على خلفية تجدد النزاع الحدودي الإثيوبي- السوداني، على الحدود الشرقية للأخيرة، بمحاذاة إقليم الأمهرا الإثيوبي، قبل بدء الموسم الزراعي؛ والذي تسبب في خسارة للأرواح والممتلكات والموارد؛ اقتضت الحاجة لحسم سياسي، بديلًا عن الحلول العسكرية والمواجهات المؤقتة، ووضع نهاية للمسار التفاوضي، الذي لم يسفر عن أكثر من حلول توفيقية مؤقتة حتى الآن.
وعلى ضوء بدء جولة جديدة من التفاوض، بين الوفدين السوداني والإثيوبي، مطلع أكتوبر الجاري، في إطار لجنة مشتركة تمّ تشكيلها مارس الماضي، قضت بضرورة ترسيم الحدود بينهما، للحد من دخول المزارعين الإثيوبيين إلى أراضيها، على أن تبدأ اللجنة في وضع العلامات المحددة للحدود في أكتوبر الجاري لتنتهي من عملها في مارس 2021، وفق ما أتفق عليه.
سياقات حاكمة
تأخذ هذه الأزمة الحدودية بعدًا تاريخيًا، وطابعًا دوريًا؛ مع تجددها سنويًا في موسم الزراعة، منذ استقلال السودان، غير أن السياق الحالي؛ مثّل متغيرًا جديدًا، كون البلدين يشهدان أنظمة انتقالية، بات مفروضًا عليها تخطي أزمات موروثة؛ تقاعست الأنظمة السابقة عن حلها، وإيجاد حلول حاسمة، تلبي طموحات الحاضر. وتدور تلك السياقات، حول الاعتبارات السياسية القومية والولائية للجانبين، على النحو التالي:
 تموضع إقليم الأمهرا في الخريطة السياسية الإثيوبية:
نظرًا، لأنها أزمة ذات طابع محلي، فإن للحكومات الإقليمية دورًا وموقفًا من حسمها، بجانب حكومات البلدين. وعليه، فإن إرادة إقليم أمهرا في حسم ذلك الملف، سيكون عاملًا حاكمًا للحل. غير أن الاعتبارات الداخلية والخارجية لسياسات الإقليم ككل، تنذر بصوعبة بالغة في التعامل مع الأمر. فحكومة الأمهرا الموالية لأبي أحمد حاليًا، تشهد هي والحكومة الفيدرالية تحديات متصاعدة، من قبل القوميين من إقليم الأمهرا المعارضين لسياستهما. ومن غير المتوقع لهؤلاء القوميين أن يرضخوا لتسويات ذات طابع سيادي كقضايا الأرض والموارد. وعليه، فإن أي تسوية لصالح السودان، ستكون بمثابة تنازل الحكومة الفيدرالية والإقليمية عن حق تمتع تاريخي بموارد الشفقة.
ومع بقاء القوميين الأمهريين عامل ضغط على حكومة الإقليم وآبي أحمد، فمن غير المتوقع أن تحسم المفاوضات لصالح السوادن، نظرًا للقيود المفروضة على الحكومة، التي تناضل من أجل الحفاظ على مستقبلها السياسي، ولا تريد فتح المزيد من الجبهات مع المعارضة. بل، إذا خاطر آبي أحمد بالحسم، تحت أي ضغط، فمن غير المتوقع أن تترجم بنود أي اتفاق أو تسوية لا تراعي مصالح الأمهرا، على الأرض. وذلك بالقياس على اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا، الذي اعترف بموجبه آبي أحمد بتبعية مثلث بادمي للأخيرة، غير أن إقليم التيجراي، المناوئ لسياسات آبي أحمد عرقل ترجمته لواقع ملموس.


 موقع مسار الشرق في مستقبل السياسة السودانية:


