يعكس البحث العلمي طبيعة النهضة والتقدم في الدول ويرتبط بشكل كامل ومباشر باحتياجات المجتمع، وتعتبر الأبحاث العلمية من أهم مؤشرات تقدم الدولة، نظرًا لأهمية دورها في تحفيز القطاعات الاقتصادية والإنتاجية ورسم سياساتها من خلال تقديم صورة واضحة لمختلف القطاعات في المجتمع حول المشكلات التي تتعرض لها وكيفية النهوض بها، وذلك وفقا لنهج وأسس علمية تنعكس إيجابيًا على مؤسسات المجتمع كافة. ومن المؤكد أن عملية البحث العلمي تتطلب بنية تحتية ومراكز للأبحاث العلمية وتوفير ميزانيات تكفي الاحتياجات البحثية ومشاركة من مختلف الجهات، والأهم هو الوعي الكافي بأهمية البحث العلمي ومدى الحاجة إليه من قبل مختلف القطاعات في الدولة. 

ربما ما تعاني منه بعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا أن معظم الجامعات تفتقر أجندتها التعليمية إلى الابحاث العلمية ذات الجودة العالية، وغياب السياسات والقوانين المنظمة المحفزة على البحث وتشجيع الابتكار وربط البحث العلمي بالتطبيقات ، وكذلك الدعم المالي الذي يعرقل قيام الجامعات بدورها في عملية الابحاث العلمية التي لا يمكن أن تمولها الجامعات ذاتيًا، بالإضافة الى أن نسبة ما ينفق على البحوث العلمية ضعيف جدًا ولا يمثل الطموح لخلق قاعدة بحثية ترتقي للمستوى المطلوب لتطور عمل الجامعات، إلى جانب عدم ربط البحث العلمي بالمجتمع واحتياجات التنمية والحرص بالبحوث الاكاديمية على أن تصب فقط في مصلحة الباحث ومتطلبات الترقي أو مؤسسة التعليم العالي من دون أن ينعكس ذلك علي احتياجات التنمية والتطوير في المجتمع.

البحث العلمي عالميًا

هناك اتجاه بأن سياسات البحث العلمي في الدول المتقدمة لا تحددها الجامعات أو الجهات الخاصة وإنما تكون سياسة مركزية من قبل الحكومة، فعلى سبيل المثال فإن الحكومة الاميركية تقدم الدعم للأبحاث العلمية في مجالات الفضاء وتقنية المعلومات والصحة والطاقة والكثير من المجالات الأخرى، والتي تتنافس فيها سنويًا مع منافسها القادم بقوة وهي الصين، بينما إلى حد كبير يستقر وضع دول الاتحاد الاوربي ، وتظهر دول تعتبر من الدول النامية في مراكز ملفته للانتباه مثل الهند وإسرائيل وتركيا، وكذلك الوضع في المنطقة العربية الذي بدا وكأن هناك تقدمًا في الاهتمام بالبحث العلمي ومخرجاته لخدمة المجتمع.

هناك أكثر من جهة دولية ومؤسسة علمية ترصد وتحلل مخرجات البحث العلمي وعدد الابحاث العلمية المنشورة، وجودتها ومكانة الدورية العلمية أو المجلة التي نشرت بها ومدي الاستعانة بها، لتقدم ترتيبَا للوضع العالمي ومدي تقدم الدول في البحث العلمي ومجالاته المختلفة، ومدي ملائمة الإنفاق على البحث العلمي، فعلي سبيل المثال هناك مؤشر” Scimago Journal & Country Rank” الذي ظهر من عام 1996 ويعتمد على تحليل بيانات نشر الابحاث العلمية من أكثر من 5000 ناشر دولي ومقاييس أداء الدول من 239 دولة حول العالم. ويعرض الجدول رقم (1) أول 10 دول طبقا لعدد الأبحاث العلمية المنشورة عام 2019 في كل المجالات، والتي يظهر فيها تفوق الصين على الولايات المتحدة هذا العام، وتراجع الولايات المتحدة الي المركز الثاني.

