أعادت الجولة الأخيرة من المعارك في إقليم ناجورنو قره باغ التذكير بالأهمية المتزايدة للأنظمة الجوية غير المأهولة، ودورها الذي بات أساسيًا في عمليات الاستطلاع والمراقبة، وصولًا إلى العمليات الهجومية التي تقوم فيها الدرونز بدور القاذفات الجوية. دروس هذه الجولة من المعارك، بجانب دروس أخرى ظهرت بشكل واضح في جبهات قتال أخرى في الشرق الأوسط من اليمن شرقًا إلى ليبيا غربًا، أكدت أن المستقبل بات واقعًا معاشًا الآن، وأن دور الذكاء الاصطناعي والأنظمة القتالية الغير مأهولة بات من مفردات الحرب الحديثة، وأساسًا في أي معركة متكاملة يريد هذا الطرف أو ذاك تحقيق النصر الكامل فيها. 

مرت الدرونز بالعديد من مراحل التطور، إذ كانت البداية خلال حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى، التي كانت الجيوش فيها تستخدم المناطيد المزودة بعبوات متفجرة لاستهداف المواقع المعادية، وهذا كان يعد الشكل الأولى للأنظمة العسكرية المسيرة غير المأهولة. لكن عقب الحرب العالمية الثانية، وعلى أنقاض الأبحاث التي أجراها علماء الرايخ الثالث حول أنظمة الطيران والقنابل الجوية الموجهة توصل كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، إلى ابتكار طائرات دون طيار، يتم إطلاقها من على منصات أرضية، لتكون أهدافًا لتدريب وحدات الدفاع الجوي في كلا البلدين، ثم تم تطوير هذه الطائرات بعد ذلك وتزويدها بكاميرات للتصوير الجوي، وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا النوع من الطائرات في حرب فيتنام، وكذلك استخدمت إسرائيل هذه الطائرات خلال حربي عام 1967 و1973، لتضليل الدفاعات الجوية السورية والمصرية من جهة، ومن جهة أخرى من أجل تصوير الوضع الحالي للقوات في اتجاهات الهجوم المختلفة.

منذ مطلع الألفية الجديدة، بدء تطور واضح يطرأ على نوعية ومهام الطائرات دون طيار، التي باتت تنقسم إلى عدة أقسام، فمنها الطائرات دون طيار الاستطلاعية، والدرونز ذات القدرات الهجومية، بجانب الذخائر الجوالة (الانتحارية) التي تقوم بالهجوم على أهدافها بنفس الأسلوب التصادمي الذي تهاجم به الصواريخ الموجهة أهدافها. وقد انضم إلى هذه الأقسام خلال السنوات الأخيرة، الروبوتات القتالية الأرضية، والقطع البحرية غير المأهولة، سواء كانت تعمل على سطح الماء، أو في الأعماق. تعدد مواضع النزاع العسكري في منطقة الشرق الأوسط والقوقاز، أنتجت بيئة خصبة لاختبار الأنظمة المسيرة على اختلاف أنواعها، واستيضاح مدى التأثير الذي تمثله هذه الأنظمة على مجريات المعارك الميدانية ونتائجها.

الميدان اليمني … تجربة متعددة الأوجه

استخدمت كافة الأطراف المنخرطة في الملف اليمني، خاصة التحالف العربي والولايات المتحدة وقوات جماعة أنصار الله (الحوثيين)، الأنظمة الجوية المسيرة بشكل مكثف خلال السنوات الأخيرة، لكن كانت تجربة جماعة الحوثيين هي الأكثر لفتًا للأنظار، نظرًا لأنها استخدمت أنواعًا متعددة من الدرونز، بما في ذلك الدرونز الهجومية والذخائر الجوالة، وهي تقنيات تعد حكرًا على عدد محدود من الدول، وهو ما يشير إلى ضلوع إيراني أساسي في تزويد هذه الجماعة بهذه القدرات القتالية النوعية.

فيما يتعلق بالتحالف العربي، تكثّف استخدام سلاحي الجو الإماراتي والسعودي لمجموعة متنوعة من أنواع الطائرات دون طيار، تعددت مهامها ما بين الرصد والمراقبة والعمليات الهجومية. سلاح الجو السعودي من جانبه استخدم في بداية عمليات (عاصفة الحزم)، درون الاستطلاع الجنوب أفريقية (Seeker-400)، لتنفيذ عمليات الدورية والاستطلاع الإلكتروني لمناطق الاشتباك مع قوات الحوثيين، في مناطق الحد الجنوبي السعودي (عسير – نجران – جيزان). يمتلك سلاح الجو الإماراتي هذا النوع أيضًا بعدد يصل إلى 11 طائرة، ويتميّز بالقدرة على التحليق المتواصل لمدة 16 ساعة، بمدى يصل إلى 260 كم، وارتفاع أقصى 6 كم، ويستطيع حمل مستشعرات إلكترونية وكاميرات يصل وزنها إلى 100 كيلو جرام، مع إمكانية تزويده بصاروخين موجهين بالليزر.

كذلك استخدم سلاح الجو السعودي في عملياته شمالي اليمن، درون الاستطلاع القريب ألماني الصنع (Emt Lunax-2000)، الذي يمتلك منه سلاح الجو السعودي حاليًا ست طائرات. يمكن تزويد هذه الدرونز بوسائط للتشويش اللاسلكي، ويبلغ مداها الأقصى 100 كم، وسقف تحليقها 3 كم، بسرعة قصوى تبلغ 70 كم في الساعة، ومدة تحليق متواصل تتراوح بين 6 إلى 8 ساعات.

