محمد حسن

عادة ما تثير الإنذارات البحرية التركية المعروفة باسم “نافاتكس”؛ كثيرا من الجدل وتباعاً الخلافات بين دول جوارها، حيث ارتبطت الإنذارات البحرية التركية بعمليات التنقيب غير المشروعة التي تجريها سفنها الثلاث ” أوروتش رئيس – يافووز – بربروس باشا” في المناطق الاقتصادية الخالصة لقبرص واليونان. إلا أن إنذار “نافاتكس” يوم الجمعة الماضية كان مختلفاً في مسرح التنفيذ وكذلك أدواته.

وذكرت وكالة رويترز للأنباء، الخميس الماضي، أن تركيا أصدرت إنذاراً بحرياً وجوياً تحظر أي نشاطات للقطع البحرية والجوية قبالة سواحل مدينة سينوب المطلة على البحر الأسود لإجراء تدريبات عسكرية وتدريبات خاصة بالرماية البحرية بين يومي 16 -17 أكتوبر. حيث حُظر الطيران فوق هذه المنطقة لارتفاع 200 ألف قدم – 61 ألف متر -.

بيد أنه قبل إعلان تركيا للإنذارات البحرية والجوية الأخيرة بمنطقة ساحل سينوب بالبحر الأسود؛ توجهت تشكيلات منظومة الدفاع الصاروخية الروسية “إس 400” للمنطقة ذاتها، حيث شوهدت هناك قبل نحو أسبوع، فيما يبدو تجهيز تركيا لاختبار المنظومة الروسية التي تسلمت منها حسب المعلن أربع بطاريات بقيمة 2.5 مليار دولار حتى الآن.

وفي تمام ظهيرة يوم الجمعة، حصلت رويترز على مقاطع مسجلة تظهر عموداً ضيقاً من الدخان يرتفع في الهواء فوق مدينة سينوب الساحلية.

ولم تؤكد تركيا رسمياً إجراءها لعملية اختبار للمنظومة الدفاعية الروسية، فيما رفضت وزارة الدفاع التركية تأكيد أو نفي تجارب المنظومة الدفاعية الصاروخية.

لكن العديد من وسائل الإعلام المقربة من الحكومة التركية، أكدت إجراء أنقرة لعملية اختبار المنظومة الدفاعية. فوفقاً لتليفزيون “الخبر” الموالي للحكومة فإن الجيش التركي اختبر يوم الجمعة الماضية، 16 أكتوبر، منظومة “إس 400” الصاروخية، في موقع ساحلي بمدينة سينوب المطلة على البحر الأسود.

وتترابط بذلك التقارير الاستخباراتية التي تحدثت عن اقتراب تركيا من إجراء اختبار للمنظومة بمسرح عمليات البحر الأسود قبل أسابيع، مع شواهد وصول المنظومة الصاروخية وسيرها بشوارع المدينة قبل أسبوع، وبدء الإنذار البحري – الجوي التركي في السريان، ومن ثم بدء الاطلاق الناري الأول لصواريخ منظومة “إس 400” الأحدث والأكثر رعباً بالنسبة للطائرات المقاتلة من الأجيال الرابعة، والرابعة ونصف، والخامسة الشبحية، علاوةً على مقذوفات الصواريخ العدائية الباليستية.

أثارت عملية الاختبار ردود فعل غاضبة في أروقة واشنطن وحلف شمال الأطلسي، حيث حذرت واشنطن أنقرة بعواقب وخيمة حال تفعيل الأخيرة لمنظومة “إس 400″، مع التلويح بفرض عقوبات.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، يوم الجمعة، إن واشنطن عبّرت لمستويات رفيعة في الحكومة التركية عن اعتراضها لحيازة أنقرة لأنظمة أسلحة روسية متقدمة مثل “إس-400″، محذرة من عواقب وخيمة محتملة على مستوى العلاقات الأمنية بين البلدين إذا قامت بتفعيل هذا النظام.

وفي سياق متصل قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية “مورغان أورتاغوس” في بيان رسمي ” إن اختيار منظومة إس 400 لا يتفق ومسؤوليات تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وكشريك استراتيجي للولايات المتحدة”.

كما وجه حلف شمال الأطلسي رسالة شديدة اللهجة لتركيا بعد تقارير بشأن استخدم نظام الدفاع الصاروخي الروسي “إس-400” خلال تدريبات للمرة الأولى، محذرا من تلك الخطوة.  

