8 حروب كبرى خاضتها إسرائيل مع العالم العربي، خلفت ورائها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، وموروث ضخم من العداء، عززته غطرسة وغرور إسرائيلي مدفوع بثقة صناع القرار في تل أبيب بالتفوق العسكري الإسرائيلي. إلا أن ثمة استدارة إسرائيلية تجاه التعاطي مع المحيط العربي بعيدًا عن عسكرة مجمل التفاعلات، وتمثلت في التسلل الناعم عن طريق تدشين شبكة من المواقع والمنصات الاجتماعية؛ ناطقة باللغة العربية. ومخصصة لمناطق معينة ومحددة سلفًا.

بيد أن تلك الشبكة لم تكن بمعزل عن أية ارتباطات مع الحكومة الإسرائيلية، بل؛ هي وليدة رؤى المسؤولين الإسرائيليين ولاسيما أولئك المعنيين بملفات الأمن والاستخبارات. إذ تُعدُّ إسرائيل رائدة في صناعة تكنولوجيا المعلومات في آسيا والمنطقة، فوصلت صادرات قطاع تكنولوجيا المعلومات حوالي 50% من صادرات إسرائيل. وعليه، طوعت إسرائيل قدراتها التكنولوجية المعلوماتية لتحقيق مفهوم السيادة السيبرانية، ومن جهة كسر موروث العداء الذي خلفته إسرائيل مع العالم العربي جراء 8 حروب كبري كانت في غالبيتها الساحقة الطرف المهاجم. 

وخلّفت موجات ما يُسمي بالربيع العربي واقعًا جيوسياسيًا حمل فرصًا محورية لإسرائيل لمخاطبة العقل الجمعي العربي بلغته الأم، ولاسيما مع صعود قضايا مركزية جديدة للمنطقة العربية بالإضافة للقضية الفلسطينية، فكانت الاستجابة الإسرائيلية تتمثل في:

إنشاء وحدات استخباراتية لمراقبة نشاط منصات التواصل الاجتماعي

لعل، أشهر الوحدات المعروفة داخل وخارج الجيش الإسرائيلي، فمنذ ثلاثة عقود دشن جهاز “أمان”، الذي يُعدُّ من أكبر الأجهزة الاستخباراتية قسما متخصصًا في مجال التجسس الإلكتروني أطلق عليه “الوحدة 8200”. لكن عمل الوحدة تطور بمرور الوقت، وانتقل من مجرد أعمال التجسس وتقديم الرؤى الاستخبارية الكاملة، إلى مهام تختص بالهجوم السيبراني. والتحكم بمحتوي شبكة الإنترنت ولاسيما العربي المرتبط بمعاداة إسرائيل، ومن جهة أخرى المحتوى الجهادي. علاوة على اعتراض الاتصالات والرسائل الإلكترونية لمختلف المستخدمين من أفراد لكيانات وشركات. ورصد الرسائل ذات القيمة الاستخباراتية من خلال معالجة ملايين المكالمات يوميًا. 

وتقدم الوحدات الاستخباراتية الإلكترونية داخل الجيش تحليلات وتقارير تفيد صناع القرار في الأجهزة الحكومية الأخرى بكيفية التواصل مع المحيط العربي من خلال الإنترنت. بدءًا من المحتوي المعروض والأشخاص المعنيين بالظهور، وصولًا لطرق تسويق المحتوي والتفاعل مع المتلقين العرب.

في ضوء الدعم الاستخباراتي الموسع للحكومة الإسرائيلية، فيما يخص حقل التواصل الاجتماعي بمنصاته المتخلفة، توجد وحدة سرية لجهاز “الأمان” الإسرائيلي- المخابرات العسكرية الإسرائيلية- تعمل منذ سنوات، ولكنها أحيطت بسرية تامة، يتقن عملاؤها اللغة العربية ولهجاتها المختلفة بما فيها اللهجة العامية المصرية والشامية وغيرها من اللهجات. ويستطيع المحققون الميدانيون في الوحدة 504، التحدث باللغة العربية وعلى اطلاع كبير بثقافتها، وسلوك ملايين المستخدمين في المنطقة العربية والحصول على معلومات ثمينة جراء تحليل البيانات على مواقع التواصل. تجدر الإشارة إلى أن الوحدة هي الجهة الاستخبارية الوحيدة التي تنزل حتى مستوى الكتيبة.

قسم الإعلام الرقمي بوزارة الخارجية الإسرائيلية

رغم تأسيس القسم منذ أكثر من عقدين، إلا أنه شهد تطورات كبيرة وخاصة مع بداية موجة ما يسمي بالربيع العربي. وكُلف القسم بالترويج لإسرائيل ثقافيًا واجتماعيًا وفنيًا في الدائرة العربية تحديدًا. فضلًا عن إدارة غالبية المنصات الإسرائيلية الرقمية الناطقة بالعربية. ومع تطبيع دول عربية للعلاقات الرسمية مع إسرائيل، زادت مهام القسم على نحو ملحوظ. ففي الفترة الممتدة بين 2018 لـ 2020 زاد عدد الصفحات الإسرائيلية الرسمية الناطقة بالعربية لثماني صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي. 

