قبل تسع سنوات دكوا ليبيا بالصواريخ جوًا وبحرًا، ولاحقوا القذافي حتى مسقط رأسه وفي تلك الأثناء هبطت هيلاري كلينتون بطائرة شحن في طرابلس، هنأت المسلحين الليبيين وقالت ” نأمل أن يتم القبض عليه أو قتله قريبًا حتى لا تخافوه أكثر”.

وفي الجهة الأخرى ضاقت ليبيا بالقذافي والقوات الموالية له بعد أن دُمرت ” سرت” وحولت إلى أطلال فقرر اللجوء مع قواته إلى واد غرب المدينة التي دفن فيها أجداده. لكن طائرات فرنسية قطعت عليه الطريق وكانت باريس في وقتها أكثر لهفة للنيل منه من الجميع.

رصد الفرنسيون مكالمة أجراها القذافي مع قناة في دمشق، فتعقبوه وما إن خرج إلى أطراف المدينة حتى ألقت مروحية فرنسية قذائفها على العقيد ومن معه وأكملوا مهمتهم بأن أرشدوا الثوار المسلحين إلى مكانه حيث أمسكوه وعذبوه بوحشية لا نظير لها ثم أطلقوا على رأسه الرصاص، حدث ذلك في 20 أكتوبر 2011 بعد يومين فقط من تمني ” كلينتون” أن يقتل. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\thumbnail_هيلاري 6.jpg

وقد كان لأمريكا خطة واضحة في حقبة أوباما ووزيرة خارجيته للتعامل مع ليبيا بعد مقتل القذافي، وفي وقتها رأت الولايات المتحدة أنها يجب أن تتحرك بالتوازي مع تحرك قوى أخرى تجاه الشأن الليبي ولكن إذا كانت هذه الجهود ستتأخر فإن واشنطن يجب أن تبدأ التحرك على الفور ولذلك كانت المستشفى الميدانية ” يو إس إن” الطافية قبالة الساحل الشرقي رسالة قوية لدعم انتفاضة بنغازي. وكانت هناك إشارات أخرى تضمنت عروضًا من الإدارة الأمريكية لإمداد الثوار بأسلحة حتى وإن لم يكن علنًا لأنهم رفضوا أن يكون التمويل علني ويقال إنه ساهم في إسقاط النظام.

ترامب يطلق رصاصة الرحمة 

رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري كلينتون والتي تم الإفراج عنها يوم السبت الماضي كشفت عن أن قطر ساعدت الناتو في عملية قصف ليبيا، كما أن اعترافات محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي التابع للمجلس الانتقالي دارت حول أن قطر دعمت ثورة فبراير وأنفقت أموالًا طائلة لدعم الجماعات المتطرفة في ليبيا.

وأشارت رسائل بريد وزيرة الخارجية الإلكتروني والتي وصلت إلى حوالي 1800 صفحة إلى أن خطة ذهاب هيلاري كلينتون إلى قطر تضمنت مقابلة مدير قناة الجزيرة وضاح خنفر مع وجود طلبات واضحة إلى الدوحة بتمويل موجات ” الربيع العربي” من خلال صندوق مخصص لهذا الغرض.

ومن أحد أبرز الشخصيات في مسلسل العبث القطري بمقدرات الدول والشعوب العميد ” حمد بن عبد الله الفطيس المري” قائد القوات الخاصة في قطر حاليًا والذي أدرجته الرباعية العربية على قوائم الإرهاب لدوره التخريبي في ليبيا واليمن منذ 2017. ومن المثير للسخرية في واقع الأمر أن قطر في ذلك الوقت كانت تعيث فسادًا وكأنها نهاية التاريخ، وكأن دورها لن يكشف.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\20190424_1556128806-738524.jpeg

العميد ” حمد بن عبد الله الفطيس المري” 

وحسب تقرير بثته شبكة الجزيرة مباشرة في سبتمبر 2011 فإن العقيد المري في وقتها كان يسير جنبًا إلى جنب مع الإرهابي ” بلحاج” في إحدى التظاهرات. كما أشارت مصادر روسية في سياق آخر إلى أن المري كان من المتورطين في قتل القذافي. 