النوع الثالث الذي استخدمه سلاح الجو السعودي في عملياته باليمن، كان الدرون الهجومية الصينية (Wing long-2)، التي يمتلكها أيضًا سلاح الجو الإماراتي، وتختص بعمليات القصف الأرضي، بجانب القدرة على القيام بعمليات التصوير والاستطلاع، وتبلغ سرعتها القصوى 280 كم في الساعة، بسقف تحليق أقصى يبلغ 5 كم، ومدى كلي يبلغ 4 آلاف كيلو متر، ومدة تحليق متواصل تبلغ 20 ساعة. يستطيع هذا النوع حمل ذخائر للقصف الأرضي يصل وزنها الأقصى إلى طن واحد، أو ما يوازي 100 كيلو جرام من المستشعرات والكاميرات المخصصة لعمليات الاستطلاع القريب والإلكتروني. النوع الرابع هو درونز الاستطلاع الخفيفة كندية الصنع (Aeryon Scout)، وهي عبارة عن طائرات دون طيار صغيرة الحجم، مخصصة لعمليات التصوير والاستطلاع، تبلغ سرعتها القصوى 50 كم في الساعة، ومداها 3 كم، وسقف ارتفاعها 300 متر.

فيما يتعلّق بسلاح الجو الإماراتي، تم استخدام نوعين من أنواع الطائرات دون طيار، الأول كان المروحية دون طيار نمساوية الصنع (Camcopter S100)، وهي مروحية مخصصة لعمليات التصوير والرصد القريب، ويمكن تزويدها بصواريخ خفيفة، تبلغ سرعتها القصوى 220 كم في الساعة، وسقف ارتفاعها يبلغ 5 كيلومترات، ومداها الأقصى 180 كم، وتستطيع التحليق بشكل متواصل لمدة 6 ساعات. النوع الثاني كان الدرون الهجومي الأمريكي (MQ-1 Predator)، وتبلغ سرعته القصوى 220 كم في الساعة، ومداه الأقصى 1100 كم، وسقف تحليقه 7 كيلومترات، بجانب قدرته على التحليق بشكل متواصل لمدة تصل إلى 24 ساعة. يضاف إلى ما سبق العمليات الجوية التي نفذها سلاح الجو الأمريكي على مدار السنوات الماضية وسط اليمن، ضد مواقع وجود قياديي تنظيم القاعدة في اليمن، باستخدام الدرونز الهجومية (MQ-9 Reaper).

جماعة الحوثي كانت أيضًا حاضرة في مشهد استخدام الطائرات دون طيار في الميدان، حيث امتلكت عدة أنواع من الدرونز الاستطلاعية والقتالية والذخائر الجوالة، استخدمتها عدة مرات خلال عامي 2018 و2019، وكانت تصاميمها مستوحاة من طائرات تجارية دون طيار ومن طائرات دون طيار إيرانية الأصل. فيما يتعلق بطائرات الاستطلاع دون طيار، امتلكت الجماعة طائرة الاستطلاع وتصحيح النيران (راصد)، المزوّدة بمحرك كهربائي يوفر لها مدى يصل إلى 35 كم ومدة تحليق متواصل تصل إلى ساعتين، والطائرة (هدهد-1) التي يصل مداها إلى 30 كم، ومدة تحليقها المتواصل هي 90 دقيقة، والطائرة (رقيب) وهي طائرة استطلاع ميداني قريب يبلغ مداها 15كم ومدة تحليقها المتواصل 90 دقيقة. 

فيما يتعلق بالذخائر الجوالة والدرونز الهجومية، استخدمت الجماعة في أبريل 2018 للمرة الأولى، الذخيرة الجوالة (قاصف -1)، وهي طائرة انتحارية دون طيار مزوّدة بمحرّك يعمل بالبنزين يوفّر لها مدى يصل إلى 100 كيلو متر، ومدة تحليق متواصل تصل إلى ساعتين، ومزوّدة برأس متفجر تصل زنته إلى 30 كيلو جرام، و استخدمتها الجماعة في استهداف عدد من المواقع في الحد الجنوبي السعودي، مثل مقر شركة أرامكو قرب مدينة جيزان، ومطار أبها الإقليمي في مدينة عسير، وكذا استخدمتها في معارك محافظة تعز، خاصة في منطقتي المخا وموشج. 

وفي يوليو 2019، استخدمت نوعًا جديد من أنواع الذخائر الجوالة، تحت اسم (صماد 2) في استهداف منشأة تابعة لشركة أرامكو النفطية في الرياض، وتبع ذلك هجوم على مطار أبو ظبي باستخدام ذخائر جوالة جديدة تحت اسم (صماد 3). هذان النوعان من الذخائر الجوالة، شكل ظهورهما نقلة نوعية، نظرًا لمداهما الكبير الذي يصل إلى 1500 كيلو متر، وإن كانت التقديرات التي تتحدث عن زنتها المتفجرة تتراوح ما بين 50 إلى 70 كيلو جرام فقط، إلا أن قوتها تكمن في تنفيذ هجمات بأعداد كبيرة منها على هدف محدد.

آخر الذخائر الجوالة التي تم رصدها في تسليح جماعة الحوثي، هي الذخيرة الجوالة (قاصف-تو كيه)، التي تم استخدامها للمرة الأولى في يناير 2019، لاستهداف قاعدة العند الجوية جنوبي اليمن، وتتميز بأنها لا تصطدم بشكل مباشر بالهدف كما هو الحال عليه في الذخائر الجوالة المماثلة، لكنها عوضًا عن ذلك تنفجر فوق الهدف بمسافة تتراوح بين 10 إلى 20 متر، مما يساهم في نشر الموجة التدميرية بطريقة أكثر فعالية.

تجربة الذخائر الجوالة التابع لجماعة أنصار الله كانت مثيرة للاهتمام رغم محدودية التأثير الميداني الناتج عنها، في حين لم يكن للطائرات دون طيار فاعلية تذكر في ميدان مثل الميدان اليمني، الذي يتسم بسمات مميزة على صعيد التضاريس وظروف القتال، لكن على أي حال، أظهرت الأنظمة القتالية غير المأهولة (التي شملت أيضًا الزوارق المتفجرة المتحكم بها عن بعد، والتي هاجمت بها جماعة الحوثيين الوحدات البحرية التابعة للتحالف العربي)، أنها من الممكن أن تمثل خطورة على الخاصرة الضعيفة في المواقع والتمركزات التي لا تكون محمية بشكل فعال من شبكة دفاع جوي متكاملة، أو القطع البحرية التي لا تمتلك وسائل لرصد واستهداف التهديدات المقتربة المماثلة لهذه الزوارق الانتحارية السريعة.

