عرض –  آية عبد العزيز

نشرت المبادرة العابرة للأطلسي لمؤسسة بروكنجز-روبرت بوش ورقة بحثية بعنوان الوسطيون الجدد في ألمانيا؟ التطور والتوقعات السياسية والسياسة الخارجية لحزب الخضر الألماني”، في أكتوبر 2020، للباحثة ” أماندا سلوت ” زميلة أولى في روبرت بوش في مركز الولايات المتحدة وأوروبا بمعهد بروكنجز، تقدم من خلالها نظرة عامة شاملة عن حزب الخضر، بما في ذلك تطوره التاريخي، وآفاقه الانتخابية المستقبلية، وسياساته الخارجية.

وتجادل بأن “الخضر” يراقبون الانتخابات الفيدرالية في ألمانيا التي سيتم انعقادها خريف 2021 نظرًا لإمكانية انضمامهم إلى ائتلاف حكومي. كما تقترح أيضًا أن سياسة “الخضر” تقوم على البناء والرسائل المفعمة بالأمل لتكون بمثابة نموذج لمواجهة الاستقطاب في الديمقراطيات الغربية المنقسمة، وفي سياق مُعاناة دول التحالف عبر الأطلسي من استقطاب عميق، وتحول المشهد السياسي، وتنامي الشكوك حول النظام الليبرالي، علاوة على الانكماش الأمريكي، والصعود الصيني، وأزمة المناخ، وتزايد عدم المساواة الاقتصادية، وتفشي أزمة “كوفيد-19”.

نشأة وتطور الخضر في ألمانيا

وفقًا للورقة، تأسس حزب الخضر في ألمانيا الغربية في 13 يناير1980 من قبل مجموعة متنوعة من دعاة حماية البيئة والنسويات ونشطاء السلام والمناهضين للطاقة النووية.

واستند البرنامج الأساسي للحزب على مبادئ بيئية، واجتماعية، وشعبية، وغير عنيفة، فضلاً عن الاهتمام بالطاقة النووية بعد كارثة تشيرنوبيل عام 1986، علاوة على التشكيك في الشراكة مع الغرب، بما في ذلك ما أنتجته الحرب الباردة من تعزيز القدرات العسكرية. وتأكيد أهمية السلام ونزع السلاح، بالإضافة إلى مطالبتهم الولايات المتحدة بإزالة أسلحتها النووية من ألمانيا الغربية.

فيما دعا برنامج الحزب إلى حل الكتل العسكرية خاصة حلفي “شمال الأطلسي” و”وارسو”. وعليه فقد ميزت الأفكار الحزب عن غيره من الأحزاب الأوروبية التي ركزت بشكل أساسي على القضايا البيئية بدلاً من الاهتمامات الشعبية واسعة النطاق.

وتألفت عضوية الحزب من مختلف الأطياف السياسية، فقد كان للعديد من الخضر البارزين – بما في ذلك رينهارد بوتيكوفر، ويورجن تريتن، ووينفريد كريتشمان – جذور سياسية في الجماعات الشيوعية التي تأسست في الستينيات. ومع ذلك، على الرغم من ميوله اليسارية، فقد تبنى الحزب إلى حد كبير نهج “الطريق الثالث” في المسائل الاقتصادية التي سعت إلى تجنب الانقسام التقليدي.

وانعكس تكوين الحزب غير المتجانس ونهجه الفلسفي في شعاره شبه الرسمي: “لسنا يسارًا ولا يمينًا، لكننا في المقدمة”. وحصل الحزب على دعم مبكر؛ إذ تم تمثيله في ستة من برلمانات ولايات ألمانيا الغربية البالغ عددها 11 بحلول عام 1982، وفاز بـ 28 مقعدًا في البوندستاج (البرلمان الفيدرالي) بنسبة 5.6٪ من الأصوات في مارس 1983، وزاد نصيبه من التصويت إلى 8.3٪ في انتخابات يناير 1987.

في ديسمبر 1985، دخل حزب الخضر لأول مرة حكومة الولاية من خلال تشكيل ائتلاف مع الحزب الديمقراطي الاشتراكي في ولاية هيسن. أصبح “يوشكا فيشر” أول وزير دولة تابع للخضر في البلاد، وكان مسؤولاً عن البيئة.

وبالتزامن مع إعادة توحيد البلاد أجريت انتخابات منفصلة في البوندستاج ديسمبر 1990 التي تم فيها تطبيق عتبة 5٪ الحد الأدنى لحصة التصويت المطلوبة لحزب ما لتحقيق التمثيل البرلماني – بشكل منفصل وليس على المستوى الوطني. ففي الغرب، فشل الخضر في الوصول إلى العتبة. أما الشرق، فقد أنشأت الجماعات البيئية في برلين حزب الخضر الألماني الشرقي في نوفمبر 1989.

