تُعد الأحزاب أساس الحياة الديمقراطية والتنافس الحزبي هو جوهر العملية الديمقراطية، وقد كشفت انتخابات مجلس النواب 2020، عن مدى ثراء الحياة الحزبية المصرية، وحرص الأحزاب على المشاركة في التجربة الديمقراطية الوليدة وإنجاحها، وهو ما اتضح من خلال حجم المشاركة والتحالفات الحزبية التي تشكلت لخوض الانتخابات. هذا إلى جانب رقم لا يستهان به من المستقلين. وجميعهم يتنافسون في الانتخابات التي ستشكل ثاني مجلس نواب بعد ثورة 30 يونيو الذي من المقرر أن يلعب –إلى جانب مجلس الشيوخ- دورا كبيرا في تعزيز مسيرة التنمية التي بدأت منذ ست سنوات.

وساهم النظام الانتخابي الذي يخصص نصف مقاعد المجلس للقوائم المغلقة المطلقة، بشكل كبير في ضمان مشاركة حزبية فاعلة في المجالس النيابية، فبمجرد أن تحصل القائمة على 50%+1 من عدد الأصوات، فإن ذلك يعني أن كل أفرادها انتقلوا إلى عضوية المجلس. مع ضرورة الإشارة أيضًا إلى أن النظام الانتخابي راعى الموروثات الثقافية والاجتماعية المصرية المتعلقة بتفضيل بعض الناخبين للمرشحين المستقلين، حيث أتاح أمامهم الترشح على النصف الآخر من المقاعد المخصصة للفردي.

“الوطنية من أجل مصر”.. خطوة على طريق إثراء الحياة الحزبية

شهدت انتخابات مجلس النواب 2020، ظاهرة هي الأولى من نوعها، تلك المتعلقة بترشح القائمة الوطنية من أجل مصر، التي تضم 12 حزبًا سياسيًا من كافة الأطياف هي “مستقبل وطن”، “الوفد”، “حماة الوطن”، “مصر الحديثة”، “المصري الديمقراطي”، “الشعب الجمهوري” و”الإصلاح والتنمية”، “التجمع”، “إرادة جيل”، “الحرية المصري”، “العدل”، و”المؤتمر”، بالإضافة إلى تنسيقية شباب الأحزاب. وهي بذلك تضم أحزابا شديدة المعارضة كالتجمع والمصري الديمقراطي، وأحزابا محدودة الانتشار كالإصلاح والتنمية وإرادة جيل ومصر الحديثة والحرية.

وجاء تشكيل تلك القائمة بعدما حققت مثيلتها نجاحًا كبيرًا وحازت ثقة المواطن المصري في الشارع خلال انتخابات مجلس الشيوخ، والتي خاضتها القائمة على 100 مقعد، بتحالف ضم 11 حزبًا، بالإضافة إلى تنسيقية شباب الأحزاب، فيما زاد على القائمة الخاصة بمجلس النواب حزب العدل.

وستكون القائمة أكثر ثقلًا في انتخابات مجلس النواب 2020 مقارنة بانتخابات الشيوخ، نظرًا لزيادة عدد المقاعد المخصصة لها إلى 284 مقعدًا وفقًا لقانون البرلمان الجديد، فضلًا عن وجود منافسة مع قوائم “نداء مصر” و”أبناء مصر” و”تحالف المستقلين”، على عكس انتخابات الشيوخ التي خاضتها القائمة منفردة.

ويمكن اعتبار تلك القائمة احتواء لجميع أطياف الوطن، حيث إن أطرافها يمثلون مختلف الأيديولوجيات السياسية، وهو ما يُعد خطوة كبيرة على طريق إثراء الحياة السياسية والحزبية والنيابية، وسوف ينعكس بالتأكيد على شكل البرلمان القادم من حيث الأداء والتركيبة، إذ أنه سيكون متنوع الرؤى، وسيشهد نسبة أعلى من المعارضة الوطنية، طالما أن الاختلاف السياسي في صالح الوطن وينطلق من قاعدة أساسية هي حب الوطن، وسيجد المواطنون بمختلف توجهاتهم وفئاتهم من يعبر عن آرائهم المختلفة، حيث إن هذا التحالف هو انتخابي فقط ما يعني أن لكل حزب آراءه وأفكاره التي يمارسها تحت القبة بحرية تامة. كل هذا إلى جانب إثراء الحياة التشريعية بتشريعات مختلفة وفقًا للأجندة التشريعية لكل حزب داخل القائمة.

وتمثل القائمة فرصة مهمة لخلق كوادر سياسية جديدة من الشخصيات الحزبية والسياسية والشبابية وتأهيلهم للمشاركة بقوة في الحياة السياسية وصنع القرار، وتولي المواقع القيادية مستقبلًا، إذ إنها ضمت العديد من الوجوه الجديدة من مختلف الفئات والتخصصات خاصة من الشباب، إلى جانب شخصيات وأسماء بارزة في العمل السياسي والحزبي، وشخصيات لها تاريخ نيابي. وقد تم اختيار الأعضاء وفقًا لمعايير الكفاءة والانتماء الوطني وعدم الإقصاء.