الميدان السوري … ساحة تجارب للطائرات دون طيار

لم تكن الطائرات دون طيار غريبة على الأجواء السورية في الفترة ما قبل عام 2011، فقد استخدم الجيش السوري للمرة الأولى الطائرة السوفيتية دون طيار (تى يو-143)، التي يبلغ مداها 200 كم، لتنفيذ عمليات استطلاع وتصوير فوق أماكن التحشد الإسرائيلية في لبنان وفلسطين المحتلة خلال حرب لبنان عام 1982. هذا النوع من الطائرات تم إخراجه من الخدمة في القوات الجوية السورية أوائل تسعينات القرن الماضي إلا انه أعيد مرة أخرى إلى الخدمة بقوة سرب كامل وهو السرب 585 المتمركز في مطار المزة العسكري.

لم يتم تسجيل أي استخدام معاصر لهذا النوع من قبل الجيش السوري، لكن اتضح بعد بدء تدهور الأوضاع في سوريا عام 2011، أن دمشق كانت في خضم برنامج بحثي وتصنيعي لتطوير طائرات من دون طيار بدأ عام 2010، مستفيدة في ذلك من الخبرة الإيرانية الكبيرة في هذا المضمار.

هذا البرنامج لم تنكشف تفاصيله الكاملة حتى الآن، لكن بعض ملامحه ظهرت للعلن في سبتمبر 2012، حين دخلت إحدى الفصائل السورية المسلحة إلى مركز البحوث العلمية في حلب، وعثرت حينها على عدد من النماذج المطوّرة سوريًا من الطائرة الإيرانية من دون طيار (صاعقة)، وهي طائرات تستخدم كأهداف للتدريب. نظرا لتصاعد الأحداث على الأرض في سوريا منذ ذلك التوقيت، توقف هذا البرنامج تماما واتجه الجيش السوري نتيجة حاجته إلى معلومات محدثة ودقيقة إلى استخدام طائرات من دون طيار إيرانية لدعم عملياته العسكرية، منذ فبراير 2012. 

أبرز هذه الطائرات كانت الطائرة الإيرانية (المهاجر)، التي ظهرت في سوريا عبر جيلين من أجيالها، هما الجيل الثاني الذي ظهر لأول مرة في أجواء معضمية الشام في أبريل 2013، والجيل الرابع الذي ظهر لأول مرة في أجواء عربين قرب دمشق في يونيو من نفس العام. يبلغ مدى الجيل الرابع من هذه الطائرات 150 كم، وسرعتها القصوى تصل إلى 200 كم، وتستطيع التحليق بشكل مستمر لمدة تتراوح بين ثلاث وسبع ساعات.

يضاف إلى هذا النوع طائرة أخرى، وهي طائرة (الياسر)، التي ظهرت لأول مرة في أجواء القلمون في نوفمبر 2013، وتعد هذه الطائرة تطبيقا من تطبيقات الهندسة العكسية، حيث طورتها إيران من الطائرة الأمريكية من دون طيار (سكان أيغل)، التي صادرتها إيران أواخر عام 2012. يبلغ مداها نحو 200 كم، وتحمل كاميرات تستطيع التصوير في الظروف الجوية السيئة، وتتميز ببدن صغير مقاوم للماء يتم تخزينه في حقيبتي يد، وتستطيع الوصول إلى ارتفاع 15 ألف قدم، والتحليق بشكل متواصل لمدة ثماني ساعات.

ظهرت في الأجواء السورية أيضًا في أبريل 2014، طائرة إيرانية أخرى، هي الطائرة الهجومية دون طيار (شاهد 129)، وتعد أحدث طائرة تم تسجيل تواجدها في سوريا حتى الآن، ويبلغ مداها العملياتي 1500 كم، وتستطيع الطيران لمدة تصل إلى 24 ساعة متواصلة، وتتميز بقدرتها على حمل ما يصل إلى 8 صواريخ موجهة.

روسيا ضخت خلال المعارك السورية عددًا كبيرًا من الدرونز القتالية والاستطلاعية، وتعد طائرة الاستطلاع (ORLAN-10)، من أكثر الدرونز الروسية استخدامًا في سوريا، وتعد فعليًا الطائرة دون طيار الرئيسية في تسليح الجيش الروسي، بعدد يتجاوز 2000 طائرة. ظهرت هذه الطائرة للمرة الأولى في الميدان السوري في أكتوبر 2015، وهي طائرة استطلاع متوسط مزودة بكاميرات متخصصة في رسم الخرائط ثلاثية الأبعاد وعمليات الاستطلاع والتصوير الجوي، ومن أهم مميزاتها إمكانية عملها في أسراب تتكون من بين ثلاثة إلى خمسة طائرات، يتم توزيع المهام عليها ما بين مهام الحرب الإلكترونية والاستطلاع ونقل الإشارات والبيانات إلى محطة التحكم، وقد ظهرت في نزاعات عسكرية أخرى مثل ليبيا وأوكرانيا. تستطيع العمل بشكل متواصل لمدة 16 ساعة، وتحلق على ارتفاعات تصل إلى خمسة كيلومترات، وتصل سرعتها القصوى إلى 150 كيلو مترًا في الساعة.

