلى أن سوق الأسهم كان أولوية الرئيس ، بدوره ترامب دافع عن موقفه وقال أن إدارته قامت بعمل رائع ومنعت تضخم أرقام الإصابات، بايدن انتهز الفرصة لمهاجمة ترامب وقال له ” كان عليك الخروج من مخبئك أو من ملعب الجولف الخاص بك ، والذهاب للمكتب البيضاوي وجمع الديمقراطيين والجمهوريين والوصول إلى ما يتوجب فعله لإنقاذ الأرواح “
بدوره أنتقد الرئيس ترامب ارتداء منافسه للقناع الطبي الوقائي سابقا وأشار إلى أن ” لو كان جو بايدن هو من يتولى زمام الأمور ، لكان الأمر أسوء بكثير مما تتخيلون ” ، وفقاً لقناة “سي إن إن” فإن الانتقادات والتلاسن بين المتنافسين في السباق نحو البيت الأبيض أدى لعدم الحديث ” الجدي” عن الجائحة العالمية.
وذكرت القناة ان ترامب حاول أكثر من مرة جذب الانتباه بعيداُ عن موضوع الجائحة إلا أن بايدن أصر على معاودة الحديث عنه لكن وبفضل محاولات الرئيس الحالي تحول النقاش إلى حجج ومشاحنات بين الطرفين ولم تركز على الوباء.

المحكمة العليا


قرار ترامب بترشيح القاضية إيمي باريت خلفاً للقاضية الراحلة روث جنسبيرج كان أحد الموضوعات التي برزت خلال المناظرة ، ترشيح ترامب ل إيمي باريت سيعطي المحافظين أغلبية 6:3 في المحكمة المكونة من 9 قضاة ولها اليد العليا على معظم السياسات والقوانين وإنفاذها بما فيها القرارات الرئاسية ، لذا لا يرضى الديمقراطيين بأن يقوم ترامب بترشيحه للقاضية إيمي باريت لما لذلك من انعكاس على مستقبل السياسة الأمريكية حيث أن قضاة المحكمة تستمر ولايتهم مدى الحياة ، مدافعاً عن موقفه وبالنيابة عن حزبه قال الرئيس ترامب ” الانتخابات لها عواقب” وأضاف ” سأقولها لك ببساطة لقد فزنا في الانتخابات ، لدينا مجلس الشيوخ والبيت الأبيض ولدينا مرشحة مدهشة يتفق عليها الجميع”.
أما بايدن فيرى أن تعين القاضية الجديدة يجب أن يحدث بعد معرفة من هو الرئيس القادم ليس قبل ذلك وقال أن محكمة العليا تدار بأغلبية محافظة سيكون أمر خطير قد يؤدي لإلغاء ما يعرف ب” أوباما كير” أو نظام التأمين الصحي معقول الثمن الذي يعارضه ترامب بشدة كما قد يأدي ذلك لإلغاء قانون حرية الإجهاض الذي يعارضه الحزب الجمهوري كذلك.
يتهم الديمقراطيون الجمهوريين بالنفاق والسعي وراء مصلحتهم السياسية في هذه النقطة تحديدا ( تعين قاضية خلفاً للراحلة روث جنسبيرج) حيث كان الجمهوريون هم من منعوا محاولة الرئيس السابق أوباما بتعين قاضية العام 2016 لكن موقفهم من ذات الأمر تبدل مع وصول ترامب للبيت الأبيض.