مع تجدد الاشتباكات، العام الجاري، أجمعت كافة القوى السودانية على ضرورة حسم الأزمات الحدودية، وقضايا السيادة، التي تهاون فيها الحكومات سابقًا، ما مثّل تحديًا على الحكومة الانتقالية. وكان ذلك مطلبًا ثوريًا، ارتقى لأن يكون ضمن قضايا السلام المتفاوض عليها؛ فيما يخص مسار الشرق، بما جعل قضايا الحدود والموارد- قضايا انتقالية، وأولوية ضمن أولويات الحكومة الانتقالية، والجيش السوداني.
وعليه، فإن السياق الانتقالي في السودان، يفرض مزيدًا من الضغوط على قادة المرحلة، لحسم تلك القضايا، باعتبارها عاملًا للتقييم والمساءلة، ولعل ذلك مع دفع بالتحول النوعي في طبيعة الردود العسكرية السودانية، التي أولت القضية المزيد من الاهتمام، ونسبت تلك التعديات، لأول مرة، للجهات الرسمية الإثيوبية، وصاحب تلك التصريحات تحركات على الأرض، أبرزها إعادة انتشار الجيش في المنطقة، لأول مرة، بعد غايب دام نحو خمسة وعشرين عامًا، ما أدى أيضًا لتحول نوعي في طبيعة الاشتباكات، التي أخذت طابعًا نظاميًا؛ عبر اشتباك قوات الجيش السوداني، بدلًا من كتائب الدفاع الشعبي، التي كانت تتولى المهمة سابقًا. وبمقتضى الحال، فإن اللحظة الثورية، ووضع المؤسسة العسكرية السودانية وغيرها من القضايا الانتقالية، فرض إجماعًا على ضرورة تخصيص المزيد من الموارد ليس لتنمية المناطق الحدودية فقط، وإنما أيضًا لإعادة بناء القدرات العسكرية للقوات المسلحة


 تحديات الحكومات القائمة في البلدين


يمثّل الظرف السياسي الذي تمر به حكومتي البلدين، عاملًا حاكمًا لكيفية التعاطي مع تلك الأزمة التاريخية، وإيجاد حلولًا حاسمة؛ ربما تكون ورقة رابحة وانتصارًا تبحث عنه أيّ من الحكومتين، لتحقيق انجازًا ما أمام شعبها، أو تكون قيدًا على تلك الحكومة وعامل خصم لرصيدها؛ حال جاءت حلولها، بما لا يوافق هوى مجتمعاتها المحلية. وربما يكون ذلك أحد عوامل التراخي في اختراق تلك الأزمة في السابق؛ التي تغاضت عنها كافة الحكومات المتعاقبة، بداية من نظام جعفري نميري، والذي سمح لقبائل الأمهرا بالدخول إلى الأراضي السودانية واستغلالها، وذلك أعقاب سقوط الامبراطور هيلا سلاسي إثر انقلاب منجستو عام 1974،، لتجنب ما سينجم عنها من تداعيات غير مرغوبة لأي من الطرفين؛ باعتبار أن الأزمات الحدودية الموروثة تاريخيًا، هي أزمات ممتدة، يتم التعامل معها في أغلب الحالات بحكم الأمر الواقع، والاعتبارات القبلية والمحلية؛ نظرًا للامتدادات القبلية والتشابكات الديموغرافية.

آفاق غامضة


ترتبط آفاق الحل بتلك السياقات المعقدة، التي ستحكم طبيعة التعامل مع الموقف، وفقًا لحسابات معقدة من الجانبين. وعليه، يمكن تصور اتجاهات القضية في ثلاثة اتجاهات، على النحو التالي:

سياسة شراء الوقت


باعتبار الضغوط الداخلية التي يمر بها كلا النظامين، التي تمثل دفعًا للحل وقيدًا عليه في ذات الوقت، فيمكن تصور استمرار دخول الطرفين في مفاوضات، لا يستهدف منها وضع حل جذري للموضوع؛ لاعتباراته المحلية والقبلية، التي لن ترضخ لأي تسوية في أي من الجانبين. ولأن كلا النظامين يبحثان عن اكتساب مزيد من الرصيد الشعبي في لحظة حرجة، أو الحفاظ على ما ينفد من رصيدهما؛ فيمكن تصور مواءمات غير حاسمة سعيًا لتحقيق كل طرف قدرًا ضئيلًا من الإنجاز ، بما لا يجور على حسابات المصلحة للطرف الآخر.
وتشير الخبرات التفاوضية إلى حلول مؤقتة، لا تكتسب صفة الاستدامة؛ فهذه الجولة الحادية والثلاثون التي تجرى في مدينة بحر دار بولاية أمهرا، والتي يتشارك فيها قيادات الولايات المحلية، ما يشير إلى اكتساب الحلول طابعًا محليًا، والتعامل معها باعتبارها اشتباكات حدودية ونزاعات محدودة يمكن احتوائها، لا قضايا قومية وسيادية بحاجة لحسم على المستوى القومي، وذلك في محاولة لهروب آبي أحمد من مواجهة تحدي الأمهرا والتعرض لهذه القضية في ذلك التوقيت، خاصة وأن منهج شراء الوقت عامل حاضر في أجندة التفاوض الإثيوبية طيلة الوقت.
وقد جرت العديد من محاولات التسوية، التي لم تفضي في نهاية الأمر إلى الحسم النهائي للأمر، التي تعد مؤشرًا قويًا في ذلك الصدد. ففي عهد البشير، في عام 2013 تحديدًا، توصلت لجان ترسيم الحدود المُشتركة بين البلدين إلى اتفاق قضى بإعادة أراضي الفشقة للسودان لكنه لم ينفذ. وفي عام 2017، تم الإعلان عن التوصل لاتفاق لترسيم الحدود بين الجانبين، عدا منطقة الفشقة، لمماطلات الجانب الإثيوبي.

