في  إطار مشاركته في سلسلة المحاضرات التي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية، يومي السادس والسابع من يوليو الماضي، تحت عنوان “ملف السد الإثيوبي ومسارات التفاوض – رؤى استراتيجية”، ألقى نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، اللواء محمد إبراهيم الدويري، محاضرة بعنوان “الموقف المصري خلال المفاوضات”، تناول خلالها التموضع الحالي للمفاوض المصري في ملف سد النهضة، وتحليلًا للمبادئ الحاكمة للتوجهات المصرية الحالية في هذا الصدد، وعرضًا للسيناريوهات المستقبلية المتوقعة لهذه الأزمة.

المبادئ الحاكمة للتوجهات المصرية في ملف سد النهضة

في القسم الأول من هذه المحاضرة، تناول اللواء الدويري المبادئ الحاكمة للتوجهات المصرية في ملف سد النهضة، إذ قسمها إلى ثمانية مبادئ رئيسية. المبدأ الأول يرتكز على أن هذا الملف يتعلق بشكل رئيس بالأمن القومي المصري، ولهذا تتعامل القيادة المصرية بمنتهى الجدية مع كافة التطورات والتفاعلات المتعلقة به، عبر سلسلة من الإجراءات وردود الفعل المدروسة بعناية والمحسوبة بدقة.

المبدأ الثاني يتعلق بالجهة التي تتولى التفاوض، حيث قامت الإدارة المصرية بتشكيل ما يمكن اعتباره (لجنة عليا للتفاوض)، تضم ممثلين عن كافة المؤسسات المصرية ذات الصلة بملف نهر النيل والأمن المائي المصري، بحيث يتم الاستفادة من خبراتهم وآرائهم المتخصصة من جهة، ومن جهة أخرى تكون آلية اتخاذ القرار جماعية ومؤسسة على مشاورات ومداولات شاملة ووافية. المبدأ الثالث يتلخص في أن الرهان المصري الرسمي في هذا الملف كان ولا يزال على الحلول السياسية السلمية ومسارات التفاوض الشامل، ولم يسبق أن صدر عن الإدارة المصرية أية تصريحات رسمية تلوح باستخدام الخيار العسكري لإنهاء هذه الأزمة.

المبدأ الرابع ينبثق من القناعة المصرية التاريخية، أن نهر النيل لابد أن يكون من مباعث التعاون والتضامن مع دول حوضه، لا أن يكون بوابة لاندلاع الأزمات والصراع بينها، لأجل هذا لم تعترض مصر في أي وقت سابق على تنفيذ إثيوبيا لمشروع سد النهضة أو أية مشروعات مائية أخرى تساهم في دعم توجهات أديس أبابا نحو التنمية الاقتصادية ودعم قطاع الطاقة الإثيوبي، لكن هذا كله مشروط بعدم المساس بالحقوق المصرية المائية، وحصتها في مياه النيل، وهي حقوق مصانة بالمواثيق والاتفاقيات الدولية التي تحكم وتنظم آليات استغلال مياه الأنهار المشتركة. المبدأ الخامس يؤكد أن الإدارة المصرية كانت دومًا تفصل بين تطورات الملف التفاوضي حول سد النهضة، وبين مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأديس أبابا، وهي علاقات تاريخية، تشمل أوجه عدة للتعاون المشترك.

المبدأ السادس من المبادئ المحددة للموقف المصري في هذا الملف، من خلاله قامت مصر، من أجل إنجاح المفاوضات الثنائية، بإظهار المرونة الكاملة والتعاطي الإيجابي، خلال كافة المحطات التفاوضية حول ملف سد النهضة. المبدأ السابع يفيد أن الإدارة المصرية كانت تعتمد حتى وقت قريب، على أسلوب (التفاوض الثلاثي)، بين كل من القاهرة وأديس أبابا والخرطوم، من أجل تسوية هذه الأزمة، لكن لجأت مصر مؤخرًا إلى الوساطة الدولية بعد أن بات من الواضح للعيان التعنت الإثيوبي والمماطلة الشديدة، التي أدت إلى جمود المسار التفاوضي لتسع سنوات، دون التوصل إلى أي نتائج إيجابية. 

أما فيما يتعلق بالمبدأ الثامن والأخير، فهو يشير إلى التدخل الرئاسي المصري عبر مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل شخصي في مفاوضات سد النهضة، بهدف دفع هذه المفاوضات قدمًا إلى الأمام، وإضافة زخم وثقل لهذا المسار، وقد التقى خلال مشاركته في هذه المفاوضات رئيسي وزراء إثيوبيا (هايلا مريم ديسالين، وآبي أحمد).