وتم تشكيل اتفاقية انتخابية مع تحالف 90 وهي مجموعة من نشطاء الحقوق المدنية الذين ساعدت جهودهم في إسقاط جدار برلين حصل جهدهم المشترك على 6.1٪ من الأصوات وثمانية مقاعد البوندستاغ. في اليوم التالي، اندمجت الأطراف الخضراء الشرقية والغربية. في أبريل 1993، انضموا رسميًا إلى تحالف 90، وسُمى الحزب الجديد باسم حزب الخضر. في الانتخابات الفيدرالية لعام 1994، عاد الحزب إلى البوندستاج بنسبة 7.3٪ من الأصوات على الصعيد الوطني و49 مقعدًا.

وكشفت “أماندا” أن الحزب واجه أزمة خطيرة في عام 1999 عندما قررت الحكومة الائتلافية الانضمام إلى العملية العسكرية للناتو في كوسوفو، وهو أول انتشار لألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. وذلك بعد أن قدم البرنامج الانتخابي للحزب لعام 1998 “سياسة سلام” رفض “فرض السلام العسكري والعمليات القتالية”. وأيد الحزب “فيشر” في النهاية بأغلبية 444 مقابل 318 صوتًا لهزيمة اقتراح يطالب بإنهاء حملة قصف الناتو. ومع ذلك، أثر هذا القرار على تكوين الحزب والتوقعات؛ إذ “غادر حوالي ثلث الأعضاء وتم استبدالهم بأعضاء جدد، أكثر ملاءمة لتوجه القيادة.”

واستمرت التحديات التي يواجهها التحالف بسبب المناقشات العسكرية. ففي نوفمبر 2001، أجبر “شرودر” حزب الخضر في البرلمان على دعم الحكومة في تصويت على الثقة بشأن نشر القوات الألمانية في أفغانستان كجزء من عمليات الناتو بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية. كانت هذه هي المرة الأولى التي يوافق فيها البوندستاج على نشر ألمانيا في دور قتالي خارج أوروبا منذ عام 1945.

ووفقًا للباحثة استطاع الحزب التعامل مع عدد من الائتلافات السياسية المختلفة وحقق نجاحًا واضحًا بين عامي 2007 و2011، وفي انتخابات أكتوبر 2018، احتل حزب الخضر المرتبة الثانية بنسبة 17.6٪ من الأصوات ما يقرب من ضعف أصواتهم لعام 2013 التي فاز فيها بـ 38 مقعدًا. لذا تعد انتخابات 2018 في بافاريا لحظة مهمة ونقطة تحول لحزب الخضر كما هو موضح بالشكل.

وعليه يعد الحزب من أهم القوى المنافسة الحالية في الحكومة المقبلة للبلاد، خاصة مع تراجع قدرة الائتلاف الحاكم على استعادة مكانته، وتنامي الانقسام السياسي التقليدي بين اليسار واليمين الذي تجلى بين الأحزاب التقليدية، في مقابل سعيه للتطوير من أصوله الراديكالية في الثمانينيات ليصبح قوة معتدلة جذابة مع نجاح انتخابي متزايد، ومع ذلك، لا يزال الحزب غير مختبَر إلى حد كبير على المستوى الفيدرالي، ويواجه انقسامات داخلية طويلة الأمد، ويحظى بدعم محدود في ألمانيا الشرقية.

 وبالنظر إلى تمثيل المرأة داخل الحزب فإنها تحتل أعلى نسبة مقارنة بعضويتها في أي حزب ألماني آخر؛ إذ شاركت في تأسيسه وكان أول حزب برلماني يقدم “قانون المرأة” في عام 1986، وعندما دخل الحزب البرلمان لأول مرة، طلبوا أن يكون “نصف السلطة في الحزب تذهب إلى النساء”، وهو ما حققه بل وتجاوزه من خلال حجز المناصب الفردية في القوائم الانتخابية للمرشحات.

محفزات الصعود في السياسية الألمانية

وفقًا للباحثة بعد أربعين عامًا من تأسيسه، يمتلك حزب الخضر مقاعد في 14 من أصل 16 برلمانا من برلمانات الولايات في ألمانيا، ويلعب دورًا ائتلافيًا في 11 منها، كما يعد أصغر مجموعة حزبية في البوندستاج، لكنها تضم ​​ثاني أكبر وفد للأعضاء الألمان في البرلمان الأوروبي. وفقًا للباحثة يمكن تفسير نجاح الحزب نتيجة عدد من العوامل تتجلى على النحو التالي:

  • ضعف قوى الوسط: مع إعلان المستشارة “إنجيلا ميركل” إنها لن تترشح لرئاسة الحزب ولا لمنصب المستشارة في انتخابات 2012، وتقديم أنجريت كرامب-كارينباور وريثتها المختارة وخليفتها كقائدة للحزب، استقالتها من منصبها كرئيسة للحزب، وتفشي أزمة “كوفيد-19” على الأوضاع الداخلية وآفاق الانتخابات لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وذلك بالتزامن مع ظهور ثلاثة متنافسين رسميين على القيادة: “نوربرت روتجن” رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاج، وهو المفضل لدى الوسط الحزبي، ولكنه يفتقر الدعم ويُنظر إليه على أنه مرشح بعيد المنال، و”أرمين لاشيت”، وزير رئيس أكبر ولاية في ألمانيا (شمال الراين ويستفاليا)، ذو التوجهات المعتدلة. أما المنافس الثالث هو “فريدريك ميرز” الذي يتمتع بسجل سياسي طويل، لكنه خسر انتخابات القيادة سابقًا أمام “ميركل” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين و”كرامب” في عام 2018. وفي هذا السياق أشارت الباحثة إلى المرشح الأوفر حظًا حاليًا هو شخص لم يرشح نفسه حتى وهو رئيس الوزراء البافاري المحافظ “ماركوس سودر” وقد نفى أنه سيرشح نفسه، على الرغم من أن معظم المراقبين يعتقدون أنه يريد الوظيفة، وذلك وفقًا لما أوضحته الباحثة.
  • صعود اليمين الشعبوي: بالإضافة إلى إضعاف الوسط السياسي، تميزت السياسة الألمانية بصعود البديل من أجل ألمانيا، الذي ظهر في عام 2013 أثناء الأزمة المالية الأوروبية، كارهين تحول “ميركل” نحو الوسط واستخدامها لأموال دافعي الضرائب الألمان لإنقاذ أعضاء منطقة اليورو الآخرين. وفشل الحزب بصعوبة في الوصول إلى عتبة 5٪ لدخول البرلمان في عام 2013. ولكنه استطاع توظيف ملف الهجرة لتكون على رأس أولوياته في عام 2015، ودعا إلى نهج قومي متشدد، وتبنى لهجة أكثر شعبية وكراهية للأجانب أعطت الأولوية للهجرة والأمن الداخلي، وتحديات السيادة الوطنية من التكامل الأوروبي واللاجئين. وفي الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر 2017، اجتذب الحزب ما يقرب من ستة ملايين صوت (12.6٪) ودخل البوندستاغ للمرة الأولى كثالث أكبر حزب.
  • تزايد القلق البيئي: إلى جانب الاستفادة من الاتجاهات السياسية المحلية، استفاد حزب الخضر من زيادة بروز رسالته الرئيسية؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن الأمر قد ارتفع إلى الواجهة في السنوات الأخيرة. فخلال الانتخابات الأوروبية 2019، اعتبر 48٪ من الألمان أن تغير المناخ هو القضية الأكثر أهمية، وقال 88٪ من الناخبين الخضر إن البيئة مهمة للتصويت. كما وجد استطلاع أجرته مؤسسة Körber-Stiftung لعام 2019 أن 31٪ من الألمان يعتبر أن تغير المناخ هو أكبر تحدٍ للسياسة الخارجية في البلاد.

التوجهات الخارجية للخضر

أفادت “أماندا” أن الحزب حدد برنامجه الأساسي آخر مرة عام 2002، مع تحديثات مجزأة وتفاصيل في البرامج الانتخابية والمنشورات بواسطة الفريق العامل المعني بالسلام والشؤون الدولية. وفي الوقت الحالي يعمل الحزب على إنتاج برنامج جديد، تم مشاركة المسودة الأولى في أواخر يونيو 2020، من المتوقع أن يتم التصديق على النص في مؤتمر الحزب في نوفمبر 2020. بشكل منفصل، سيعد الحزب رؤية أكثر تفصيلاً للسياسة الخارجية كجزء من فيدراليته لعام 2021منصة انتخابية.

هناك استمرارية كبيرة بين البرنامج الأساسي عام 2002 ومسودة يونيو من إصدار 2020. فكلاهما يؤكد على أسبقية أوروبا، ويؤكد أن الاتحاد الأوروبي هو الفاعل المركزي في السياسة الخارجية، والحاجة إلى تكامل أعمق، وقدرتها كقوة من أجل السلام. ويدعون إلى مزيد من التطوير للأمور الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي السياسة، بالإضافة إلى تعاون أكبر بين القوات المسلحة الوطنية للاتحاد الأوروبي.

واختتمت الورقة بتأكيد أهمية التعاون الدولي والتعددية، ودور الأمم المتحدة، بجانب التركيز على حقوق الإنسان وسياسة السلام والتوجهات الخارجية الوقائية التي تروج لمفهوم أكثر شمولية للأمن. كما أنهم يحافظون على رغبتهم في نزع السلاح النووي – داخل ألمانيا وحلف شمال الأطلسي، وفي العالم بشكل مثالي.

Scroll Up