هجوم عائلي


كان أحد أبرز أسلحة ترامب طوال الفترة الماضية للهجوم على منافسه جو بايدن هو ابنه هانتر بايدن ، لذا توقع الجميع أن يقوم الرئيس بالإشارة وجلب الموضوع للمناظرة رغم وجود موضوعات أخرى تمثل أولوية لم تأخذ حقها في الطرح ، فبعد 45 دقيقة من المنظرة هاجم ترامب بايدن وأشار لتهم الفساد التي تدور حول ابنه هانتر فيما يتعلق بوجوده في مجلس إدارة أحد شركات الطاقة الأوكرانية وعلاقته المشبوهة بشركات صينية وروسية ، بايدن برغم من أن الكثيرين ينظرون للموضوع على أنه نقطة ضعف له إلا أنه قام بالرد باتزان واضح وثبات على عكس المتوقع.
وقال ” الأمر لا يتعلق بعائلتي ، او عائلتك ، هو يتعلق بالعائلة الكبيرة الشعب الأمريكي” في إشارة منه إلى أن الهجوم الشخصي على أفراد أسرته لا يعني الناخب الأمريكي بقدر القضايا الأخرى الملحة كالاقتصاد والاحتجاجات التي تلت مقتل جورج فلويد.
وبرغم من حديثهم حول أمر أخر إلا أن الرئيس ترامب صمم على إعادة الموضوع للواجهة وأنتقد هانتر بايدن مجدداً وأشار إلى أنه كان لديه مشكلة تتعلق بإدمان المخدرات ، بايدن لم يتهرب من المواجهة وقال ” ابني كان لديه مشكلة تتعلق بالمخدرات وقد تجاوزها ، أنا حقاً فخور به ”
وبرغم من توقع أن تكون هذه النقطة ( هانتر بايدن ابن جو بايدن ) نقطة ضعف يستطيع من خلالها ترامب هز ثقة بايدن والانتقاص منه إلا أن الأخير وبفضل رد فعله المتزن كسب تعاطف الكثير من العائلات الامريكية.

تبادل الشتائم


أكثر الأمور أثارة للجدل والاستياء كان تبادل المرشحين الشتائم مما أفقد المناظرة جديتها كما حولها من مناظرة حول موضوعات محدد تحتاج إجابات موضوعية ، لحلبة ملاكمة حيث يتبادل الطرفان اللكمات اللفظية دون إيجابة واضحة على الموضوعات التي كان الناخب الأمريكي ينتظر إجابة عليها ، وفقاً لتقرير شبكة ” فوكس نيوز ” فإن أكثر من 70% مِن مَن تابعوا المناظرة أبدوا استيائهم لما وصلت إليه من مستوى من الطرفين بالأخص الرئيس ترامب الذي أستمر طول المناظرة في مقاطعة منافسة والسخرية منه في محاولة منه لحمله على أن يقدم على ” زلة” ليروج الرئيس لنقطة أن جو بايدن ” عجوز غير قادر ” على منافسة العمالقة.
بدأ ذلك بعد فقط 18 دقيقة من المناظرة عندما كرر الرئيس ترامب مقاطعة بايدن خلال إجابته على سؤال المحاور ليقوم بايدن بالقول لترامب ” هل من الممكن أن تخرس يا رجل ”
بدوره الرئيس ترامب وخلال إجاباته وجه الإهانة لبايدن وقال ” لقد حققت في في 47 شهر ما عجزت أنت في تحقيقه على مدار 47 عاما من العمل السياسي”.
كما كرر ترامب مهاجمة بايدن بالإشارة إلى أنه عجوز وسيعجز عن منافسة عمالقة العالم ، بدوره بايدن وصف ترامب بأنه ” أسوأ رئيس حصل عليه الأمريكيون ” ، وخلال حديثهما عن الشؤون الاقتصادية التي أشار ترامب لنجاحه الباهر في أدارة الاقتصاد الأمريكي قبل وبعد ظهور ( الوباء الصيني ) على حد تعبيره وقال لو أن جو بايدن هو المسؤول لكان أستمر في أغلاق البلاد لمدة غير معلومة غير مكترثاً للاقتصاد والعائلات وأكد على ان بايدن ” لا يفقه شيء ” عن كيفية إدارة الاقتصاد ، بايدن رد على ذلك قائلاً ” من الصعب الحصول على كلمات جادة من هذا المهرج”
وبنهاية المناظرة طرح موضوع الاحتجاجات ضد التميز العنصري التي حملت شعار ” حياة السود مهمة” ، بنهاية هذه الفقرة قال بايدن عن ترامب ” أنه عنصري”
كل هذا السباب والمقاطعات أخلت بشكل المناظرة مما أدى لا متغاض أغلب المتابعين لها.
وبرغم من لما جرى ألا أنه من المتوقع أن تزيد حدة هجوم كل منهما على الأخر خلال المناظرات المقبلة بينهما شهر أكتوبر القادم كما سينتظر الناخب الأمريكي مناظرة ميك بينس نائب الرئيس الحالي و كاميلا هاريس نائبة بايدن ، حيث من المتوقع أن تكون مناظرتهما أكثر موضوعية وكشفاً للتوجهات المستقبلية كما يتوقع الخبراء أن تقدم مناظرة النائبين إجابات أوضح للأسئلة التي طرحت خلال المناظرة الأولى.