رهانات الحسم الصعبة:


من منطلق عدم إدعاء إثيوبيا رسميًا تبعية تلك المناطق إليها، التي تعود تبعيتها الحقيقة إلى السودان، بموجب اتفاق ترسيم الحدود التاريخي 1902، الذي تم توقيعه في عهد الإمبراطور منليك الثاني والاستعمار البريطاني نيابة عن السودان، فمن المتوقع أن تحسم الحكومة الإثيوبية تلك الأزمة العالقة. بل جاء اتفاق الجانبان عام 2018 بنشر قوات مشتركة على الحدود بين البلدين لمنع التوترات، ليكون عاملًا محفزًا للتوترات الأخيرة، التي شهدت تحولًا نوعيًا، مع بدء اشتباكات القوات النظامية من الجانبين. ولكون الحكومة الانتقالية السودانية، تحت ضغط تحقيق انجاز في ذلك الملف، وإبراز الجيش السودانية قدرته على تأمين حدوده، وتبني الحكومة الانتقالية قضايا الحدود على أجندتها، فلا يمكن تصور تقاعس الحكومة الانتقالية السودانية عن الدفع باتجاه الحل، في تلك المرحلة الانتقالية من البلاد. ولعل طبيعة الردود السودانية في الاشتباكات الأخيرة، تعطي مؤشرًا على تبني الجانب السوداني نهجًا مغايرًا عن الماضي، وأن الجيش السوداني، الذي لم يتوانٍ عن إبراز قدرته على الحفاظ على سيادة بلاده؛ بما تجلي في التصريحات والتحركات الأخيرة، لا يمكن أن يستسلم لأية ضغوط تنتقص من رصيده الجماهيري، خاصة وأن مناطق الشرق لا زالت تشهد المزيد من الاضطرابات، على خلفية اعتراضها على وضعها في اتفاق السلام.
وعلى الجانب الإثيوبي، فبخلاف الآراء التي ترى إمكانية عقد آبي أحمد اتفاق يماثل ذلك الذي عقده مع إريتريا، الذي استخدمه كورقة رابحة، والظهور بمثابة رجل السلام، فإن ضغوط آبي أحمد الداخلي، لا توفر له بدلًا لتحقيق انتصارات في الخارج، بل سيحاول الحفاظ بقدر الإمكان على تأييد داخلي على حساب التصعيد مع الخارج، وبالعودة لاتفاق إريتريا، فإنه لم يطبق على أرض الواقع، بفعل تعنت إقليم التيجراي المحاذي لإريتريا، وبالمثل، لا يتصور حال عقد أبي أحمد اتفاق مع السودان، ذا طابع قومي دون أخذ المصالح المحلية للأمهرا في الاعتبار، أن يترجم هذا الاتفاق على أرض الواقع. أضف إلى ذلك، التغير الجوهري في الظروف، الذي أحدثته طبيعة التحركات على الأرض، بإنشاء المشروعات وتشييد المباني على الأراضي السودانية، التي ربما تكون أحد عوائد أصحاب المصلحة من الجانب السوداني أيضًا، من السكان المحليين، الذين يقومون باستئجار أراضيهم للإثيوبيين، وبالتالي ستكون كافة الحلول، التي لا تأخذ الترضيات المحلية في الاعتبار عرضة للانتكاسة مرة أخرى.
 انتكاسة الحلول:
بعدما قضت اللجنة بوضع حد نهائي لحسم الأمر في مارس 2021، فمن المتوقع مع حلول مارس المقبل، إذ لم تحدث جولات التفاوض تغييرًا جوهيرًا في الظروف، فمن المتوقع تجدد الاشتباكات مرة أخرى في ذلك التوقيت، كرد فعل ساخط على فشل كافة جهود التسوية من جهة السودانيين، وكتحرك طبيعي، للجانب الإثيوبي، في ذلك التوقيت مع بدايات الموسم الزراعي للعام المقبل.

Scroll Up