وتعكس تلك القائمة شعور جميع الأحزاب والتيارات السياسية بالمسؤولية تجاه إنجاح التجربة الديمقراطية المصرية التي يتبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتؤكد أن الجميع يضع أمامه هدف واحد ورئيسي في الفترة المقبلة وهو مصر، فالجميع يرفع شعار المصلحة العامة، والتخلي عن النظرة الحزبية الضيقة، كما أنها تؤسس للتحول من الانتخاب على أساس الفرد إلى الانتخاب من خلال برامج انتخابية ومن الانتخاب على أساس قبلي إلى الانتخاب على أساس الأفضل.

تنسيقية شباب الأحزاب.. من الشيوخ للنواب

تنافس تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين للمرة الثانية عقب تمكنها من اقتناص 5 مقاعد في مجلس الشيوخ، حيث تضم القائمة الوطنية من أجل مصر 26 مرشحًا من أعضاء التنسيقية، فضلًا عن 6 مرشحين يخوضون السباق الانتخابي على 6 مقاعد بنظام الفردي.

وتدعم تلك المشاركة تجربة التمكين السياسي للشباب، كما إنها إثراء لتجربة التنسيقية التي بدأت منذ عامين، واستطاعت خلالهما أن تثبت نجاحها وأن تحظى بثقة الشعب المصري والقيادة السياسية، خاصة أنها تضم شبابا من أطياف مختلفة تتراوح بين اليمين واليسار، لكنهم استطاعوا تجاوز تلك الاختلافات وتقديم تجربة تشاركية انطلاقًا من أرضية وطنية واحدة، بما يمثل إضافة للحياة السياسية.

كما تمثل التنسيقية إثراءً للحياة السياسية على مستوى الشباب، حيث تضم 25 حزبًا منها مستقبل وطن، الإصلاح والتنمية، التجمع، المصريين الأحرار، المؤتمر، والإصلاح والنهضة، الجيل، الحركة الوطنية المصرية، الحرية، الغد، المصري الديمقراطي، المحافظون، الناصري، وحماة الوطن. وهي بذلك تفتح الباب أمام الشباب لممارسة العمل السياسي ترشحًا ومتابعة في الانتخابات النيابية والمحلية، والمشاركة في الحوارات المجتمعية، والتدرج من مستويات القيادة الأقل فالأكثر، بما يساهم في إفراز شخصيات قيادية ذات مهارة وثقل سياسي ومعرفي بطبيعة المشكلات والقضايا المصرية وسبل التعاطي معها، قادرة على المشاركة في استكمال المسيرة التنموية للدولة المصرية.    

خريطة الأحزاب على مقاعد الفردي

لم تقتصر المشاركة الحزبية على القائمة الوطنية وتنسيقية الأحزاب، لكنها امتدت إلى التنافس على المقاعد الفردية أيضًا، بمشاركة 36 حزبًا، يتفاوت عدد مرشحيهم بين 280 لأكبرهم مشاركة ومرشح واحد لأقلهم مشاركة وهو ما يعطينا مؤشر على حجم التفاوت في قوة وحضور الأحزاب على الساحة السياسية والشعبية المصرية، وهو ما يعكس أيضًا التباين الكبير في فرص فوزهم في الانتخابات.  

ونلقي نظرة عن قرب لحجم وطبيعة المشاركة الحزبية على مقاعد الفردي والتي تقدر بـ 868 مرشحًا من أصل 3964 أي حوالي 22%، حيث نجد أن حزب مستقبل وطن يحتل المرتبة الأولى في عدد المرشحين بواقع 280 مرشحًا بنسبة 7.1%، يليه حزب حماة الوطن بـ 121 مرشحًا بنسبة 3.1%، ثم حزب الوفد بـ 67 مرشحًا بنسبة 1.7%، فحزب الشعب الجمهوري بـ 58 مرشحًا بنسبة 1.5%، وحزب الحرية، بـ 49 مرشحًا بنسبة 1.2%، وحزب المؤتمر بـ 46 مرشحًا بنسبة 1.2%. ويبدو أن تلك الأحزاب هي الأوفر حظًا للفوز على مقاعد الفردي، بالنظر إلى احتلالها المراتب الست الأولى بالنسبة لعدد المرشحين.

في حين أن هناك 29 حزبًا قدموا أقل من 20 مرشحا، بواقع 76.3% من إجمالي الأحزاب، حيث قدم حزب الحركة الوطنية 20 مرشحًا، والمصريين الأحرار 14 مرشحًا، والنور 15 مرشحًا، والجيل الديمقراطي 12 مرشحًا، والتجمع الوطني التقدمي 11 مرشحًا، وكل من أبناء مصر والتحرير المصري 10 مرشحين لكل منهما، ومصر المستقبل والإصلاح والنهضة 8 مرشحين لكل منهما، والإصلاح والتنمية 7 مرشحين، والعربي للعدل والمساواة 6 مرشحين.