المشهد التفاوضي العام لأزمة سد النهضة

في القسم الثاني من المحاضرة عرض اللواء محمد إبراهيم الجوانب المختلفة التي مر بها المسار التفاوضي بشأن سد النهضة الإثيوبي، منذ أن بدأت إثيوبيا في بناء السد عام 2011، مستغلة الظروف الصعبة التي كانت مصر تعيشها في أعقاب ثورة 25 يناير. وعندما قـام رئيـس الـوزراء الإثيوبي، في الرابع من أبريل 2011، بوضع حجر الأساس لبناء السد، لم تضع بلاده في اعتبارها مبدأ (الإخطار المسبق)، الذي يفرض على إثيوبيا، باعتبارها دولة منبع، وطبقًا للقانون الدولي، أن تقوم بإخطار مصر قبل أن تشرع في تنفيذ أية إنشاءات خاصة بهذا السد، وكذا ضرورة دراسة الآثار المترتبة على تشييد هذا السد على جميع المستويات. قسم اللواء الدويري المشهد التفاوضي حول سد النهضة إلى المشهد المصري، المشهد السوداني، والمشهد الإثيوبي.

  • أولًا: المشهد التفاوضي المصري: 

قدمت مصر طوال السنوات السابقة، خلال مسار التفاوض حول سد النهضة، نموذجًا متكاملًا، لكيفية الانخراط في عمليات تفاوضية، تستهدف حل الأزمات بالطرق السلمية، في إطار تعاوني وليس في إطار صراع أو نزاع. لهذا عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الاتحاد الإفريقي، كان اهتمامه الأساسي هو إرساء مبدأ إنهاء النزاعات الإفريقية بالطرق السلمية، وتعميم هذا المبدأ ليشمل كافة الخلافات الأفريقية الداخلية بمختلف أنواعها، بهدف تحقيق الاستقرار الداخلي في دول القارة، وجذب الاستثمارات العالمية.

  • ثانيًا: المشهد التفاوضي السوداني:

تأرجح الموقف السوداني خلال فترات التفاوض حول سد النهضة، ما بين المواقف السلبية تارة، والميل إلى وجهة النظر الإثيوبية تارة أخرى، إلى أن أعلنت الخرطوم بشكل رسمي مؤخرًا توافقها إلى حد كبير مع الموقف المصري، خاصة فيما يتعلق بضرورة عدم تأثير تشييد هذا السد، على حصص دول المصب من مياه نهر النيل.

  • ثالثًا: المشهد التفاوضي الإثيوبي: 

التموضع الإثيوبي خلال كافة مراحل المفاوضات حول سد النهضة، كان على وتيرة واحدة، ثابت ومستمر من حيث الموضوع، لكن شكلًا كان يتغير تكتيكًا من حين لآخر، وتراوحت هذه التغيرات بين المراوغة والادعاءات الباطلة والتعنت والتشدد، وعدم التعهد بأي التزامات في هذه المفاوضات.

مراحل التفاوض في قضية سد النهضة

في القسم الثالث من هذه المحاضرة، عرض نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية المراحل الرئيسة لمسار التفاوض حول قضية سد النهضة، إذ قسمها إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولي هي مرحلة تأسيس المفاوضات، والمرحلة الثانية هي مرحلة التوافق على إجراءات الحل، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الوساطة.

  • أولًا: مرحلة بدء وتأسيس المفاوضات:

بدأت هذه المرحلة فعليًا في نوفمبر 2011، رغم صدور عدة تصريحات استفزازية من الجانب الإثيوبي، استبق بها زيارة الوفد المصري إلى أديس أبابا في مايو من نفس العام، وهو الوفد الذي ترأسه حينها رئيس الوزراء المصري الأسبق عصام شرف. من هذه التصريحات تصريح وزير الدولة الإثيوبي للاتصالات الحكومية شيميلز كمال، بإن إثيوبيا ماضية في بناء السد، سواء قبل المصريون بذلك أم لم يقبلوا.