يضاف إلى هذا النوع من الدرونز درون الاستطلاع قصير المدى (Eleron-3SV)، الذي ظهر في سوريا للمرة الأولى في يوليو 2015، وقد بدأ تصنيعه بشكل كمي عام 2005، ويمتلك الجيش الروسي منه نحو 200 طائرة، وتصل سرعته القصوى إلى نحو 130 كيلو متر في الساعة، ويستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى خمسة كيلو مترات، وهو مخصص بشكل أساسي لتنفيذ مهام الاستطلاع القريب أمام قوات المشاة المتقدمة. طائرة الاستطلاع المتوسطة دون طيار (Forpost)، من أهم الطائرات الاستطلاعية التي استخدمها الجيش الروسي خلال المعارك في سوريا، وهي نسخة منتجة بترخيص من إسرائيل، مبنية على تصميم الطائرة الإسرائيلية (Searcher2)، التي حصلت روسيا على أعداد منها ضمن صفقة بقيمة 54 مليون دولار تم توقيعها في أبريل 2009، لتبدأ بعد ذلك عمليات تصنيع وتجميع هذا النوع داخل روسيا منذ أوائل عام 2012، لتدخل الخدمة في الجيش الروسي عام 2014، وتم تطوير هذا النوع من الطائرات تحت اسم (Forpost M) عام 2017، ووصل مداه الأقصى إلى 250 كيلو متر، وسرعته القصوى 200 كيلو متر في الساعة، ويستطيع التحليق المتواصل لمدة تصل إلى 18 ساعة.

استخدم الجيش الروسي في سوريا كذلك عدة أنواع من الدرونز التكتيكية المصاحبة لفرق المشاة، مثل الطائرة التكتيكية (Ptero-G0)، التي تستطيع الطيران بشكل متواصل لمدة 8 ساعات، ويصل مداها الأقصى إلى 800 كيلومتر، وتستطيع حمل معدات تصل زنتها إلى خمسة كيلو جرامات. آخر أنواع الطائرات الروسية دون طيار، التي تم تسجيل وجودها في سوريا، كانت طائرة الاستطلاع دون طيار (Granat-4)، التي تم اكتشاف وجودها في سوريا أوائل عام 2017، وتتراوح سرعتها القصوى ما بين 90 و145 كيلو متر في الساعة، ويصل مداها الأقصى إلى 10 كيلو متر.

في الميدان السوري استخدمت قوات التحالف الدولي أيضًا الطائرات دون طيار، فقد تم تسجيل تحليق طائرات من دون طيار من نوعي (ريبر) و(بريديتور) بداية من سبتمبر 2014. طائرة (بريديتور) يصل مداها إلى أكثر من ألف كيلو متر، وتستطيع الطيران المتواصل حتى 24 ساعة، بارتفاعات تصل إلى 7 كم وتستطيع حمل صواريخ جو – أرض على نقطتي تعليق أسفل جناحيها، وقد نفذت عمليات استطلاع وتصوير في الأجواء السورية، خاصة المنطقة الشرقية، كما نفذت عدة عمليات قصف في محافظة إدلب خلال الأشهر الماضية. أما طائرة (ريبر) فهي نسخة محدثة من البريديتور، ويبلغ مداها 1800كم بارتفاع يصل إلى 7.5 كم ومدة طيران متواصل تصل إلى 14 ساعة وتمتلك سبع نقاط تعليق أسفل جناحيها ما يتيح لها حمل حمولة أكبر بكثير من البريديتور.

تجربة الدرونز التركية في سوريا وليبيا

حسب مجمل التقارير التي أصدرتها عدة مؤسسات بحثية، منها معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، والمعهد الملكي للخدمات المتحدة، بدأ عام 1995 اهتمام تركيا بشراء وتشغيل درونز الاستطلاع والمراقبة، حيث تعاقدت في هذا العام مع شركة (جنرال أتوميكس)، على شراء درون المراقبة والرصد (GNAT-750)، لكن برزت خلال المواجهات المتعددة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، في المناطق الحدودية مع العراق وسوريا، أهمية امتلاك سلاح الجو التركي لدرونز هجومية، لذلك سعت أنقرة عام 2008، لشراء الدرونز الهجومية أمريكية الصنع (بريديتور) و(ريبير)، إلا أن رفض واشنطن إتمام هذه الصفقة دعا أنقرة إلى التعاقد عام 2005 مع تل أبيب، على شراء عشرة درونات هجومية من نوع (هيرون)، بموجب صفقة بلغت قيمتها الإجمالية 193 مليون دولار.

وعلى الرغم من أن تسليم كامل الصفقة تم بالفعل عام 2012، إلا أنه كان متأخرًا لعامين كاملين، وشابته تأخيرات عديدة، على خلفية التوتر بين البلدين، عقب أحداث سفينة مرمرة عام 2010، ولذلك اتخذت أنقرة قرارًا فعليًا عام 2004، بالبدء في مشروع تطوير درونز محلية الصنع.

اعتمدت شركة الصناعات الفضائية التركية في تصميم طائرتها المسيرة الأولى (أنكا) على النماذج التصميمية الخاصة بالدرون الإسرائيلية هيرون، مع اعتماد محركات مستوردة من الخارج، وقد فشلت في البداية محاولات تحويل النسخة الأساسية من هذه الدرون (بلوك أيه) إلى درونز هجومية حاملة للصواريخ، خاصة وان هذا المشروع شهد عدة عقبات نتيجة للاعتماد على محركات مستوردة، وارتباط استيراد هذه المحركات باعتبارات سياسية واقتصادية، ناهيك عن فشل المحاولة الأولى لاختبار النسخة الأولى (بلوك إيه) عام 2010. 

في عام 2015، تم بنجاح إتمام الاختبار الأول للنسخة الاستطلاعية الثانية من هذه الدرون (بلوك بي)، وكان من المتوقع أن يتم تحويلها إلى نسخة هجومية، عن طريق تزويدها بصواريخ (سيريت)، وهي صواريخ موجهة بالليزر من إنتاج شركة (روكيتسان) التركية، إلا أنه تم تعديل هذه الخطة، لتصبح النسخة الهجومية هي نسخة الإنتاج الكمي، المعروفة باسم (أنكا – إس)، وبالفعل طلبت وزارة الدفاع التركية، شراء عشرة درونات من هذا النوع، عام 2013.

تعد طائرات (أنكا – إس) واحدة من ضمن نوعين من أنواع الطائرات المسيرة الهجومية العاملة حاليًا في سلاح الجو التركي، وقد نفذت أول تجربة قتالية لها في أغسطس 2018، وتم تزويدها للمرة الأول بمحرك محلي الصنع في ديسمبر من نفس العام، وهي حاليًا في الخدمة بعدد يتراوح بين 16 و30 طائرة.