كما قدمت أحزاب العدل والغد ومصر الحديثة ونداء مصر 5 مرشحين لكل منهم بنسبة 10.5% من إجمالي الأحزاب، بينما قدم حزب النصر 4 مرشحين، أما أحزاب الاتحاد والريادة وصوت الشعب فقدمت ثلاثة مرشحين لكل منها بواقع 7.9% من إجمالي الأحزاب، وقدم حزبا التحالف الشعبي الاشتراكي والصرح المصري الحر مرشحين لكل منهما بواقع 5.3%.

فيما تشارك خمسة أحزاب بمرشح واحد فقط لكل منها، وهم إرادة جيل، الأحرار الاشتراكيين، الأحرار الدستوريين، حقوق الإنسان والمواطنة، ومصر بلدي، بنسبة 13% من إجمالي الأحزاب، وهو ما يعكس ضعفها، ويشير إلى ضعف ويكاد يكون انعدام فرصها في الولوج إلى برلمان 2021.

وتشير تلك المشاركة الواسعة للأحزاب إلى أن الدولة والأحزاب كليهما عاكفين على بناء دولة ديمقراطية حديثة تفعل فيها المادة 5 من الدستور التي تنص على يقوم النظام السياسي على التعددية السياسية والحزبية. بعد عقود طويلة لم تعرف فيها مصر سوى نظام الحزب الواحد، منذ عام 1953، وقد حاول حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان الإرهابية استنساخ تلك التجربة التي أثبتت فشلها، لكن الشعب لم يسمح له بذلك، وأصبحنا الآن أمام مسار ديمقراطي حقيقي، يسمح فيه للجميع بالمشاركة ترشحًا وانتخابًا طالما انطلق من أرضية وطنية ووضع نصب أعينه المصالح العليا للدولة والشعب المصري.

كما يبعث هذا الحضور الكبير برسالة إلى الشعب المصري مفادها أن الأحزاب السياسية متواجدة ولها دور في الاستحقاقات الانتخابية التي نص عليها الدستور.   

المستقلون.. حصان طروادة في الانتخابات

يشكل المستقلون حوالي 78% من إجمالي المرشحين على مقاعد الفردي، بواقع 3096 مرشحًا، فضلًا عن بعض المقاعد التي حصلوا عليها ضمن القوائم الانتخابية، ما يجعلهم حصان طروادة في الانتخابات الحالي. لكن هناك تحدي يواجههم متمثل في قدرة الأحزاب على الدعاية بشكل أفضل وأكبر تنظيمًا، لكن على أي حال ستكون كتلة المستقلين في مجلس النواب المقبل هي الأكبر مقارنة بأي حزب آخر.

فلا يزال قطاع عريض من الناخبين المصريين يفضل التصويت للشخصيات المستقلة وليست الحزبية، ويرجع ذلك إلى عزوف الكثير من المصريين عن العمل السياسي واتسام مشاركتهم في الفاعليات السياسية بالـ “موسمية”، أي ترتبط فقط بأوقات الانتخابات أو الأحداث السياسية الكبرى، وهو ما يجعلهم بعيدين بعض الشيء عن متابعة الخريطة الحزبية المصرية، ويعزز من هذا التوجه ضعف نشاط الأحزاب على مستوى الشارع في الأوقات العادية واقتصاره على المواسم الانتخابية فقط بما يُعطي ايحاء للناخبين أن الغرض هو الحصول على مقعد انتخابي وليس الاهتمام بمشاكل واحتياجات المواطنين بشكل دائم، فضلًا عن اتجاهات التصويت القبلية في بعض المناطق، والرغبة في اختيار “نائب خدمي” أكثر منه “نائب تشريعي رقابي”.

ويُمكن إدراك مدى ثقل المستقلين في الانتخابات الحالية بالنظر إلى النسبة التي يحتلونها إلى إجمالي المرشحين في كل محافظة والتي جاءت كالتالي: دمياط 86.3%، السويس 85.3%، القليوبية 84.3%، الدقهلية 84%، المنوفية 83.9%، الغربية 82.8%، كفر الشيخ 81.3%، جنوب سيناء 80%، بورسعيد 80%، الإسماعيلية 79.6%، الأقصر 78.7%، أسيوط 77.9%، مطروح 77.8%، البحيرة 77.1%، القاهرة 7.1%، الإسكندرية 76.7%، بني سويف 74.7%، الشرقية 73.6%، قنا 72.5%، سوهاج 71.8%، المنيا 71.7%، شمال سيناء 71%، البحر الأحمر 71%، الفيوم 70%، أسوان 69%، والوادي الجديد 62.5%.

ختاما تشهد انتخابات مجلس النواب 2020 منافسة شرسة، يتحرك فيها المرشحون كافة على اختلاف انتماءاتهم الحزبية وتوجهاتهم الفكرية والأيديولوجية من قاعدة وطنية، واضعين نصب أعينهم مصلحة الدولة المصرية، وعازمين على المشاركة الفعالة في مسيرة البناء والتنمية.

Scroll Up