وقالت متحدثة باسم الحلف، في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية، اليوم، السبت: “هذا النظام يمكن أن يمثل خطورة على طائرات الحلفاء وأن يؤثر على العلاقات بين شركاء الحلف”.

وفي بيان رسمي، أدان رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي، جيم ريش، اختبار تركيا لمنظومة إس 400، وقال إن ذلك تصرف غير مسؤول من عضو في حلف شمال الأطلسي، يضر بأنظمة الحلف ومقاتلات الإف 35.  وأن علاقة تركيا بروسيا تهدد منطقتي شرق المتوسط والقوقاز وتغذي عدم الاستقرار في المنطقة.

وبعيداً عن الردود الدبلوماسية الأمريكية تجاه الإصرار التركي لتنصيب منظومة “إس400” الصاروخية ضمن ترسانتها الدفاعية، فإن الخطوة الأمريكية الأبرز والأكثر حزماً كانت في طرد تركيا رسمياً من برنامج تصنيع وتطوير المقاتلات الشبحية متعددة المهام “إف 35” العام الماضي.

لتُعبّر هذه الخطوة عن عميق أثر تفعيل منظومة الدفاع الصاروخي الروسي على كل من الاستراتيجية العسكرية الإقليمية للتكتل الأمني والدفاعي “الناتو” والولايات المتحدة، ودول الجوار. فكيف يؤثر تسلم تركيا لهذه المنظومة على الاستراتيجية العسكرية، وماهي رسائل الاطلاق الناري الأول للمنظومة في البحر الأسود؟

نصر بلا حرب في دوائر الإغلاق والتأمين

الأكثر ميزة من إطلالتها على ثلاثة بحار (المتوسط – إيجة – البحر الأسود)، فإن موقع تركيا الجغرافي وضعها في مرتبة عالية القيمة في استراتيجيات تطويق موسكو ومنع تسرب نفوذها للمياه الدافئة ومنطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما أن الامتدادات العرقية والاثنية لتركيا في دائرة الحرم الأمني الروسي بوسط آسيا وجنوب القوقاز. كما أن تركيا تُعرف بدولة المضائق، إذ تشرف على مضيقي البوسفور والدردنيل، نقطتي التحكم لوصول روسيا عبر اساطيلها العسكرية والتجارية للمياه الدافئة، ما عزز موضعها في تلك الاستراتيجية الامريكية – الغربية.

وعليه، انضمت تركيا مبكراً لحلف شمال الأطلسي في العام 1952. واستغلت القوى الغربية العداء التاريخي بين أنقرة وروسيا، وموروث الجغرافيا السياسية؛ في تثبيت ارتكازات عسكرية لها بطول وعرض الأناضول. وبدأت من العام 1952 خطط إنشاء بني تحتية عسكرية هامة استراتيجياً للحلف والولايات المتحدة الأمريكية.

وتراوحت نقاط الانتشار العسكري للولايات المتحدة والناتو في تركيا لقرابة  14- 15 نقطة، ومثلت نقاط الانتشار العسكري وماهيتها أساس البنية التحتية العسكرية الأمريكية – الغربية الرامية لتطويق روسيا، حيث جاءت هذه البنية التحتية العسكرية في الاتي:

  1. مطارات عسكرية.
  2. محطات استخبارات.
  3. بطاريات للدفاع الجوي خاص بالناتو “باتريوت”.
  4. نقاط الدرع الصاروخي الأمريكي.
  5. موانئ بحرية.
  6. مخازن أسلحة نووية.
  7. مراكز قيادة وتحكم وسيطرة للتشكيلات البرية – الجوية – البحرية.
  8. أنظمة اتصالات حديثة تربط كافة قواعد وأسلحته الناتو – الولايات المتحدة، داخل تركيا بالقواعد المنتشرة حول العالم.

من هذه الأهمية الكبرى لموقع تركيا الجغرافي في استراتيجيات تطويق روسيا ومنع تسرب نفوذها غرباً وجنوباً، حرصت موسكو على تخليق التطويق ذاته، لتركيا وما تحويه من حضور قوي وعنيد للتكتل الغربي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. وجاء عبر ثلاثة نقاط:

  1. نقطة الشرق – أرمينيا -:

بيد أن التطويق الروسي جاء حيث عززت علاقاتها مع أرمينيا، ودشنت لقاعدة عسكرية دائما لها هناك، ونشرت بها منظومة “إس 400” قادرة على مراقبة تحركات الأجواء في أجزاء واسعة من شرق تركي.