وبالعودة إلى دور ” وضاح خنفر ” المشبوه فقد أشارت رسالة بتاريخ سبتمبر 2012 إلى وجود تمويل قطري لإنشاء قناة إخوانية تسهل الأمور في مصر وتونس بتمويل يصل إلى 100 مليون دولار. بينما أشارت رسالة أخرى في نفس التاريخ إلى أن خيرت الشاطر كان وجهًا أساسيًا في هذه القناة المشبوهة التي كانت مرشحة أيضًا لأن تكون مركز بحثي.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\16026695953711011.jpg

مراسلات اللغز الغامض

أما الاسم الذي أطلق على المراسلات بين هيلاري كلينتون ومساعدها في البيت الأبيض ” سيدني بلومنتال” حول ليبيا فقد عرف بالـ” اللغز الغامض” وتضمنت المراسلات معلومات حرجة حول ليبيا بدءًا من عام 2011.

وتعد سياسة هيلاري كلينتون الخارجية هي التي أسست لما عرف بالـ”قيادة من الخلف” وصفًا للدور الذي لعبته واشنطن إبان إدارة أوباما في إسقاط ليبيا وغيرها من الدول التي شهدت اضطرابات موجهة في “2011”.

وفي هذا الإطار تضمن البريد الإلكتروني ” هيلاري كلينتون” رسالة في إبريل 2012 وكانت بين موظفي مكتبها والسفير الأمريكي الذي قتل لاحقًا في بنغازي ” كريستوفر ستيفنز” وقد وصفت الرسالة الإلكترونية الإرهابي الليبي ” عبد الحكيم بلحاج” والذي يعتبر الرجل الأول في قطر بلفظة ” ابننا”. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\8fba358fkapak.jpg

هجوم بنغازي

بينما وفي رسالة أخرى، وصف السفير الأمريكي الذي لقي حتفه فيما بعد اجتماع له مع بعض الأشخاص في بنغازي بأنه قد بدا عليهم خشيتهم من تدني مستويات شعبيتهم بسبب ولائهم لتنظيم الإخوان في مصر. وكان للمرشد محمد بديع دور كبير في إقناع إخوان ليبيا بالاندماج والتعاون مع المجلس الانتقالي الليبي برئاسة مصطفى عبد الجليل والذي كان متخوفًا من عدم التوصل لاتفاق مع إخوان ليبيا و” بلحاج” لذلك لجأ إلى محمد بديع في مصر باعتبار أن إخوان ليبيا تابعين للتنظيم الأم في مصر.

لماذا تحمس الإليزيه لضرب ليبيا

بينما كشفت رسائل أخرى المزيد من التفاصيل بخصوص كيف تم التآمر لإسقاط نظام العقيد القذافي عن طريق سكب البنزين على النار وإثارة الفتن بين أطياف الشعب الليبي وحسب موقع Fair observer فإن السبب الرئيس لخوض هيلاري كلينتون هذه الحرب التي أردتها ” نظيفة وناجحة” أنها كانت مقبلة على انتخابات أمريكية وكانت تريد أن تثبت أنها كامرأة وزوجة رئيس سابق قادرة على أن تقود حرب ناجحة دون أية خسائر.

وحسب موقع The intercept الأمريكي فإنه حتى الكونجرس الأمريكي وبعد مقتل القذافي لم يوجه للإدارة الأمريكية سؤالًا واضحًا حول الأسباب التي دعتها لخوض الحرب في ليبيا. أما على صعيد حلف الناتو فكانت هناك أسباب أخرى أكثر وضوحًا دعت لتدخله وهي الأسباب التي تكشفت بعد تحقيقات في تهم فساد مع الرئيس الفرنسي السابق ” نيكولا ساركوزي”.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\هيلاري 400.jpg

ففي 2011 حقق البوليس الفرنسي مع ساركوزي بتهم تتعلق بحصوله على أموال من القذافي لتمويل حملته في 2007 ويعد من اللافت للنظر أنه على الرغم من علاقات ساركوزي القوية بالقذافي إلا أنه كان من المتزعمين لحملة الناتو ضد القذافي لعدة أسباب منها وحسب The intercept أيضًا أنه كان راغبًا في تصويب أخطائه الدبلوماسية في مصر وتونس كما أنه كان راغبًا في تصحيح مسارات صفقات أسلحة الرافال .وتنبغي الإشارة هنا إلى أن علاقات القذافي القوية بساركوزي بدأت في أعقاب رفع عقوبات ” لوكيربي” عن ليبيا وبالتحديد في عام 2006 عندما كان ساركوزي لا يزال وزيرًا للداخلية.

وبالعودة إلى صفقة الرافال فإنه وحسب مصادر إعلامية فرنسية من ضمنها ” La Tribune” فإن القذافي كان قد صرح بشراء 14 طائرة فرنسية من طراز الرافال وكانت الصفقة في طريقها للاكتمال في أواخر عام 2010 إلا أنه لم يكتب لها أن ترى النور.