وأشهر تلك المنصات هي “أفيخاي أدرعي” الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بالعربية، والمنسق “واوفير غندلمان” المتحدث بلسان رئيس الوزراء بالعربية، بالإضافة إلى صفحة شرطة إسرائيل بالعربية وصفحة وزارة التربية وصفحات متنوعة لمكاتب رسمية بالعربية. وتنشط هذه الصفحات أوقات الأزمات والمواجهات لأنها تعبر بالتالي عن وجهة النظر الرسمية، وأيضا من جهة أخرى تقدم تعليمات وخدمات للمتلقي مثل صفحة المنسق في الأراضي الفلسطينية.

واتسمت الصفحات الرسمية الإسرائيلية الموجهة للعالم العربي، بخطاب رسمي مهادن، كما حازت على قاعدة مليونية من المتلقين. وتعمل هذه المنصات الحكومية على:

  • إخفاء الوجه العنصري للدولة العبرية، بالحديث عن مقاربة التطبيع والسلام، دون التطرق لسياسات الفصل العنصري الممارسة على كافة الأراضي الفلسطينية.
  • تحسين صورة الجيش الإسرائيلي، وتسليط الضوء على مهامه في عمليات إجلاء المدنيين من مناطق الكوارث الطبيعية كحرائق الغابات، فضلًا عن ترويج مشاهد مساعدة عناصر الجيش الإسرائيلي لمواطنين عرب وخاصة من كبار السن.
  • التسويق للرؤى الإسرائيلية في المنطقة ولاسيما تلك المتعلقة بظاهرة الإرهاب العابر للحدود، ومكافحة النشاط الإيراني بالمنطقة الجنوبية السورية. حيث تولت المنصات الحكومية الإسرائيلية الناطقة بالعربية نقل مشاهد اشتباكات وحدات الجيش الإسرائيلي على الحدود الشمالية، وكذا نشر مشاهد الغارات التي تنفذها المقاتلات الإسرائيلية.

حصاد مردود المحتوى العربي

“في نهاية اليوم، فأنت لا تنظر إلى الحصاد الذي تجنيه ولكن إلى البذور التي تزرعها، ونحن نزرع البذور، وأنا متأكدة من أن هذه البذور سوف تنمو”. هكذا تحدثت ليندا منوحين الإسرائيلية عراقية الأصل، التي تشرف على منصات التواصل الاجتماعي التابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية. وقد أجرت حوارًا صحافيًا مع جريدة واشنطن بوست قبل عامين للحديث عن انتشار أصول الحكومة الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي ولاسيما تلك الصفحات الناطقة بالعربية. 

“عوزي رابي” مدير مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية، بدوره قال للواشنطن بوست إن المنطقة في “مرحلة انتقالية”، بما في ذلك “شريحة متزايدة من الشباب العربي الذين لم يعودوا يخشون التحدث إلى الإسرائيليين”. وأضاف رابي أن حوالي 60% من سكان الشرق الأوسط هم في سن أقل من ثلاثين عاما، وأنهم أكثر فضولًا من آبائهم إزاء العالم الخارجي.

ومع تطبيع العلاقات الرسمية للإمارات والبحرين سارعت المنصات الإسرائيلية الناطقة بالعربية لتدشين صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لمخاطبة القطاع الشعبي الخليجي، ومنها صفحة إسرائيل في الخليج. إذ تعتبر الآن نافذة الحكومة الإسرائيلية عبر التواصل الاجتماعي مع منطقة الخليج. وتفاعل معها المئات من المستخدمين عبر منصتي فيسبوك وتويتر، وسط دعوات للحذر من الحضور الإسرائيلي عبر شبكات الإنترنت.

وبصورة عامة نجحت إسرائيل في نسج شبكة كثيفة من المنصات التي تهدف لتسويق وجهات النظر الإسرائيلية، كما استغلت وحدات الاستخبارات مهاراتها وعلومها في التحليل والتجسس لتوجيه الحكومة الإسرائيلية حول الطريقة المثلي للتعاطي مع المنطقة العربية على الصعيد الشعبي في المرحلة الانتقالية الحالية التي تشهدها المنطقة حسب زعم المسؤولين الإسرائيليين، لتظل الأسئلة مطروحة حول ما يمكن أن تصل إليه هذه المنصات من أهداف وتأثيرات تتعدي ما قد تربوا إليه الأدوات الدبلوماسية.