بالنسبة لمواصفاتها الفنية حسبما أعلنت عنه الشركة المصنعة، تمتلك محرك توربيني يعمل بالوقود الثقيل، تبلغ قدرته الإجمالية 155 حصان، يوفر لها القدرة على الوصول لارتفاعات تقترب من 9 كيلو متر، ومدى فعلي يتراوح بين 250 و280 كيلو متر، مع القدرة على التحليق بشكل متواصل في هذا النطاق لمدة يوم كامل. حمولة هذه الدرون القصوى هي 250 كيلو جرام، وهي تشمل حزمة المراقبة والاستطلاع المزود بها، بجانب أربعة صواريخ انزلاقية مضادة للدروع موجهة بالليزر.

الدرون الهجومية الثاني في الترسانة التركية حاليًا، هي الدرون (بيرقدار تي بي2)، والذي قامت بتطويره شركة (بايكار) للصناعات الجوية على مرحلتين، الأولى بدأت مطلع عام 2007، وصولًا إلى أواخر عام 2011، وفيها تم البدء في إنتاج النسخة الأولى من هذه الدرون (تي بي1)، والتي كانت لديها القدرة على حمل صاروخين فقط من نوع (مزراك – يو) الذي تنتجه شركة روكيتسان. 

المرحلة الثانية بدأت مطلع عام 2012، واستهدفت تطوير قدرات هذه الدرون وزيادة حمولتها من الذخائر، ومدة تحليقها في كل طلعة، وقد تمت تجربة التحليق الأولى لهذا النموذج بعد تطويره في أبريل 2014، وأواخر نفس العام تسلم سلاح الجو التركي أولى دفعات هذه الدرون التي وصلت أعدادها حاليًا في كل من وحدات حرس الحدود وسلاح الجو والشرطة في تركيا إلى أكثر من مئة.

حسب البيانات المعلنة من الشركة المصنع (بايكار)، فإن المدى الأقصى لتحليق هذه الدرون في نسختها الأحدث (تي بي2) هو 150 كيلو متر، وتستطيع الطيران إلى ارتفاعات تصل إلى ثمانية كيلو مترات، وتتزود بمحرك تصل قدرته الإجمالية إلى مائة حصان، يوفر لها القدرة على التحليق بشكل متواصل (ضمن مدى 150 كيلو متر) لمدة 24 ساعة، مع العلم أنه تم كسر هذا الرقم، في تجربة طيران أجرتها هذه الدرون في الكويت في يوليو عام 2019، وخلالها حلقت بشكل متواصل لمدة 27 ساعة.

بالنسبة لحمولة هذه الدرون الإجمالية، فهي تبلغ 150 كيلو جرام، موزعة ما بين حزمة المراقبة والتصوير (ما بين 45 و55 كيلو جرام)، بجانب تسليحها المكون من أربعة صواريخ موجهة بالليزر، بواقع صاروخين من نوع (مام سي)، يبلغ وزن كل منهما 6.5 كيلو جرام، وصاروخين من نوع (مام أل)، يبلغ وزن كل منهما 22 كيلو جرام، وجدير بالذكر هنا أن الدرون (أنكا إس) تم تسليحها مؤخرًا بنفس هذين النوعين من الصواريخ.

إذا ما نحينا جانبًا نشاط الدرونز التركية ضد حزب العمال الكردستاني شمالي العراق وسوريا، نجد أن نشاط هذه الدرونز خارج تركيا يتركز في قبرص الشمالية وسوريا وليبيا. درونز (أنكا -إس) استُخدمت لأول مرة في الأجواء السورية في فبراير الماضي، عقب تعرض الوحدات التركية شمال سوريا لضربات عنيفة من جانب الجيش السوري، وخلال هذه المشاركة، أسقطت الدفاع الجوية السورية درون من هذا النوع، في أجواء ريف محافظة إدلب شمالي البلاد. درونز (بيرقدار تي بي 2)، شاركت أيضًا في هذه العمليات، وتم إسقاط إحداها في أجواء مدينة سراقب.

على الرغم من هذين الإسقاطين، كان لنشاط هذين النوعين تأثير واضح على مجمل سير المعارك بين تركيا وسوريا في هذه الفترة، حيث تبادل كلا النوعين المهام، بحيث نفذت درونز (أنكا إس)، مهام التشويش والاستطلاع الإلكتروني التي تستهدف وسائط الاتصال ومنظومات الدفاع الجوي السورية، في حين نفذت درونز (بيرقدار) مهام الاستهداف والقصف، وقد ساهمت الأوضاع السورية الحالية بعد سنوات طويلة من المعارك، والضعف الكبير في فعالية وتغطية شبكة الدفاع الجوي السورية، في نجاح هذه الدرونز في تدمير عدد من الدبابات والآليات العسكرية السورية.

في ليبيا، كانت التجربة أكثر فداحة وصعوبة بالنسبة للدرونز التركية، فقد وصلت حصيلة الدرونز التي أسقطها الجيش الوطني الليبي حتى الآن، إلى 31 درون، أولها كان في نوفمبر من العام الماضي، وهذه الحصيلة تضم فقط الدرونز التي تم إسقاطها أثناء تحليقها، ولا تضم الدرونز التي تم استهدافها أثناء الإقلاع أو داخل أماكن تخزينها. يضاف إلى ذلك، إسقاط درون واحدة من نوع (أنكا – إس)، هذا الشهر، وهذا يعد الظهور الأول لهذا النوع في المعارك الليبية.

العيوب الأساسية لدرون (بيرقدار) التي ظهرت خلال المعارك الليبية، تمثلت بالإضافة إلى حمولتها المحدودة من الذخائر، ارتباطها بمحطة التوجيه، وهو ما يحد من مداها الذي لا يتعدى 150 كيلو متر. يضاف إلى ذلك، المعدات الأرضية المتعددة التي تحتاجها هذه الدرون لتشغيلها، من محطات للتحكم والسيطرة، ومحطات لاستقبال البيانات وإرسالها، ومحطات للفيديو، بجانب هوائيات التوجيه، وبالتالي يكون من السهل اكتشاف موقع غرفة التحكم التي تدير عمليات تحليق هذا الدرون، ومن ثم استهدافها.