ببداية هذه المرحلة أواخر عام 2011، تم تشكيل لجنة دولية مختصة، مكونة من عشرة أفراد، بواقع أربع خبراء دوليين، وخبيرين من كل دولة من الدول الثلاث، وتم تكليف هذه اللجنة بمراجعة الدراسات الإثيوبية الخاصة بالسد وتأثيراته في دول المصب. وقد قدمت هذه اللجنة في نهاية مايو 2013، تقريرًا بالغ الأهمية، مازالت مصر تعتبره من نقاط استنادها الأساسية في هذا الملف، أشار إلى نقائص أساسية في الدراسات التي قام بها الجانب الإثيوبي، بشأن عوامل الأمان الخاصة ببدن هذا السد، وكان الرد الإثيوبي على ذلك أنه لا داعي لاستمرار الاستعانة بهذه اللجنة الدولية، وتم حلها بعد ذلك.

عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة في عام 2014 حرص على الدخول في مفاوضات جادة مع إثيوبيا اعتمد فيها على موقف مصر القوي طبقًا للقانون الدولي، ليس ذلك فقط، بل انتهج مبدأ التفاوض بكل شفافية ومصداقية وثقة وحسن نية، من منطلق أن الهدف النهائي من عملية التفاوض يتمثل في الوصول إلى حلول مقبولة من الطرفين، تحقق مصالحهما المشتركة. لهذا التقى برئيس الوزراء الإثيوبي في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية، واتفق معه على البدء في مرحلة جديدة من التفاوض حل مشكلة سد النهضة، وعلى تشكيل لجنة ثلاثية من الدول الثلاث، بجانب الاستعانة بمكتبين استشاريين (الأول هولندي والثاني فرنسي)، لإعداد الدراسات المطلوبة. استمرت هذه المرحلة حتى أوائل عام 2015، ولم ينجم عنها أي تقدم أو إنجاز يذكر، سوى تقرير الخبراء الدوليين السالف ذكره.

  • ثانيًا: مرحلة التوافق على مبادئ الحل والإجراءات التنفيذية:

وقد أسفرت عملية التفاوض في هذه المرحلة عن التوصل إلى (إعلان للمبادئ)، وقعه قادة الدول الثلاث، بالعاصمة السودانية، في الثالث والعشرين من مارس 2015، ويعد هذا الإعلان بمثابة اتفاقية إطارية ملزمة لكل الموقعين عليها، ودخلت هذه الاتفاقية فعليًا حيز التنفيذ فور توقيعا الأطراف الثلاثة عليها. اشتملت هذه الاتفاقية على عدة مبادئ رئيسة تدور في فلك المنافع والمصالح المشتركة، والتعاون وحسن الجوار وتبادل المعلومات، ومراعاة الاحتياجات المائية لدول المصب (مصر والسودان). وهنا تحدث اللواء الدويري عن ثلاث نقاط توضح كيفية التعامل الإثيوبي مع الالتزامات التي ترتبت على دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ.

1- لم تعبأ إثيوبيا بالعديد من المبادئ المهمة الواردة في إعلان المبادئ، مثل المبدأ الأول الذي ينص على التعاون والتفاهم المشترك، والالتزام بحسن النوايا، والمبدأ الثالث الذي ينص على عدم التسبب في أية أضرار لأي طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاقية، والمبدأ الرابع، الذي ينص على الاستخدام المنصف والعادل للموارد المائية.

2- انتهكت إثيوبيا أحد أهم المبادئ المنصوص عليها في الإعلان، وهو المبدأ الخامس، الذي ينص على التعاون بين البلدان الثلاثة، في إدارة السد، وتنظيم إجراءات وموعد الملء الأول له. كما أنها ضربت بعرض الحائط توصيات لجنة الخبراء الدولية، ولم تلتزم بالمخرجات النهائية للدراسات الموصَ بها في تقرير اللجنة الثلاثية، خاصةً فيما يتعلق بقواعد الملء الأول أو قواعد التشغيل السنوي للسد.

3- تعاملت إثيوبيا بطريقة أحادية مع المبدأ العاشر الوارد في الاتفاقية، والخاص بالتسوية السلمية للمنازعات، إذ حاولت أن تنزع من عملية الوساطة المنصوص عليها في هذا المبدأ، أي صلاحيات للوسيط، وحاولت أن تجعل دوره يقتصر فقط على (المراقبة)، دون تقديم أي مقترحات أو حلول وسط. كما رفضت إثيوبيا في بعض الأوقات إحالة الخلافات التي ظهرت أثناء المفاوضات إلى رؤساء الحكومات أو الدول، وهو ما يؤكد أن إثيوبيا لا ترغب في أن تتعرض لأي نوع من المساءلة أو المراجعة من أي طرف بعد توقيع الاتفاق النهائي.