  • نقطة الشمال – القرم- :

منذ أن بدأت عمليات الاسقاط المظلي لعناصر القوات الخاصة التابعة للجيش الروسي تحت قيادة الجنرال فلاديمير شمانوف، في شبه جزيرة القرم، حرصت روسيا منذ أن ضمت شبه الجزيرة لسيادتها على تدعيم قدراتها الدفاعية بأحدث المنظومات ولاسيما مع إطلالتها المميزة على البحر الأسود. حيث أعلن مدير المكتب الصحفي للمنطقة العسكرية الجنوبية في روسيا فاديم أستافييف، أنه تقرر تشغيل فوج جديد من صواريخ “إس-400 تريومف” في شبه جزيرة القرم قبل نهاية العام 2018.

  • نقطة الجنوب – سوريا -:

بعد إعلان تدخلها العسكري في سوريا، سبتمبر 2015، نشرت روسيا بعدها بشهرين منظومة الدفاع الصاروخية إس 400، في قاعدة الحميميم باللاذقية. وكان ذلك التنصيب للمنظومة الصاروخية هو الأسرع الذي نفذته روسيا خارج حدودها.

لتصبح تركيا بما تضمه من قواعد ومنشآت حساسة للناتو والولايات المتحدة ضمن غطاء دوائر إغلاق وتأمين منظومات الدفاع الصاروخية الروسية.

 وتباعاً أصبحت روسيا ومعداتها للاستشعار والرصد والتوجيه في اشتباك شبه يومي مع القطع الجوية والبحرية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. إلا أن تلك الاشتباكات اليومية لم تتعدَ سقف الاعتراض في الأجواء والمياه الدولية.

من هذه الاعتراضات والاشتباكات غير المسلحة، كان يتعرف كل طرف على قدرات الآخر. فروسيا في اختبار يومي لسرعة استجابتها لحركة الملاحة الجوية والبحرية، فضلاً عن أجهزة استخباراتها العسكرية التي أصبحت تتابع حركة التكتل الغربي المعادي من على مقربة بعد السيطرة على شبه جزيرة القرم.

الولايات المتحدة بدورها اختبرت قدرة الطيران الروسي على اعتراض القاذفات الاستراتيجية وطائرات الاستطلاع والاستخبار الالكتروني. الغائب في هذه الحلقة كان “المقاتلات الشبحية ومعها شبكة أنظمة اتصالات الناتو وراداراتها والدرع الصاروخية الأمريكية”. ما جعل الأطراف المتنافسة والمتصارعة تسعي لإحراز نصر بلا حرب على صعيد التقنية العسكرية وفك شيفراتها ولاسيما تلك المتعلقة بالمنظومات الدفاعية الصاروخية بعيدة المدي. إذ يغطى رادار “إس 400” دائرة قطرها 600 كم، ويمكن إعدادها للإطلاق خلال 5 دقائق، بينما يغطى رادار “باتريوت” مدى 150 كم، ويحتاج إعداده إلى 30 دقيقة.

مخاطر التشغيل والتنصيب

حيث تمثل تركيا بموقعها الجغرافي وسلسلة قواعد الناتو والولايات المتحدة بها، إحداثيات ازدحام مروري للمقاتلات الامريكية ومقاتلات حلف شمال الأطلسي التي تنطلق صوب مختلف المهام من تنفيذ ضربات ضد التنظيمات الإرهابية ومهام اخري ضمن أجندة الدعم اللوجيستي لقوات الحلف والولايات المتحدة في أفغانستان والباسفيك.

 وفي حال تنصيب المنظومة الصاروخية الروسية ببطاريتها الأربع في نقاط متفرقة بالجغرافيا التركية، فإنها ستغطي كامل الأجواء وتكشف حركة الطيران العسكري، ما يعني احتكاكاً يومياً بين مقاتلات غربية لها بصمة رادارية منخفضة وبين منظومة دفاعية روسية مجهزة خصيصاً لاعتراض هذه المقاتلات، وقذائفها الذكية. فضلاً عن العمل في بيئة تشويش اتصالات عالية التقنية لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، ما يعني أيضاً تعرف المنظومة الروسية على ترددات أنظمة الاتصالات الغربية، الأمر الذي يدفع بارتفاع احتمالات حدوث اختراق روسي لأحدث مكونات التكتل الغربي المعادي من أنظمة ومقاتلات وما بينهما من قنوات مشفرة تحوي وصلات بيانات ذات أهمية استراتيجية كبيرة.