جدير بالذكر هنا أن الوضع الميداني كان أيضًا نقطة رجحت كفة الدرونز التركية في سوريا، على عكس الوضع في ليبيا، ففي سوريا كانت مطارات انطلاق هذه الدرونز هي مطارات جنوب تركيا، في منأى عن النيران السورية، وبالتالي كان لديها القدرة على العمل على الحدود وعبرها، بجانب مصاحبة تحليقها لعمليات تشويش واسعة على وسائط الاتصال والرادارات السورية، الوضع في ليبيا كان أكثر اختلافًا، ففي غياب عمليات التشويش المكثفة، وفي ظل محدودية المدارج التي يمكن استخدامها في إقلاع هذه الدرونز، أصبحت هذه الأخيرة أمام اختبار أوضح وأكثر مصداقية، ظهرت فيه بجلاء قدراتها الحقيقية.

تركيا ضخت خلال السنوات الماضية، نحو 105 مليون دولار، لدعم عمليات التطوير المستمر للدرونز الهجومية، وصاحب ذلك عمليات بناء وتشييد سريعة الوتيرة، لشبكة من مواقع تمركز الدرونز في مطارات جنوب البلاد وساحل بحر إيجة، ومواقع أخرى في قبرص الشمالية، وهذا كله ضمن محاولات أنقرة، منافسة الدول الرائدة في مجال صناعة الدرونز الهجومية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وإسرائيل والصين، لكن بالمقارنة بين منتجاتها الحالية، وأبرز منتجات هذه الدول، نجد أن الميزان يميل بشدة إلى منتجات هذه الدول الخمس، على حساب ما أنتجته تركيا حتى الآن من درونز هجومية.

بل أننا إذا قارننا بين (بيرقدار) و(أنكا إس) من جهة، ودرون (هيرون) الإسرائيلية، سنجد أن هذه الأخيرة تتفوق بمسافات عنهما، خاصة في المدى العملياتي (أكثر من ألف كيلو متر)، والحمولة (2700 كيلو جرام). علمًا بأن تصميم درون أنكا إس اعتمد على تصميم درون هيرون.

من الأمثلة الأخرى، الدرون الصينية (وينج لونج 2)، التي تبلغ حمولتها القتالية 480 كيلو جرام. تركيا تعي تمامًا هذه الفروق الشاسعة، ولذلك هي حاليًا في خضم عدة مشروعات لتطوير درونز هجومية ثقيلة، من بين هذه المشاريع درون (أكينسي)، التي تطورها شركة (بايكار)، وأجرت أول تجربة تحليق لها في ديسمبر الماضي، ويتوقع أن تتعدى حمولتها القتالية 1000 كيلو جرام، موزعة على ست نقاط تعليق خارجية. بالإضافة إلى هذه الدرون، تطور شركة الصناعات الفضائية التركية درون هجومية تحت اسم (أكسونجور)، قامت بتحليقها الاختباري الأول في مارس 2019، ويتوقع أن تبلغ حمولتها القتالية 750 كيلو جرام، موزعة أيضًا على ست نقاط تعليق، لكنها حتى الآن لم تدخل مرحلة الإنتاج الكمي، مثلها في ذلك مثل درون (أكينسي).

ميدان ناجورنو قره باغ … ملامح مستقبل الدرونز يتشكل

على الرغم من أن الجبهات السالف ذكرها تم فيها استخدام الدرونز بمختلف أنواعها، إلا أن جولة القتال الأخيرة في إقليم ناجورنو قره باغ، شهدت تكاملًا نادرًا بين عمل الدرونز الاستطلاعية، والدرونز القتالية، والذخائر الجوالة، بحيث تكاملت فيه الصناعة العسكرية التركية مع نظيرتها الإسرائيلية. 

السلاح التركي الأول الذي ظهر ضمن هذه المنظومة، هو الدرونز التركية القتالية (بيرقدار)، التي تم استخدامها من جانب القوات الأذرية، بشكل مكثف منذ بداية العمليات القتالية. ظهور هذه الدرونز في حوزة الجيش الأذربيجاني شكل مفاجأة لدى البعض، لكن واقع الأمر أن مؤشرات تزود باكو بهذا النوع من أنواع الدرونز القتالية، بدأت في التصاعد أواخر يونيو الماضي، حين صرح وزير الدفاع الأذربيجاني بأن بلاده تخطط لشراء عشرات الدرونز تركية الصنع، لكنها حينها لم يتحدث عن نوع هذه الدرونز بشكل محدد، لكن أشار إلى أن شراء هذه الدرونز سيكون وفقًا لنصوص القانون الذي أقره البرلمان الأذربيجاني مؤخرًا، بشأن مساعدات تركية مخصصة لشراء ذخائر وأسلحة لصالح الجيش الأذربيجاني.

على المستوى العملياتي، تم استخدام درونز بيرقدار في عدة مهام قتالية، منها عمليات تصحيح نيران المدفعية، وذلك عن طريق تقديم صور مباشرة لنتائج الضربات المدفعية الأذرية، وتحديد ما إذا كانت إحداثيات التهديف تحتاج إلى تعديلات أم لا. الدور الأهم لهذه الدرونز كان هجوميًا بحتًا، حيث نفذت ضربات إجهاضية استهدفت الدفاعات الجوية التابعة للوحدات المدافعة عن الإقليم، خاصة المنظومات الروسية الصنع ذاتية الحركة “أوسا” و”ستريلا 10″، وكذلك استهداف القطاعات الأرمينية المدرعة، خاصة دبابات (تي 72) وناقلات الجند المدرعة بمختلف أنواعها، وذلك باستخدام صواريخ (مام – أل) المضادة للدروع، والتي سبق استخدامها في ليبيا.