في 25 مارس 2015، أي بعد يومين من توقيع إعلان المبادئ، توجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه إلى البرلمان الإثيوبي، وألقى خطابًا تاريخيًّا. ركز سيادته خلاله على التعاون والتفاهم المشترك بين البلدين، وأكد حينا أن الفرصة سانحة كي يسجل التاريخ أن أحدًا لم يقصر من أجل ضمان حقوق الشعبين المصري والإثيوبي. في يونيو 2018، التقى الرئيس المصري برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة، وأكد الأخير أن إثيوبيا لن تقوم بأي عمل من شأنه الإضرار بمصالح مصر المائية. عقب ذلك طلبت مصر مشاركة البنك الدولي في المفاوضات، لكن رفضت إثيوبيا حينها هذا التوجه. من ثم يمكن القول إن هذه المرحلة في المفاوضات لم تصل إلى نتائج مباشرة، لكن أهم ما تمخض عنها هو إعلان المبادئ، الذي يعد من مرتكزات مصر في هذا الملف حتى الآن.

  • ثالثًا: مرحلة الوساطة

لم يأتِ طلب مصر الوساطة الدولية في هذه الأزمة من فراغ أو خاليًا من المبررات القوية، فقد اضطرت مصر إلى هذا الخيار، والمطالبة به من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال خطاب الرئيس المصري خلال مشاركته في الدورة الرابعة والسبعين للجمعية أواخر سبتمبر 2019، إذ عرض الرئيس هذا الملف أمام المجتمع الدولي، وأوضح أن المفاوضات المتعلقة بسد النهضة لم تصل إلى أي نتائج، وأن الوقت قد حان لوساطة دولية للضغط على الأطراف المعنية، لإبداء مرونة في مواقفها المتشددة.

في 24 أكتوبر 2019، التقى الرئيس السيسي بآبي أحمد على هامش أعمال القمة الروسية الإفريقية بمدينة سوتشي الروسية، واتُّفق معه على استئناف المفاوضات مرة أخرى، وصرح آبي أحمد حينها أنه يقبل الوساطة الروسية في هذا الملف، بشرط أن تكون وساطة سياسية. في هذا الصدد يمكن تحديد أهم ملامح هذه المرحلة في النقاط التالية:

1 – إن مبدأ (الوساطة) منصوص عليه في البند العاشر من اتفاقية إعلان المبادئ، وأن مصر قد لجأت إلى هذا الخيار، بعد تسع سنوات من المفاوضات الغير مجدية.

2- تنوعت الوساطة لتضم الولايات المتحدة الأمريكية والسودان، ومؤسسة البنك الدولي، ومنظمة مجلس الأمن، ومن خلال هذه الوساطة، تم التوصل إلى اتفاق مكتوب، لم يكن ينقصه سوى التوقيعات فقط، لكن للأسف رفضت إثيوبيا التوقيع. ومن ثم تم اللجوء إلى مجلس الأمن وفقًا للمادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن “يجوز لعضو من أعضاء الأمم المتحدة أن ينبه مجلس الأمن أو الجمعية العامة إلى أي نزاع أو موقف قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعًًا لكي يقرر ما إذا كان استمرار هذا النزاع أو الموقف من شأنه أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر”. وبالرغم من أن مجلس الأمن غير مختص ببحث قضايا المياه، إلا أنه مختص ببحث كل ما يتعلق بتهديد السلم والأمن الدوليين.

3 – يكون التركيز في مرحلة الوساطة على قواعد ملء وتشغيل السد من الناحيتين الفنية والقانونية، للحيلولة دون انفراد إثيوبيا بقرار ملء السد.

قسم اللواء الدويري مرحلة الوساطة إلى أربعة محطات رئيسية

1-الوساطة الأمريكية والبنك الدولي: حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على التعامل بسرعة وإيجابية مع المطالب المصرية بشأن الوساطة الدولية في أزمة سد النهضة، إذ أصدر البيت الأبيض بيانًا واضحًا يدعم المفاوضات ويطالب الأطراف ذات الصلة بالتوصل إلى اتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد بما يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث، ويحافظ على حقوقها في التنمية مع احترام حقوق الطرف الآخر في المياه. وسرعان ما تحول هذا البيان إلى آلية عمل، حين دعت وزارة الخارجية الأمريكية وزراء الخارجية والري لمصر وإثيوبيا والسودان إلى اجتماعات في واشنطن. وبالفعل عُقدت اجتماعات والتقى بهم الرئيس الأمريكي ترامب بنفسه في يناير 2020، وشجعهم على ضرورة التوصل إلى اتفاق. عقدت هذه اللقاءات برئاسة وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشن، بالإضافة إلى عدة اجتماعات أخرى على المستوى الفني لمناقشة تفصيلات قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بما في ذلك الإجراءات التي يتوجب على إثيوبيا اتخاذها خلال مرحلتي الملء والتشغيل، للحد من آثار الجفاف والجفاف الممتد. وصِيغَ اتفاق بناءً على الاجتماعات السابقة التي حضرها الأطراف الثلاثة. 

