تعتبر محافظة إدلب السورية مسرح عمليات يجسد مفهوم صراع “المناطق الرمادية”، وهي حالة تتأرجح ما بين الحرب والسلام وتتخللها تسويات الحد الأدنى التي تبقى على جذور الصراعات مشتعلة ما يطيل أمد النزاعات وحالات عدم الاستقرار الممتد، وبعيدًا عن موقعها الجغرافي المميز في أقاصي شمال غرب سوريا، تحتل إدلب مكانة خاصة في الاستراتيجية العسكرية للفواعل الإقليمية والدولية في الأزمة السورية. 

فالمحافظة التي دخلت مبكرًا على خط الاقتتال المسلح منذ بداية الأزمة السورية في مارس من العام 2011؛ باتت الخزان البشري الأكبر للجماعات والتنظيمات المسلحة، وكذا باتت معضلة الحرب السورية الأخيرة كونها تمثل الجيب العسكري الأخير للمعارضة المسلحة في البلاد، ناهيك عن سيطرة هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقًا – على أكثر من نصف مساحة إدلب وتحول أرياف المدينة ومركزها لنقاط وملاذات آمنة للعناصر الإرهابية شديدة الخطورة، ولاسيما تلك الشيشانية والإيغورية التي قدمت لإدلب مع عائلاتها.

 فضلاً؛ عن تحول إدلب لأكبر نقطة ينشط فيها تنظيم القاعدة في المنطقة الممتدة من أفغانستان وصولًا للساحل السوري، عن طريق أكثر من تنظيم مسلح في جيب عسكري ضيق تنظيم حراس الدين – تنظيم فيلق الشام – هيئة تحرير الشام، وجميعهم لهم ارتباطات وثيقة بالقرار الاستراتيجي لتنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري، رغم بزوغ بعض الخلافات التكتيكية بينهما بالنسبة للتسويات بين حكومتي دمشق وموسكو مع أنقرة.

كل هذا، وضع محافظة إدلب لمكانة خاصة في الاستراتيجية العسكرية للدول الفاعلة في الأزمة الدولية، وما زاد هذه المكانة خصوصية، سيادة نمط صراع المناطق الرمادية في سائر بلدات وقرى إدلب وعلى جانبي طرقاتها السريعة ومنشآتها الحيوية.

حيث دفع صراع المناطق الرمادية في إدلب إلى تكثيف عمل الأجهزة الاستخباراتية للقوى الإقليمية والدولية لجمع المعلومات ومراقبة التنظيمات الإرهابية شديدة الخطورة – الغير مروضة – كتنظيم حراس الدين، ومن ثم توجيه الضربات الاستباقية واستهداف القيادات الميدانية والشرعية للتنظيمات المسلحة بصواريخ “آر 9 إكس” التي طُوِرت خصيصًا في الحالة الأمريكية لاستهداف عناصر ومركبات بعينها، من دون إحداث أية أضرار بالعناصر الميدانية في مسرح الاستهداف.

إذ تملك صواريخ “آر 9 إكس” القدرة على تقطيع أجساد ضحاياها داخل سياراتهم بسرعة فائقة من دون إحداث أي انفجار أو اشعال نيران، كما يوضح الفيديو التالي واحدة من عمليات القصف الدقيق الأمريكي لعناصر إرهابية داخل سياراتهم:

لم تشتمل سماء إدلب ومسرحها الميداني على الطنين الخافت الغير مسموع لصواريخ الـ “آر 9 إكس” الامريكية ذات الشفرات الحادة التي لا ترحم فحسب، بل؛ ضجت سماء وأرض إدلب بالصواريخ والقنابل الروسية الفتاكة، لتستهدف القوات التركية ذاتها تارة، والتنظيمات المسلحة الموالية لأنقرة تارة أخرى، حسب الظرف السياسي والحاجة لذلك. 