المثير للانتباه في هذا الصدد، هو أن هذه الدرونز قامت باستهداف الدفاعات الجوية الأرمينية، ضمن خطة أكبر، تم فيها استخدام وسائط عسكرية أخرى، بهدف كشف مواقع مرابض الدفاع الجوي الأرمينية، واستهدافها بشكل دقيق. من ضمن هذه الوسائط القتالية، الذخائر الجوالة (الانتحارية) إسرائيلية الصنع، من نوع (اوربيتر- 1 كي)، التي استهدفت بشكل مركز قطع المدفعية والدبابات التابعة لقوات الدفاع عن الإقليم، وظهرت إحداها خلال عملية استطلاع نفذتها درون بيرقدار في الأيام الأولى للمعركة.

تسلم الجيش الأذربيجاني خلال الفترة ما بين عامي 2016 و2019، مئة ذخيرة جوالة من هذا النوع، وقام بتصنيع أعداد منها محليًا تحت اسم (زيربا). تحمل كل ذخيرة جوالة من هذا النوع، ما بين 1 و2 كيلو جرام من المواد المتفجرة، وقد استخدمها الجيش الأذربيجاني بصورة خاصة، لاستهداف شاحنات نقل الذخيرة، وأكداس قذائف المدفعية التي تكون ملحقة بمرابض مدفعية الميدان. وقد حققت هذه الذخائر أصابات مباشرة، لكن تم إسقاط أعداد كبيرة منها خلال المعارك.

استخدم الجيش الأذربيجاني أيضًا الذخائر الجوالة الإسرائيلية (هاروب)، التي حصل على دفعة أولى منها تقدر ب 50 طائرة ما بين عامي 2015 و2016، وقد سبق وتم استخدام هذا النوع من الذخائر الجوالة من جانب الجيش الأذربيجاني، ضد مواقع الوحدات المدافعة عن الإقليم، وذلك خلال معارك أبريل 2016، وحينها كما في الجولة الحالية من المعارك، تم إسقاط عدد منها قبل الوصول إلى أهدافها.

يتميز هذا النوع عن الذخائر الجولة الإسرائيلية الصنع الأخرى بحمولة كبيرة من المواد المتفجرة تقدر ب 16 كيلو جرام، ومدى تحليق أكبر يصل إلى 200 كيلو متر، ويمتلك هذا النوع القدرة على التحليق المتواصل لتسع ساعات، والهجوم بأي زاوية على الهدف المراد تدميره. تمتلك تركيا أيضًا منذ عام 2005 هذا النوع من الذخائر الإسرائيلية الجوالة.

هذه الاستراتيجية من جانب أذربيجان مقتبسة من تكتيكات ابتكرتها إسرائيل خلال جولات قتالية سابقة في الشرق الأوسط، ففي حرب أكتوبر 1973، استخدم سلاح الجو الإسرائيلي للمرة الأولى الطائرات الهدفية دون طيار، لتنفيذ نوعين من أنواع المهمات، الأول هو مهام الاستطلاع والرصد، والثاني هو مشاغلة وسائط الدفاع الجوي السورية والمصرية، وإجبار أطقم الرادارات على تشغيلها وتتبع هذه الأهداف، مما يسمح باستخدام سلاح الجو الإسرائيلي، والوحدات الأرضية الإسرائيلية، للصواريخ الأمريكية المضادة للرادار (شرايك) لاستهداف هوائيات الرادار، والتسبب في الشلل التام لكتائب الدفاع الجوي، خاصة في الجبهة المصرية. وقد استخدم سلاح الجو الإسرائيلي لهذا الغرض طائرات هدفية أمريكية الصنع من أنواع (BQM 34A FIRE BEE) و(Mabat 1242) و(BQM-74 CHUKAR).

نفس التكتيك استخدمه سلاح الجو الإسرائيلي في غاراته على كتائب الدفاع الجوي السورية في سهل البقاع اللبناني عام 1982، وحينها استخدم عدة أنواع من الطائرات دون طيار المصنعة محليًا، مثل الطائرتين (Scout) و(Mastiff)، بجانب المقذوف الخداعي أمريكي الصنع (Samson)، بهدف إيهام الكتائب السورية بحدوث هجوم جوي واسع النطاق، ودفعها تشغيل راداراتها من أجل توجيه صواريخ الدفاع الجوي السوفيتية الصنع من نوع (سام 6)، وبالتالي تتوفر للمقاتلات الإسرائيلية فرصة استهداف هذه الكتائب بصواريخ (شرايك) المضادة للرادار.

في تسعينات القرن الماضي، بدأت الصناعات الحربية الإسرائيلية بالتوسع في عمليات تطوير الذخائر والطائرات دون طيار المخصصة لعمليات إخماد الدفاعات الجوية، وأنتجت خلال هذه الفترة ثلاثة أنواع رئيسية، النوع الأول هو المقذوفات الجوية الخداعية (ADM-141 TALD)، وهو تطوير للمقذوف الأمريكي (Samson)، وقد بدأت إسرائيل الإنتاج الكمي لهذا المقذوف في عام 1993 بترخيص من الولايات المتحدة، وتميز عن المقذوف الأمريكي بإمكانية البرمجة المسبقة لمسار طيرانه بحيث يتم تحديد خط الطيران وارتفاعاته والمناورات الجوية التي ينفذها أثناء التحليق، ويختص بتضليل الرادارات المعادية من أجل تشتيت مجهود الدفاع الجوي، وتم إنتاج عدة نسخ منه، منها نسخة تستخدم للتشويش الإيجابي أو السلبي على الرادارات المعادية، ونسخة أخرى تحمل حاويات لنفث شعلات التضليل الحرارية. يبلغ مدى هذا المقذوف ما بين 26 إلى 126 كيلو متر حسب ارتفاع التحليق، كما توجد نسخة مطورة من هذا المقذوف تحت اسم (I Tald) مزودة بمحرك نفاث، ويصل مداها إلى 300 كيلو متر، بسرعة قصوى تبلغ 460 كيلو متر في الساعة.