حيث تحرص الولايات المتحدة على إجراء تدريباتها العسكرية وخاصة الجوية في بيئة أنظمة الدفاع الجوي الروسية، وظهر ذلك في حرص واشنطن على شراء معدات للدفاع الجوي السوفيتي من أوكرانيا منذ فترة التسعينات وصولا لمطلع الألفية وذلك لمحاكاة بيئة عملياتية روسية شديدة العدائية لطياريها ومقاتلاتها. إلا أن تلك المحاكاة لم تشتمل حتي الان على أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدم على غرار إس 400. حيث اقتصرت تدريبات الطيران الأمريكي كما أظهرت صور عبر الأقمار الصناعية تؤكد وجود منصات إطلاق ومركبات منظومة “إس-300بي تي”. التي أنتجها الاتحاد السوفيتي في سبعينات القرن المنصرم وقام بتصديرها لأكثر من 14 دولة من بينهم أوكرانيا.

كما أن هناك اشتباك وحيد تم تسجيله بين منظومة دفاعية صاروخية روسية وبين مقاتلة شبحية أمريكية، كانت الغلبة للمنظومة الروسية على نحو مفاجئ. ففي 24 مارس 1999، بدأت قوات الناتو قصفها الجوي ليوغوسلافيا، وبعد 3 أيام أسقطت بطارية دفاع جوي “سام 3” يوغسلافي طائرة أمريكية شبح غير مرئية من طراز F-117A ، تعتبر عصية على المضادات الأرضية.

وفي الناحية الأخرى، تطفو على السطح مخاوف روسية من إمكانية نقل تركيا لأسرار المنظومة الدفاعية الروسية للغرب، وهي عبارة عن ترددات المنظومة الصاروخية وقنوات الاتصال بين منصات الاطلاق والتوجيه. لكن روسيا صنعت المنظومة بنسخ تصديرية فقط، وخفضت بذلك مخاطر الاختراق على تجهيزات الجيش الروسي. فضلاً عن بند عقود الصفقة لا تسمح لأنقرة ببيع المنظومة.

وختاماً، تدرك تركيا ميزة موقعها الجغرافي ضمن المعادلات الجيوسياسية بين قوي الشرق والغرب، فيما يبدوا أن رهان صناع القرار في أنقرة على هذا الموقع الجغرافي المميز قد انجرف بالبلاد نحو الجنوح بعيداً عن البروتوكولات الأمنية لحلف شمال الأطلسي وكذا الرقص على حبال التقارب بين واشنطن وموسكو. لتصير السياسة التركية النشطة في قوالب العسكرة، وما يتضمنه ذلك من تصعيد بؤر التوتر في مناطق عدة، وبين محاور جيوسياسية متباينة الأهداف والوظائف. حيث مثل الإصرار التركي على تفعيل المنظومة الروسية انعكاساً لإدراك ورهان صناع القرار في انقرة لميزة الموقع الجغرافي واستمرار سياسة الرقص على حبال واشنطن وموسكو، بالرغم من كون الإطلاق الناري الأول لصواريخ إس 400 رسالة لواشنطن والحلفاء الغربيين بأن السياسات التركية في قضايا الأمن الجماعي والدفاع أصبحت بمنأى عن بروتوكولات الشراكة والتعاون، وكذلك حسابات وصول ترامب وبايدن لعتبة البيت الأبيض.

المراجع:

  1. Turkey: Which countries export arms to Turkey?, BBC, 23 October 2019: https://www.bbc.com/news/50125405
  2. CHAIRMAN RISCH: TURKEY’S TEST OF S-400 SYSTEM IS UNACCEPTABLE: https://www.foreign.senate.gov/press/chair/release/chairman-risch-turkeys-test-of-s-400-system-is-unacceptable
  3. Turkey clears way to test Russian S-400 defence system this week: https://www.reuters.com/article/us-turkey-defence-blacksea-idUSKBN2701FO
  4. تركيا تجري تجربة إطلاق لصواريخ إس- 400 وواشنطن تستنكر بشدة، الشرق الأوسط: https://bit.ly/3o1jzIw
  5. تركيا تبدأ التجارب على منظومة «إس 400» الروسية رغم اعتراض واشنطن، جريدة أحوال التركية : https://bit.ly/2GZeIaf
  6. تجربة تركيا لمنظومة “إس-400”.. عواقب وخيمة وانتقادات لاذعة، سكاي نيوز: https://bit.ly/37cs1Pf
  7. Turkey reportedly tests Russian air defence system despite US sanctions threat: https://bit.ly/35n8U2v
  8.  
  9. WATCH | Missile Fired in Turkey’s Black Sea Region Where S-400 Tests Were Expected: https://bit.ly/2T2RNNx
Scroll Up