صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي (10 أكتوبر) على قرار الموافقة على الاتفاق بين حكومتي مصر واليونان بشأن تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، وذلك في أعقاب موافقة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء. ويُضاف هذا التحرك إلى جملة من التحركات التي شهدتها شرق المتوسط مؤخرًا والتي تفضي في نهاية الأمر إلى فرض مزيد من العزلة على تركيا، الأمر الذي أقرته المعارضة التركية في الداخل والتي رأت أن تركيا باتت تقف بلا أصدقاء، وهو ما دلل عليه “أحمد داوود أوغلو” مهندس عملية السياسة الخارجية التركية منذ صعود حزب العدالة والتنمية للحكم قبل أن يُعلن انشقاقه عن الحزب وينقلب على “أردوغان” بسبب الخلافات فيما بينهما. وقد انتقد “أوغلو” مؤخرًا تحركات الرئيس التركي شرق المتوسط قائلًا إن سياسات “أردوغان” جعلت تركيا وحيدة في أزمة شرق المتوسط.

وتنطلق تحركات تركيا في المتوسط من خلال المشروع الأردوغاني الذي تشكل في عام 2006 تحت مسمى “الوطن الأزرق” والذي يستهدف بالأساس فرض نفوذ تركيا وسيطرتها على البحار والمحيطات الثلاثة “البحر المتوسط وبحر إيجة والبحر الأسود”. ومن أجل تحقيق هذا المشروع قامت تركيا بعدد من التحركات التي تسببت في زيادة التوتر في المنطقة لمستوى غير مسبوق، خاصة في ظل عسكرة المنطقة عبر إجراء تركيا لعدد من المناورات البحرية وإرسال سفن للتنقيب عن الغاز الطبيعي في مناطق تخضع للسيادة البحرية لكل من اليونان وقبرص، وكذا التحرش بالسفن البحرية كما حدث عند قيام سفينة تركية بالتحرش بفرقاطة فرنسية (يونيو2020) أثناء مهمه تابعة للناتو، علاوة على تجاوز قواعد القانون الدولي للبحار. 