ففي غضون ثلاثة أيام وجهت روسيا ضربتين مُركزتين ضد أهداف لتنظيمات مسلحة موالية لأنقرة، في ضربة تُعد الأكبر منذ التوقيع على اتفاق الهدنة في مارس الماضي، والذي أقر بفتح الطريق الدولية الرابطة بين حلب واللاذقية وتسيير دوريات مشتركة بين القوات الروسية والتركية، وإبعاد القوات الحكومية السورية والتنظيمات المسلحة مسافة 6 كم من جانبي الطريق الدولية.

الضربتين الروسيتين استهدفتا، شاحنات وسوق للنفط في بلدة بابلان جنوب جرابلس تستخدمها التنظيمات المسلحة الموالية لأنقرة لتهريب النقط لتركيا، وأشارت مصادر أن الضربة الروسية تمت باستخدام صواريخ تكتيكية أرض أرض انطلقت من اللاذقية. وكان ذلك في ليلة يوم 23 من أكتوبر الجاري. 

أما الضربة الثانية الروسية الثانية فكانت في استهداف المقاتلات الروسية صباح يوم الإثنين، لمقرات تابعة لتنظيم فيلق الشام المرتبط بتنظيم القاعدة. 

في منطقة جبل الدويلة شمال غرب إدلب وعلى بعد 9 كيلومترات من الحدود التركية، حيث كان يخضع عشرات المقاتلين لدورة تدريبية عسكرية. وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان – مقره لندن – بوقوع نحو 80 قتيلًا على الأقل في صفوف عناصر الفيلق جراء الغارة الروسية، وبحسب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، “رامي عبد الرحمن”، فإن حصيلة الغارات تعد الأعنف على الاطلاق منذ سريان الهدنة في مارس الماضي، مرجحًا ارتفاع الحصيلة من القتلى والعالقين تحت الأنقاض. 

يذكر أن المعسكر كان من المفترض أن يتخرج منه دفعة من المقاتلين منه خلال أيام، بعد إجراء دورة تدريبية لهم من قبل فيلق الشام. وبالتزامن مع انتهاء الغارة، نشرت وسائل إعلام روسية صور للمعسكر قبل قصفه بالطائرات بلحظات، وتظهر الصور اصطفاف عناصر من فيلق الشام تقدر اعدادهم بالعشرات مكشوفين في ساحة التدريب، وهو ما يتماشى مع التقارير التي تفيد بارتفاع أعداد القتلى لتتراوح من 70 لـ 80 قتيل. 

وعلى الرغم من الصمت التركي حتى اللحظة حيال الغارة الروسية الأخيرة، فإنها مازالت تحتفظ بقرار التمسك بالهدنة من عدمه مقارنةً بالأصوات الغاضبة من “جبهة التحرير الوطنية” التي أعلنت وقف العمل باتفاق الهدنة وقصف مواقع لقوات الجيش السوري في إدلب، وتثير الضربات الروسية الأخيرة جملة من الرسائل، يمكن إبرازها على النحو التالي:

  1. جدية الإصرار الروسي على الدفع بتركيا لفصل الجماعات المسلحة “المعتدلة” عن الجماعات الإرهابية. حيث تم استهداف فيلق الشام صاحب الارتباطات الوثيقة بتنظيم القاعدة. بيد أن تركيا تنصلت من تعهداتها في سوتشي 2018، الذي أفرز مناطق خفض التصعيد التي تنشط بمقتضاها تركيا في إدلب. كما تجدر الإشارة أن الهجوم الروسي الأخير يأتي بالتزامن مع غارة أمريكية يوم الخميس الماضي، استهدفت عناصر من تنظيم القاعدة بينهم 11 قائد ميداني. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في بيان لها أنّ “القوات الأميركية شنّت ضربة استهدفت مجموعة من كبار مسؤولي تنظيم القاعدة في سوريا كانوا مجتمعين” في إدلب قرب الحدود التركية. ورأت أن “القضاء على هؤلاء القياديين في تنظيم القاعدة في سوريا سيقلّل من قدرة التنظيم الإرهابي على تخطيط وتنفيذ هجمات تهدد المواطنين الأميركيين وشركائنا والمدنيين الأبرياء”.
  2. رسالة شديدة اللهجة لمركز القيادة التركي الموحد لجبهة سوريا، حيث استحدث مجلس الشورى العسكري التركي خلال اجتماعه في مطلع أغسطس الماضي، مركزًا جديدًا لقيادة العمليات في سوريا باسم “قيادة منطقة عملية درع السلام”، مركزه منطقة سيرين يول التابعة لمدينة أنطاكيا في ولاية هطاي الحدودية مع سوريا. وأسند الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قيادة المركز إلى اللواء هاكان أوزتكين، الذي تم تعيينه خلال المجلس قائدًا للواء الثالث للقوات الخاصة بالجيش التركي. ويتولى المركز الجديد تنسيق عمليات وأنشطة القوات التركية، في مناطق العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا (درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام ودرع الربيع). ويهدف المركز للإبقاء على حالة “السيولة” للتنظيمات المسلحة والإرهابية على حدِ سواء لتوظيفها ضمن المصالح التركية. 
  3. وضع سقف للانخراط العسكري التركي في إقليم ناجورنو قره باغ، حيث كان الرئيس التركي الوحيد الذي دعا نظيره الأذري بمواصلة القتال في الوقت الذي دعا فيه غالبية القادة والرؤساء في المنطقة إلى التهدئة. مما فاقم من حجم الاقتتال الدائر في جنوب القوقاز. 

هذا فضلًا عن استمرار تركيا في إرسال دفعات من المرتزقة السوريين والدفع بهم في خطوط المواجهة الأولي. إذ وصلت أعدادهم وفق تقديرات المرصد السوري لحقوق الإنسان لقرابة 2000 عنصر. وتخشى موسكو أن يدفع النهج العدواني لتركيا في منطقة جنوب القوقاز إلى استحداث موجة على غرار “الربيع العربي” ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي وقطاعاتها الشعبية ذات المزاج الإسلامي، في منطقة تعتبر من الخطوط الحمراء للأمن القومي الروسي. حيث أفشل الدعم العسكري والسياسي التركي الهدنة الإنسانية في ناجورنو قره باغ للمرة الثالثة على التوالي بالرغم من توصل موسكو لاتفاق وقف إطلاق النار بين أرمينيا وأذربيجان مطلع الشهر الجاري. 

  1. الموازنة بين ضبط النفس وردود الفعل المناسبة، يمكن لضبط النفس المفرط أن يزيد من مخاطر التصعيد عبر فتح المجال لتحديات جديدة. وفي المقابل، يمكن أن يؤدي التخلي عن ضبط النفس واللجوء إلى التصعيد إلى زيادة مخاطر لا داعي لها، من هذه المعادلة تتحرك موسكو بحذر تجاه سياساتها مع تركيا، فهي من ناحية تهدف لتثبيت موقع تركيا في الفضاء الأوراسي كنقطة عدم استقرار للتكتل الغربي “الناتو”، وكذلك كبوابة لتسرب النفوذ الروسي للمياه الدافئة ومنطقة شمال إفريقيا. إلا أن ردود فعل موسكو تأخذ في الاعتبار تحجيم الدور الوظيفي لنمط “الوكيل – الراعي” بين تركيا والمجموعات المسلحة والإرهابية في مناطق الحرم الأمني الروسي. 

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) في بيان لها أنّ “القوات الأميركية شنّت ضربة استهدفت مجموعة من كبار مسؤولي تنظيم القاعدة في سوريا كانوا مجتمعين” في إدلب قرب الحدود التركية، وأضافت أن “القضاء على هؤلاء القياديين في تنظيم القاعدة في سوريا سيقلّل من قدرة التنظيم الإرهابي على تخطيط وتنفيذ هجمات تهدّد المواطنين الأميركيين وشركائنا والمدنيين الأبرياء”.

Scroll Up