في 22 فبراير 2020، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمبعوث الخاص لرئيس الوزراء الإثيوبي، رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ديسالين، لكن لم يثمر اللقاء عن شيء. وفي 28 فبراير 2020، وقَّع وزير الخارجية سامح شكري على

الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن، تأكيدًا على حسن النية المصرية، في حين لم تحضر إثيوبيا مطلقًا إلى واشنطن، وحضر ممثل السودان لكنه لم يوقع على الاتفاق. ومن ثم، عقب فشل الوساطة الأمريكية والبنك الدولي، قام السيد سامح شكري وزير الخارجية المصري بجولة طويلة في دول عربية وإفريقية وأوروبية، شرح فيها تفاصيل الموقف المصري كافة فيما يتعلق بسنوات التفاوض الطويلة مع إثيوبيا.

2-الوساطة السودانية: يعد السودان طرفًا أساسيًا في قضية سد النهضة، وعندما ينتقل من كونه طرفًا في التفاوض إلى طرف وسيط، إذًا فنحن أمام أمر جدي ومهم. ويعد تغير موقف السودان أمرًا إيجابيًّا؛ لاقتناعه اقتناعًا تامًا أن السد الإثيوبي بهذا الحجم والشكل، سيكون له تأثير مباشر على الأمن القومي المائي للسودان، ناهيك عن أن الدراسات الخاصة بأمان السد، أشارت بوضوح إلى أنه في حالة انهيار هذ السد، ستغرق العاصمة السودانية الخرطوم، وسينجم عن هذا كوارث كثيرة في السودان ومصر.

من ثم، تحرك السودان للحفاظ على مصالحها، ودعا إلى استئناف المفاوضات ووافقت مصر، وبدأت المفاوضات، واستغرقت عشرة أيام برعاية سودانية، ولم يتغير الموقف المصري، الذي ظل مرتكزًا على ضرورة التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف وملزم ومتوازن، لا ينتهك حقوق مصر المائية. السودان من جانبه أكد أنه لا ملء دون اتفاق، لكنه قدم للمرة الأولى مقترحًا متكاملًا من خمس عشرة مادة، يشتمل على كل ما يتعلق بأزمة السد، وطرحه على الأطراف، لكن رفضت إثيوبيا هذا المقترح، وقدمت بدلًا عنه مقترحًا مستفزًّا للغاية، يعبر عن المصالح الإثيوبية وحدها، مما أدى في النهاية إلى فشل المفاوضات وتوقفها.

3-وساطة مجلس الأمن: في التاسع عشر من يونيو عام 2020، قدمت مصر شكوى رسمية لمجلس الأمن، وطلبت منه التدخل حتى لا تقوم إثيوبيا بملء السد بإجراءات أحادية. على الجانب الآخر، قدمت إثيوبيا مذكرة اتهمت فيها مصر بالتعنت، وأنها السبب في إفشال المفاوضات، بالإضافة إلى عدم اعترافها بالحقوق التاريخية لمصر، وقدمت السودان مذكرة لمجلس الأمن طالبت فيها أن يتدخل المجتمع الدولي، حتى لا تبدأ إثيوبيا بملء السد، ومن ثم، تدخل الاتحاد الإفريقي عقب اللجوء إلى مجلس الأمن، وطلب عقد قمة إفريقية مصغرة مكونة من رئاسة الاتحاد الإفريقي، والدول الأعضاء في مكتب الاتحاد الإفريقي، والدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا).