ملامح العزلة

  • الإقصاء من الترتيبات الجماعية، تسببت تحركات تركيا وصدامها مع دول منطقة المتوسط وأعمالها العدائية المتواصلة خاصة ما يتعلق برفض اتفاقية ترسيم الحدود بين الدول في إقصاء تركيا بعيدًا عن كافة الترتيبات والتكتلات الجماعية، وقد برز ذلك بشكل كبير فيما يتعلق بتأسيس منتدى غاز شرق المتوسط والذي تحول إلى منظمة إقليمية دولية بعد توقيع الدول الأعضاء المؤسسين للمنتدى -مصر، قبرص، اليونان، إيطاليا، الأردن، فلسطين وإسرائيل- فمن المتوقع بعدما اتخذ المنتدى صفة قانونية وطابعًا مؤسسيًا أن تزداد حدة المواجهة والتحركات الجماعية تجاه تركيا في الفترات القادمة، وهو ما سيزيد من عزلة تركيا، خاصة وأن هذه المنظمة سوف تؤثر على مجمل التوازنات شرق المتوسط، وستتيح إمكانية توسيع التعاون بين الدول الأعضاء والدول التي يمكن أن تنضم فيما بعد في مختلف المجالات. وقد تساهم المنظمة في اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحزمًا ضد مواقف تركيا التي تتنافى مع القواعد المؤسسة والحاكمة للميثاق المؤسس للمنظمة.
  • الوقوف على حدود الخطوط الحمراء، حاولت تركيا النفاذ إلى منطقة شرق المتوسط عبر فرض أمر واقع وشرعنة وجودها في المنطقة بما يتنافى مع القانون الدولي، وذلك من خلال توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج في نوفمبر 2019 والتي تجاهلت جزيرة كريت اليونانية. وقد رأت أنقرة أن الساحة الليبية يمكن أن تصبح مدخلًا للعب دور مؤثر شرق المتوسط، ومن هنا بدأت بالتدخل العسكري في ليبيا عبر تقديم دعم لحكومة السراج ونقل الميليشيات والمرتزقة وتزويدهم بالأسلحة والعتاد، إلا أن هذه المساعي تحطمت على صخرة الخطوط الحمراء التي رسمتها القاهرة لتركيا حول محور سرت الجفرة، فضلًا عن أن إعلان السراج نيته تسليم السلطة نهاية أكتوبر القادم –والذي عبرت تركيا عن انزعاجها منه- قد يحد من تأثيرات تركيا على كافة الأوراق والمفاتيح التي كانت تستخدمها في تعزيز نفوذها، خاصة وأن موقف الحكومة القادمة حال تشكيلها قد لا يتوافق بشكل تام مع الرؤية التركية أو على أقل تقدير قد لا يسمح لتركيا بأن تكون المحرك الأول للأمور على غرار ما يحدث مع حكومة السراج.
  • المحاولات الأوروبية لردع تركيا، على الرغم من تباين المواقف بين دول أوروبا فيما يتعلق بالتعامل مع تركيا، إلا أن هناك جهودًا كبيرة تقودها فرنسا واليونان وقبرص تستهدف فرض عقوبات على تركيا بسبب تحركاتها الاستفزازية شرق المتوسط، ويمكن لدول أوروبا في حالة إذا ما اتفقت على تحجيم تركيا لإرغامها على تغير سلوكها في المتوسط أن تفرض عددًا من العقوبات سواء على الشركات التركية العاملة في التنقيب أو من خلال منع البواخر التركية من الدخول في الموانئ الأوروبية، أو عبر استهداف عدد من القطاعات الاقتصادية، والعمل على خفض الأموال المخصصة لتسهيل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ، وقد يتخذ الأمر صورة أكثر حدة تتمثل في إنهاء ترشيح تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تمامًا. ورغم إمكانية فرض العقوبات إلا أن طبيعة العلاقات خاصة الاقتصادية بين تركيا وعدد من الدول في مقدمتها ألمانيا وإمكانية توظيف تركيا لورقة اللاجئين قد تضع قيودًا على موقف دول الاتحاد فيما يتعلق بحدة العقوبات.
  • تحولات الموقف الأمريكي، يُعدُّ موقف واشنطن وما طرأ عليه من تحولات في الفترة الأخيرة عاملًا من شأنه أن يُزيد من عزلة تركيا، خاصة في ظل رفض الولايات المتحدة لتحركات تركيا في المتوسط وهو ما ترجمه عدد من التحركات من بينها زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى قبرص (سبتمبر الماضي)، علاوة على قرار الكونجرس برفع حظر التسليح عن قبرص (ديسمبر2019)، فضلًا عن مشاركتها في مناورات بحرية مع –الأطراف المناوئة- إيطاليا وقبرص واليونان، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية تعاون أمني مع اليونان (أكتوبر 2019). تأتي كل هذه التحركات وسط تقارير حول احتمال نقل القوات الأمريكية من قاعدة إنجرليك إلى اليونان، الأمر الذي قد يؤثر على تركيا ومصالحها بشكل كبير حال حدوثه.
  • الانتشار العسكري وتعزيز القدرات، يمكن أن يعمل الحضور العسكري الفرنسي شرق المتوسط وتعزيز الدفاعات اليونانية على كبح جماح أنقرة وتحركاتها شرق المتوسط، إذ ارتفع منسوب التوتر بين أنقرة وباريس في أعقاب التحرش بين سفينة تركيا وفرقاطة فرنسية في المتوسط، الأمر الذي سرع من تعزيز باريس لوجودها العسكري عبر نشر قطع حربية والمشاركة في عدد من المناورات العسكرية، من ناحية أخرى تأتي خطة اليونان الرامية لتعزيز قدراتها الدفاعية عبر إعلانها عن شراء 18 مقاتلة من طراز رفال، وأربع فرقاطات وعدد من المروحيات البحرية، ناهيك عن مساعيها لإضافة نحو 15 ألف جندي لقواتها المسلحة خلال السنوات الخمس المقبلة. 

في الأخير، تظل التحركات التركية شرق المتوسط مصدرًا للتوتر وفي حالة استمرار أنقرة في تبني ذات السياسات فقد يؤدي ذلك إلى توسيع حدة الخلاف بينها وبين كافة دول الإقليم بل وقد يدفع الدول الأوروبية لوضع مزيد من القيود عليها من أجل تغيير سلوكها، ورغم ارتفاع حدة التصعيد ووصول الأمر إلى حافة الهاوية، فمن المتوقع ألا تصل الأمور إلى حد المواجهة المباشرة بين الأطراف.

Scroll Up