النوع الثاني الذي تم تطويره خلال هذه الفترة، هو صاروخ الذخيرة الجوالة (Dalilah)، الذي دخل الخدمة في القوات الجوية الإسرائيلية منتصف تسعينات القرن الماضي، وهو تطوير إسرائيلي للطائرة الهدفية أمريكية الصنع (BQM-74 CHUKAR)، وقد كان هذا التطوير في البداية مرتكزًا على أن يكون في نفس اتجاه الطائرات الهدفية، لكن تم تعديل هذا التطوير ليتحول إلى صاروخ جوال يبلغ مداه الأقصى 250 كيلو متر، ويوجه إما بالتوجيه الداخلي أو عن طريق الجي بي إس، ويتميز بهامش خطأ ضئيل يبلغ متر واحد فقط، ورأس حربي يبلغ وزنه 30 كيلو جرام. تم استخدامه للمرة الأولي في العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، كذلك تم استخدامه في الغارات الإسرائيلية على سوريا خاصة غارة مايو 2018 .

النوع الثالث هو الذخيرة الجوالة (Harpy)، وقد تم تصميمها بصفة أساسية لمشاغلة ومهاجمة رادارات الدفاع الجوي، ويبلغ مداها الأقصى 500 كيلو متر، وسرعتها القصوى 185 كيلو متر في الساعة، وزنة رأسها الحربي تبلغ 32 كيلو جرام. يتم إطلاق هذه الذخائر من شاحنة تحمل ثمانية عشر منصة إطلاق، ويتم أدخال بيانات مسار التحليق والأهداف إليها قبل الانطلاق، ومن ثم تبحث عن أهداف لتدميرها أو يتم تدميرها ذاتيًا إن لم تعثر على أهدافها، وقد صدرتها إسرائيل إلى عدة دول من بينها الهند والصين وكوريا الجنوبية وتشيلي وتركيا.

كذلك أنتجت الصناعات الحربية الإسرائيلية عدة أنواع من الذخائر الجوالة، التي تتميز بصغر حجمها وملائمتها لضرب الأهداف المقتربة أو الطارئة، منها الذخيرة الجوالة (Rotem-l) التي يبلغ مداها الأقصى عشرة كيلو مترات وتحمل رأس متفجر زنته 1 كيلو جرام، وتستطيع التحليق المتواصل لمدة 45 دقيقة وتتميز بخفة وزنها الذي يبلغ أربعة كيلو جرامات، وسهولة استخدامها ميدانيًا، وإمكانية إلغاء عملية الهجوم بعد انطلاقها وإعادتها مرة أخرى إلى القاعدة. في عام 2016 أعلنت شركة (ألبيت) الإسرائيلية عن ذخيرتها الجوالة (Sky Striker)، والتي يبلغ مدى تحليقها ما بين ساعة إلى ساعتين، وزنة الرأس الحربي المزودة بها ما بين خمسة إلى عشرة كيلو جرامات، ويتم توجيهها كهروبصريا إلى هدفها، وتتميز بسرعة هجوم كبيرة تبلغ خمسمائة كيلو متر في الساعة. أحدث ما تم إنتاجه من الذخائر الجوالة الإسرائيلية كان عام 2017 وهي الذخيرة الجوالة (Green Dragon)، التي يبلغ مداها الأقصى 40 كيلو متر ومزودة برأس حربي تبلغ زنته ثلاثة كيلو جرامات، ويصل مدى تحليقها إلى نحو ساعة ونصف، ويتم إطلاقها من منصات أرضية.

أخيرًا، يرى الباحث في الشؤون العسكرية والدفاعية سيث فرانتزمان أن صراع ناجورنو قره باغ ربما يكون قد حمل ملامح الدور المستقبلي للأنظمة القتالية الغير مأهولة، خاصة أنها تعد المرة الأولى التي تعمل فيها هذه الأنظمة على شكل أسراب تتكامل مع بعضها البعض في تنفيذ المهام القتالية، وهذا إن تم تطبيقه في النزاعات العسكرية المستقبلية سيمثل تحديًا كبيرًا للدفاعات الجوية حول العالم، ناهيك عن احتمالية تصادم جيوش، يمتلك كلا منها أسرابًا من الدرونز القتالية والانتحارية، وهو ما قد يخلق وضعًا من الصعب التنبؤ بنتائجه.

يضاف إلى ذلك أن التحديات المستحدثة التي تواجه نشاط الدرونز على المستوى العسكري تتزايد، ما بين أنظمة محمولة أو ثابتة للتشويش على هذه الدرونز، أو حتى أنظمة دفاع جوي مزودة بالليزر، متخصصة في استهداف الطائرات دون طيار، يضاف إلى ذلك القصور الذي مازال ملحوظًا في أمكانية التحكم الناجح في هذه الطائرات في كافة المراحل القتالية.

فقد أظهرت بيانات موقع (درون وورز)، خلال العقد الممتد ما بين عامي 2010 و2020، حول الطائرات دون طيار التي تم إسقاطها أو سقطت نتيجة لأسباب فنية خلال عمليات عسكرية، إحصاء نحو 460 حادث تحطم للدرونز العسكرية منذ أوائل 2010 وحتى يوليو 2020، وقد حلت الولايات المتحدة الأمريكية، المشغل الأكبر للأنظمة الجوية المسيرة حول العالم، في المركز الأول، ضمن قائمة الدول الأكثر فقدًا للدرونز، خلال العمليات العسكرية، حيث فقدت خلال العقد المنصرم، نحو 175 طائرة دون طيار، سواء في الأجواء الأمريكية، أو في مناطق أخرى مثل سوريا والعراق واليمن، ووسط وشمال أفريقيا. الجزء الأكبر من هذه الطائرات سقط نتيجة لأعطال فنية أو أخطاء في التشغيل والتوجيه. لكن رغم هذا يبدو المستقبل مشرقًا أمام دور أكبر للأنظمة القتالية غير المأهولة، خاصة أن هذه الأنظمة دخلت إلى الجانبين البري والبحري أيضًا، ولكن بشكل أقل زخمًا منه في الجانب الجوي.

Scroll Up