جدول رقم (1) ترتيب أول 10 دول طبقا لعدد الأبحاث العلمية المنشورة عام 2019 في كل المجالات

الترتيب عالمياالبلدعدد الأبحاث العلمية
1الصين684048
2الولايات المتحدة678197
3المملكة المتحدة212519
4الهند187014
5ألمانيا183640
6اليابان132308
7إيطاليا125709
8فرنسا118951
9كندا115384
10روسيا111820
32مصر25314

المصدر: Scimago Journal & Country Rank 2019  

احتلت مصر المركز 32 بعدد أبحاث فاق 25 ألف بحث منشور في المجلات والدوريات العلمية المعتمدة دوليا في قاعدة بيانات  (Scopus-  (Elsevier B.V ، متفوقة في ذلك علي عدد كبير من الدول التي على الرغم من قلة إنتاجها للأبحاث العلمية المنشورة إلا أنها بلا شك من أهم الدول في البحث والتطوير وفي مجالات العلوم والتكنولوجيا، ابحاث الطاقة والصحة وغيرها من الأبحاث ذات المردود الهام على تطور تلك الدول، أو الدول التي من المعروف عنها أن نسبة إنفاقها على البحث العلمي ومستوي التعليم الجامعي فيها أعلى من مصر مثل النرويج، هونج كونج ، إسرائيل ، سنغافورة، أوكرانيا، الأرجنتين، فنلندا ، تايلاند، وغيرها من الدول. 

الإنفاق على البحث العلمي عالميًا

تنفق الدول الكبرى مبالغ هائلة على عملية البحث والتطوير على الرغم من عدم تأكدها من نتائج الباحثين، فأحيانًا تكون النتائج ناجحة ومرات تكون غير ذلك، ولكن لولا البحث العلمي لما تقدمت الأمم، وأبرز دليل علي ذلك سيطرة الدول الكبرى على المراتب الاولي في الانفاق وعدد الابحاث والاهتمام بالبحث العلمي والتطوير لديها وهي؛ الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا، والمحاولات الجادة من الدول الأخرى للوصول لقائمة العشر دول الاولي.

 ويعرض الجدول رقم (2) أكثر الدول إنفاقًا على البحث العلمي، فعلي سبيل المثال عام 2018 بلغ انفاق الدول على البحث العلمي قيم متفاوتة بالنسبة للناتج المحلي الاجمالي طبقًا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية  والتي انشأت عام 1961، للتعاون الاقتصادي والتجارة العالمية (The Organization for Economic Co-operation and Development (OECD، فجاءت كوريا الجنوبية في المركز الثاني بنسبة 4.5% من GDP وإجمالي الانفاق بلغ 95.4 مليار دولار، بعد احتلال إسرائيل المركز الاول بنسبة 4.9% وانفاق عام بلغ 16.5 مليار دولار، بينما أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 517 مليار دولار بنسبة بلغت 2.8 % من الناتج المحلي الاجمالي

جدول رقم (2) ترتيب الدول في الانفاق على البحث العلمي طبقا للناتج المحلي الاجمالي 

الترتيبالبلد% من الناتج المحلي الاجمالي GDPاجمالي الانفاق بالمليار دولار
1إسرائيل4.94116.345
2كوريا الجنوبية4.52895.461
3الصين3.462462.577
4السويد3.309117.06
5اليابان3.264173.313
6استراليا3.17524.218
7المانيا3.133129.647
8الدنمارك3.0339.121
9الولايات المتحدة2.826551.517
10بلجيكا2.76414.645