كما نشر موقع ميديا بارت الاستقصائي الفرنسي وثيقة أفرج عنها رئيس المخابرات الليبية ” موسى كوسا” وحسب الوثيقة فإن القذافي دفع لحملة ساركوزي 50 مليون دولار وفي وقت لاحق أثبتت السلطات الفرنسية صحة الوثيقة الليبية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\هيلاري 300.jpg

ووفقًا لنفس التقرير المنشور على موقع The intercept فإن ساركوزي كان من أوائل المشجعين لاجتياح ليبيا فقط بعد أن تأكد أن كلينتون ومن ورائها جامعة الدول العربية يريدون التخلص من القذافي حيث وافقت الجامعة العربية على فرض حظر الطيران فوق ليبيا مع علمها بأن هذا القرار يأتي تمهيدًا للـ” حرب”.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\637328518340753678-1280x720.jpg

طائرة من طراز رافال الفرنسي

ولم يكذب ساركوزي خبرًا وفي مايو من العام 2011 عقد اجتماع في قصر الإليزيه لصياغة الاستراتيجية العسكرية مع أوباما ونظيره البريطاني وآخرين من الناتو والجامعة العربية وانطلقت أولى الطلعات الجوية الفرنسية باستخدام 20 طائرة ألحقت بضربات باستخدام صواريخ من طراز كروز الأمريكية ولا شك أن استعراض طائرات الرافال في سماء ليبيا جذب لفرنسا عملاء محتملين لشراء طائراتها. ولا شك أنها فكرة في غاية الدهاء أن تقوم بالترويج لمنتجاتك العسكرية مجانًا في سماء دول أخرى.

المزيد من السجلات

رسالة أخرى بتاريخ 27 أغسطس للعام 2012 أشارت إلى أن رئيس المؤتمر الوطني العام السابق محمد المقريف عرض إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وهي نفس الرسالة التي أشارت إلى أن المقريف يسعى لتأسيس دولة ديمقراطية تقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية وهي نفس دعوات الإخوان التي يكررونها أينما حلوا أو ذهبوا. وهناك مصادر أشارت إلى أن المقريف كان عضو تنظيم الإخوان المصري في وقت دراسته وفكر المقريف في إقامة رابطة حكومات إقليمية ثورية تربط بين مصر وتونس وليبيا.

وقالت الرسائل الإلكترونية أيضًا أن الولايات المتحدة وبريطانيا ساعدوا مسبقًا الحكومة الليبية في القبض على عدد من الشخصيات البارزة في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة والتي وجدت من الأساس لمحاربة تفسيرات القذافي المثيرة للجدل لنصوص القرآن، ومن هذه الشخصيات “عبد الحكيم بلحاج وسامي الساعدي” ثم تعاونت معهم فيما بعد. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\l201706091497043880.jpg

عبد الحكيم بلحاج

وحسب بريد كلينتون فإنه وبعد سقوط القذافي نما تيار سلفي في ليبيا يعمل على إعداد جماعات مسلحة ولذلك رأت الإدارة الأمريكية أن بديلها للحكومات التي وصفتها بالديكتاتورية هو تيار الإخوان المسلمين بالاستناد إلى الكذبة الأكثر انتشارًا والتي تفيد بأنه تيار الإسلام السياسي الأكثر اعتدالًا. وعلى أي حال فلا يتوقع أن الفضيحة الناجمة عن تسريب مراسلات هيلاري كلينتون ستنتهي قريبًا لأن القضية على أعلى مستوى أخلاقي، فليس من اليسير تمرير أن تدمر دولًا لطموحات شخصية فقد خلفت الحرب الليبية خلفت 40 ألف قتيل وانتشار للجماعات المتطرفة.

عمر التربي 

 بينما تناولت رسالة أخرى بتاريخ 30 إبريل 2011 أن عمر التربي كان يبعث بإحداثيات واضحة وأهداف لحلف الناتو لتسهيل قصفها، وهو مؤشر على أن التربي أيضًا كان حلقة وصل في الإرشاد عن مكان العقيد معمر القذافي قبل مقتله. وثبت تواصله مع العديد من الجهات أبرزها الجزيرة القطرية.

