انتهت أمس الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2020 التي جرت في دوائر 14 محافظة وهي (الجيزة والفيوم وبنى سويف والمنيا وأسيوط والوادي الجديد وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان والبحر الأحمر والإسكندرية والبحيرة ومطروح).

وأعطى المشهد الانتخابي والمؤشرات الأولية لنتائج الانتخابات وفق وقائع الحصر العددي داخل اللجان الفرعية والعامة بالمحافظات عدة ملامح حول مؤشرات المنافسة في الانتخابات، ولا سيّما بين القوائم الانتخابية التي تخوض غمار المنافسة في المعترك الانتخابي.

إطار المنافسة

تنافست قائمتان في هذه المرحلة من الانتخابات هي القائمة الوطنية “من أجل مصر” وقائمة “نداء مصر” في قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد وقطاع غرب الدلتا. تضم كل منهما 100 مرشح أساسي و100 مرشح احتياطي يتنافسون على 100 مقعد داخل مجلس النواب.

تشكلت القائمة الوطنية “من أجل مصر” من 12 حزبًا سياسيا هي “مستقبل وطن – الوفد – التجمع – الشعب الجمهوري – مصر الحديثة – المصري الديمقراطي – الإصلاح والتنمية – التجمع – إرادة جيل – الحرية المصري – العدل – المؤتمر) بالإضافة إلى تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين.

أما قائمة “نداء مصر” فشكّلها حزب نداء مصر الذي تأسس عام 2015، والذي خاص غمار الانتخابات البرلمانية الماضية ضمن “ائتلاف نداء مصر” الذي تكون من قبل بعض الأحزاب السياسية التي تأسست عقب ثورة 25 يناير، منها حزب “نداء مصر” وحزب “الثورة المصرية” وحزب “الصرح المصري الحر” وحزب “العمل”.

ضمت القائمتان مزيجًا من الشخصيات الحزبية والشخصيات العامة، مع الالتزام بما ألزمت به الهيئة الوطنية للانتخابات بأن تشتمل كل قائمة والتي تتكون من 100 عضو على 25 امرأة، و9 من المسيحيين، و6 من العمال والفلاحين، و6 من الشباب، و3 من ذوي الإعاقة، و3 من المصريين المقيمين بالخارج؛ وذلك مراعاة لما جاء في دستور 2014 وما طرأ عليه من تعديلات في أبريل 2019 التي نصت على أن يُخصص للمرأة 25% من إجمالي عدد المقاعد في مجلس النواب، والحفاظ على تمثيل ملائم للفئات الأخرى.

منافسة شرسة

تشير المعطيات الأولية لنتائج الجولة الأولى للمرحلة الأولى للانتخابات إلى وجود منافسة شرسة بين القائمتين، وخاصة في محافظات جنوب الصعيد، فعلى سبيل المثال تفوقت قائمة “نداء مصر” في محافظة الأقصر بحصولها على 127228 صوتًا في مقابل 121138 صوتًا حصلت عليها قائمة “من أجل مصر”، فيما تفوقت قائمة “من أجل مصر” في محافظات شمال ووسط الصعيد مثل محافظة الجيزة ومحافظة بني سويف.

يعطي هذا الشكل من المنافسة استنتاجًا مهمًا وهو أن وجود قائمة موحدة في انتخابات مجلس الشيوخ التي جرت خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، وهي القائمة الوطنية من أجل مصر والتي تشكلت من 11 حزبًا هي (الوفد – مستقبل وطن – التجمع – حماة الوطن – مصر الحديثة – الإصلاح والتنمية – الشعب الجمهوري – المصري الديمقراطي – الحركة الوطنية – المؤتمر –  الحرية) كان استثناءً وليس قاعدة.

فقد عزفت الكثير من الأحزاب عن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ، وربما يُعزى ذلك إلى عدم إدراكها لأهمية مجلس الشيوخ الذي جرى استحداثه في التعديلات الدستورية أبريل 2019. وقد أنتج هذا العزوف قائمة واحدة خاضت غمار انتخابات مجلس الشيوخ ونجحت في نهاية المطاف بالتزكية لعدم وجود قائمة منافسة لها، وهو ما ربما تداركته الأحزاب السياسية المصرية خلال انتخابات مجلس النواب.

الأحزاب والانتقال من الورق إلى الواقع

بلغ عدد الأحزاب في مصر أكثر من 100 حزب، أكثرها لا يعرف المواطنون حتى أسماءها، وبعضها لم يتعد مستوى احتكاكهم بالشارع المصري محض مقر الحزب وفروعه، وهو ما خلق حالة من الفراغ السياسي والحزبي في الشارع المصري اتضحت ملامحه في انتخابات مجلس الشيوخ 2020 بوجود قائمة واحدة فقط خاضت الانتخابات وفازت بالتزكية، مع مشاركة ضئيلة من الأحزاب للمنافسة على المقاعد الفردية، إذ بلغ عدد الأحزاب التي شاركت في انتخابات “الشيوخ” 24 حزبًا حسب دراسة أعدها “ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان”.

جاء مجلس الشيوخ مستحدثًا في التعديلات الدستورية ولم تتضح لدى الأحزاب السياسية والمواطنين على حد سواء أهميته، وهو الأمر الذي انعكس في حجم الإقبال سواء على ترشيح الأحزاب لأعضائها في الانتخابات وكذلك في حجم إقبال المواطنين على التصويت. وهو ما اختلف بشكل كبير خلال انتخابات مجلس النواب الجارية.

شارك في انتخابات مجلس النواب 36 حزبًا في المنافسة على المقاعد الفردية، ومنهم الأحزاب التي أعدت قوائم للمنافسة على المقاعد المخصصة لنظام القائمة. وانعكس الإعداد الجيد من قبل الأحزاب لقوائمها المشاركة في الانتخابات، واشتمالها على شخصيات حزبية ومستقلة وعامة وشباب ومرأة من الأسماء ذات الثقل لدى المواطنين في المحافظات المختلفة على شكل المنافسة بين القائمتين “من أجل مصر” و”نداء مصر” في الجولة الأولى من الانتخابات.

ويشير ذلك المشهد إلى أن عددًا من الأحزاب فضل لعب دور أكثر احتكاكًا من الشارع، وكسر حالة الانزواء والجمود التي سيطرت على الكثير من الأحزاب خلال الفترات الماضية. وكذلك التعاطي بشكل مباشر مع مشكلات المواطنين ومحاولة إقناعهم بأهمية هذه الأحزاب في رسم مستقبل الدولة المصرية على المستويات كافة. وذلك ما انعكس على نسب المشاركة في التصويت خلال المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب والتي رصدها المجلس القومي لحقوق الإنسان وقال إنها تراوحت بين المتوسطة والكثيفة في مختلف المناطق الحضرية والريفية.

ويشير ذلك إلى أن إعلان نتائج الجولة الأولى والذي من المقرر أن يكون يوم 1 نوفمبر وفق الجدول الزمني للانتخابات الذي أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات، سيكون له تأثير كبير على حدة المنافسة في الجولة الثانية من الانتخابات المقرر لها أيام 4 و5 و6 نوفمبر في الخارج و7 و8 في الداخل، وسيكون لهذا التنافس المحموم انعكاس إيجابي على البرلمان القادم والتنوع السياسي والحزبي داخله، وهو ما يحقق الصالح العام للدولة المصرية والمواطن المصري في المقام الأول.

Scroll Up