المصدر: https://data.oecd.org/rd/gross-domestic-spending-on-r-d.htm

سياسات عالمية للبحث والتطوير

استطاعت الدول المتقدمة أن توجد آليات وسياسات داعمة للبحث العلمي وتعتمد على وسائل تمكنها من توفير الميزانيات اللازمة للإنفاق على البحث العلمي وتوفير البنية التحتية اللازمة وكذلك تنويع مصادره، وتنظيم العمل في الجامعات والمعاهد البحثية الكبرى، ووضع خطة قومية تشجع بها الدولة اشراك القطاع الخاص بما يمتلكه من مراكز للبحث والتطوير، في حل مشكلات المجتمع وحجز مكانة علمية متقدمة بين الدول، مثل ما حدث في كوريا الجنوبية وفيتنام وسنغافورة وغيرها من الدول، حيث مراكز ابحاث الشركات الكبرى شاركت بدور هام ومؤثر في تطوير الصناعة والمنتجات لهذه الدول والوصول بها لمكانة صناعية متقدمة مثل الصناعات الثقيلة والهواتف الذكية والالكترونيات والسيارات بالإضافة إلى الملابس وصناعة النسيج. 

ولم تتوقف الدول عند هذا الحد بل شجعت الابتكار وأصبحت تتنافس بما لديها من باحثين مبتكرين يستطيعون أن يقفزوا بهذه الدول إلى حلول مبتكرة في القطاعات المختلفة وتطويع التكنولوجيا لحل أي مشكلة تواجه مجتمعهم، حتي ظهر مؤشر الابتكار العالمي الذي أطلقته المنظمة العالمية للملكية الفكرية وجامعة كورنيل الأمريكية ومعهد إنسياد الفرنسي لإدارة الأعمال وعدد من الشركاء، في محاولة لتشجيع الدول علي الابتكار، ويقيس المؤشر الأداء الابتكاري في 131 بلدًا واقتصادًا حول العالم استنادًا إلى 80 مؤشر تُعالج إسهامات البيئة السياسية والتعليم والبنية التحتية وتطوير الأعمال في دعم الابتكار.

ويعتمد مؤشر الابتكار العالمي في تقييمه على فئتين من المؤشرات الفرعية؛ تختص الفئة الأولى بالمدخلات وتقيّم إسهام الاقتصاد الوطني في كل دولة في دعم أنشطة الابتكار وتتعلق الفئة الثانية بالمخرجات أي نتيجة أنشطة الابتكار ضمن الاقتصاد، وينتج المؤشر النهائي من متوسط المدخلات والمخرجات معًا. وشهد هذا العام استمرار صعود الصين وفيتنام والهند والفلبين، وتقدمت البلدان الأربعة إلى قائمة الدول الخمسين الأولى وفقًا لمؤشر الابتكار العالمي

جدول (3) ترتيب اول 10 دول في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2020

الترتيبالدولةالنقاط
1سويسرا66.08
2السويد62.47
3الولايات المتحدة60.56
4المملكة المتحدة59.78
5هولندا58.76
6الدنمارك57.53
7فنلندا57.02
8سنغافورة56.61
9المانيا56.55
10كوريا الجنوبية 56.11
96مصر24.23

المصدر:  https://www.wipo.int/global_innovation_index/ar/2020/

وعلى الصعيد العربي، كانت الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة بين أول خمسين دولة، واحتلت المركز 34 عالميًا والثالث على مستوى منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، وجاءت مصر في المركز 96 عالميًا، والتي وصفها المؤشر بأنها تمتك نسب أعلى في مجال البحث والتطوير، وربما ظهر ذلك مؤخرًا في مضاعفة الانفاق على البحث العلمي وتزايد عدد الابحاث العلمية المنشورة والاهتمام بعمل شراكات ومشروعات بحثية مع جامعات دولية وخاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والصحة، فالبحث العلمي وتشجيع الابتكار ونقل التكنولوجيا هو السبيل الوحيد أمام الدول لتجد لنفسها مكانة متميزة عالميًا، وتحسين بيئة الأعمال لديها وتطوير قطاعات الانتاج والصناعة وحل مشكلات المجتمع. 

المصادر: 

  1. https://www.nature.com/articles/d41586-020-01466-7
  2. https://www.nature.com/articles/d41586-020-01463-w
  3. https://data.oecd.org/rd/gross-domestic-spending-on-r-d.htm
  4. https://www.scimagojr.com/countryrank.php?year=2019
  5. https://www.nature.com/articles/d41586-019-01921-0
Scroll Up