وما زاد على هذه الوثائق، وثيقة أخرى عرفت بـ Tik Tok وتضمنت التسلسل الزمني لسير العمليات في ليبيا، وتواصلت وزيرة الخارجية في وقتها مع تركيا لإشعال الملف الليبي. وقد أدينت هيلاري كلينتون في عام 2016 في قضية رسائل هجمات القنصلية الأمريكية في بنغازي حيث أشارت المحكمة إلى أن وزيرة الخارجية استخدمت سيرفر خاص للمراسلات للتهرب من قانون تداول المعلومات وذلك قبل يومين فقط من الهجوم على مقر السفارة في بنغازي.

وفي نفس السياق نشرت وسائل إعلام أمريكية رسائل منسوبة لـ” إيلازبيث دييل” مساعد وزيرة الخارجي لشؤون الشرق الأدنى حذرت فيها كلينتون من سهولة اختراق مقر السفارة في طرابلس مما يشير إلى أن ” كلينتون” كانت على علم بالمخاطر والتهديدات التي تحيط بسفارة بلادها. وقد وصلت تدخلات تلك السيدة إلى حد تعيين شخصيات ليبية في مناصب معينة حيث تم تعيين ” أسامة الحويلي” في منصب وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية وهو ما كشف عنه ” جفري فيلتمان” مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Downloads\ooo.png

كما استطاعت كلينتون إخفاء رسالة إلكترونية تضمنت إقدام رئيس المجلس الانتقالي ” مصطفى عبد الجليل” بإصدار أوامر بإعدام ” عبد الفتاح يونس” ثم إلصاق الفعلة بالقوات الموالية للقذافي.

كما كشف البريد الإلكتروني عن خطة المخابرات البريطانية الفرنسية لتقسيم ليبيا بما يتوافق مع مصالحهم الاقتصادية، وقد وصل التغلغل الأجنبي داخل ليبيا في وقتها إلى الحد الذي أفادت فيه الرسائل بأن أعداء للمقريف أقروا بخوفهم من أن تتم محاكمة نجل قذافي سيف الإسلام ورئيس مخابراته السنوسي أمام المحاكم الليبية في هذا الوقت لرؤيتهم أن أجهزة المخابرات الأجنبية وتحديدًا الأمريكية التي يرتبط بها المقريف بعلاقات مشبوهة قد تتدخل في سير المحاكمات.

كيف تم الحشد

ورغم أن ضربات حلف الناتو مع فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا أدت إلى هزيمة سريعة للقوات الليبية مع عدم السماح للقذافي باستعادة السيطرة على أي من المناطق التي خسرها إلا أن الإدارة الأمريكية ومعها فرنسا وبدرجة أقل وطأة بريطانيا وجدت أنه طالما بقي القذافي في السلطة فإن الأمر سيكون خطيرًا ولذلك تحول الأمر من الرغبة في هزيمته إلى الرغبة في التخلص منه بشكل مطلق. ولكن كيف تم الحشد لليبيا؟

في 17 مارس 2011 بدأت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة في عقد اتصالات مكثفة بأعضاء مجلس الأمن لكي تضمن ولاء روسيا والصين لمشروع الغزو الليبي وفي وقتها صدر القرار بموافقة 10 أعضاء وقضى بالتدخل العسكري وعلى صعيد التدخل العسكري القطري فإن أول طائرة قطرية ظهرت في السماء الليبي بتاريخ 25 مارس .

 وتلا ذلك ما قامت به كلينتون في مؤتمر احتضنته إسطنبول في 15 يوليو من نفس العام وضغطت بالثقل الأمريكي لانتزاع اعتراف حوالي 30 دولة بمن يمثلون الشعب الليبي في المجلس الانتقالي.

 ومن الإنصاف الإشارة إلى أن كلينتون كما ضغطت لانتزاع الاعتراف بالمجلس الانتقالي الليبي ضغطت في وقت سابق على الإدارة الأمريكية التي لم تكن تميل للتدخل العسكري في ليبيا. وحسب السجلات فإن كلينتون نجحت في فبركة مزاعم حول ضلوع القذافي في عمليات إبادة بشرية في الداخل الليبي. بينما كشفت تسجيلات أخرى تابعة لرئاسة هيئة الأركان أن وزارة الدفاع لم تكن تثق في تقارير الخارجية الأمريكية في عهد ” كلينتون”. حتى أن الحليف البريطاني أشار عن طريق خارجيته إلى أن هدفهم ليس إسقاط القذافي ولا تغيير النظام وإنما فقط حماية المدنيين، لذلك فإن ” هيلاري كلينتون” وحدها تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن شن هذه الحرب على ليبيا لأنها لم تدخر أيًا من أساليب التدليس للحشد ضد هذا البلد وإسقاط عشرات الآلاف من الضحايا في أيام.

Scroll Up