في السادس والعشرين من نفس الشهر، أعلن الاتحاد الإفريقي أنه تولى موضوع مساعدة الأطراف الثلاثة في ملف سد النهضة الإثيوبي، وأبلغ مجلس الأمن الدولي أن المسألة أصبحت قيد النظر بواسطة الاتحاد. وأوضح الاتحاد في بيان أصدره عقب عقد قمة -عن بعد- دعا إليها رئيس الاتحاد الإفريقي الحالي، رئيس جنوب إفريقيا، ماتاميا رامافوسا، أنه رفع التمثيل في اللجنة الثلاثية التي تضم كلًّ من مر والسودان وإثيوبيا، لتضم أيضًا خبراء من الاتحاد الإفريقي، كمراقبين ليساعدوا الأطراف الأساسية في التوصل إلى حلول للمسائل العالقة بينهم، وإنتاج حل مُرضٍ للجميع، على أن يُرفع تقرير إلى مجلس الأمن بما تم التوصل إليه. لكن ظل الموقف الإثيوبي على تعنته كالعادة.

4-وساطة الاتحاد الإفريقي: في الثالث من يوليو 2020، بدأت المفاوضات بين الدول الثلاث برئاسة الاتحاد الإفريقي، واستمرت دون جدوى، وحدث تغير تكتيكي في آلية التفاوض، حيث بدأ المراقبون المنفذين للوساطة، في الجلوس مع كل طرف على حدة، للنقاش حول المسائل العالقة. لم تحقق هذه المفاوضات أي جديد على المستويين الفني والقانوني.

السيناريوهات المستقبلية لقضية سد النهضة

في الجزء الأخير من هذه المحاضرة، تناول اللواء الدويري المسارات المستقبلية المحتملة لأزمة سد النهضة. السيناريو الأول يرى فيه أنه في حالة الفشل النهائي لمسار المفاوضات برئاسة الاتحاد الإفريقي، سيكون الخيار المتاح هو اللجوء مرة أخرى إلى مجلس الأمن الدولي. أما عن السيناريو الثاني، فينص على أن تحال الأزمة برمتها إلى محكمة العدل الدولية، بشرط موافقة جميع الأطراف على ذلك.

اختتم اللواء الدويري محاضرته، بخلاصة مفادها أن مصر تتحرك على المسار السياسي في هذه الأزمة، ليس من منطلق الضعف، بل لتؤكد للعالم أنها دولة تحترم القانون الدولي، وتلزم بكل اتفاق وقّعت عليه، وحريصة على استقرار المنطقة، وساعية إلى إنجاح الجهود السياسية. ويجب أن يعي المجتمع الدولي كله أن مر لم تدخر وسعًا في العمل على إنجاح الجهود السياسية، ولكن في حالة الفشل التام لهذه الجهود، واستمرار التعنت الإثيوبي، فإننا أمام قضية تعد بالنسبة إلى مصر قضية حياة ووجود، ليس للأجيال الحالية فقط، وإنما للأجيال القادمة. ومن ثم، فلا مجال أمام مصر إلا أن تحافظ على حقوقها المائية بالشكل الذي تراه مناسبًا، وبما يكفله لها القانون الدولي.

أجاب اللواء الدويري بعد إنهاء محاضرته على أسئلة بعض الحاضرين، منها سؤال حول ما إذا كانت تل أبيب وراء التعنت الإثيوبي في ملف سد النهضة بشكل عام، ورفض التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بشكل خاص، فأجاب أنه يجب ألا نتعامل مع إسرائيل باعتبارها الدولة العظمى التي تحرك المنطقة والعالم، فعلى الرغم من وجود علاقات إثيوبية إسرائيلية قوية، إلا أن العلاقات المصرية الإثيوبية تُعد علاقات قديمة وممتدة، ولكن إثيوبيا تخشى أنه في حالة توقيعها على الاتفاق، فإنها لن تستطيع التنصل من تنفيذه.

أحد الحاضرين تساءل عن إمكانية التحول النوعي للموقف السوداني، ليصبح بشكل كامل لصالح الموقف المصري، أجاب اللواء الدويري أن الموقف السوداني بالفعل قد تحول، لأن الخرطوم أدركت خطورة بناء السد على الأمن المائي السوداني، خاصة أن الدراسات أثبتت قصور عوامل الأمان الخاصة به. 

السؤال الثالث والأخير كان حول ما إذا كان اللجوء المصري المحتمل للحل العسكري في هذه الأزمة سيكون مدعومًا من المجتمع الدولي، فأجاب اللواء محمد إبراهيم أن المجتمع الدولي أصبح على دراية بتفاصيل أزمة سد النهضة، ولديه قناعة كبيرة بقانونية وشرعية الموقف المصري، لكن يجب عدم الحديث عن الحل العسكري في الوقت الراهن، لأن مصر مازالت حتى الآن متمسكة بالحل السياسي العادل والمنصف الذي يحقق مصالح كل من إثيوبيا والسودان ومصر.

Scroll Up