ردود الفعل


النائب الجمهوري إيريك سوالويل قال إن بايدن تمكن من الفوز بهذه المناظرة بينما بدا ترامب كالعدو الأول للحقيقة بسبب مراوغته المستمرة وبعده عن الموضوعية وعدم الإجابة على الأسئلة بشكل واضح كما اهتمامه بمهاجمة ومقاطعة بايدن أكثر من الازم.
أشار النائب كذلك إلى أن بايدن ظهر بالمناظرة بمظهر رجل الدولة على العكس من ترامب الذي ظهر كرجل يسعى خلف الشجار أكثر من أس شيء أخر .
النائب سوالويل أشار كذلك لنقطة أخرى خلال مقاله المنشور بموقع ” فوكس نيوز” وقال أن بايدن يقدر أهمية أن تكون المحكمة العليا مستقلة وبعيدة عن الاستقطاب السياسي وهو أمر أخر لا يفهمه الرئيس الحالي المصمم على منح الأغلبية في المحكمة للمحافظين مستغلاً وجوده في المكتب البيضاوي وهو أمر أخر يوضح مدى احترام وفهم بايدن للدستور والنظام القضائي وهو ما أنعكس للجمهور خلال المناظرة.
ليزا بيك الكاتبة الصحفية الشهيرة بعدد من المجلات الأمريكية لخصت مشهد المناظرة بجملة بسيطة هي أنها كانت ” كالفوضى الساخنة المتصاعدة ” وقالت أن المناظرة لم تفرز فائز واضح ، وتوجهت بنصيحة للرئيس الأمريكي ترامب بأن يكون أكثر موضوعية في المناظرة المقبلة ليتمكن من التفوق على بايدن .
المناظرة كان لها انعكاس واضح على سوق الأوراق المالية ” وال ستريت” حيث أنخفضت الأسهم الرئيسية اليوم متأثرة بالمناظرة ” العبثية” على حد وصف مجلة ” فوكس نيوز” ، بسبب مخاوف المستثمرين بالأخص حول موضوع تقبل الرئيس ترامب نتيجة الانتخابات حال خسرها الامر الذي أستمر الجدال حوله خلال الأيام الماضية ، قبل أن تأدي إجابة الرئيس الغير واضحة ما إذا كان سيقبل بها أم لا كما أشارته إلى إمكانية التلاعب بالأصوات من خلال البريد الإلكتروني زاد من مخاوف المستثمرين مما أنعكس مباشرتاً على “وال ستريت”
برغم من عدم وضوح الفائز من المناظرة الأولى ، إلا أنها تنذر بسباق انتخابي بين ترامب – بايدن أشد من سباق ترامب – كلينتون منذ 4 سنوات ، فهنالك ملفات أخرى يختلف فيها الطرفين سيتم الحديث عنها في المناظرات المقبلة كالعلاقات والتجارة الخارجية ، سيلكون فالي ، التغير المناخي وغيرها من الموضوعات المحتملة .
مناظرة الأمس لم تأثر بشكل كبير على استطلاعات الرأي التي لايزال فيها التفوق لجو بايدن ، الجدير بالذكر أن نسبة كبيرة مِن مَن سجلوا أصواتهم في التصويت الشعبي سيقومون بالتصويت حتى قبل المناظرة الثانية وفقا لتقارير صحفية، وهو ما قد يحدث فارق في التصويت الشعبي ، لكن يبقى الأهم هو تصويت مندوبي الولايات الذين يدلون بأصواتهم نيابة عن ولايتهم لتذهب الأصوات للكونجرس الذي يجتمع بمجلسيه النواب والشيوخ لعد أصوات المندوبين وإعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية ، الجدير بالذكر أن هيلاري كلنتون كانت قد فازت في التصويت الشعبي في انتخابات العام 2016 لكن الرئيس ترامب تمكن من الوصول للبيت الأبيض بفضل حصوله على الأكثرية من أصوات المندوبين التي تقدر وفقاً للوزن النسبي لكل ولاية .

Scroll Up