أجرى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان زيارة عاجلة الثلاثاء 27 أكتوبر للقاهرة، اصطحب خلالها وزير الخارجية السوداني المكلف السفير عمر قمر الدين ورئيس المخابرات العامة السودانية الفريق ركن جمال الدين، وذلك في ضوء دعوة لاستضافته من قبل الرئيس المصري، “عبد الفتاح السيسي”، وفقًا لما أعلنته وكالة الأنباء السودانية (27 أكتوبر 2020).

تتزامن هذه الزيارة العاجلة مع مجموعة من المستجدات الداخلية والإقليمية، التي في إطارها تتلاقى مصالح البلدين الاستراتيجية، وفي إطار تلك المستجدات تأتي هذه الزيارة التي تستهدف التنسيق في الرؤى والمواقف إزاء عدد من القضايا على النحو التالي:

عملية إحياء مفاوضات سدّ النهضة

آخر هذه المستجدات وأحدثها هي الجولة الجديدة لمفاوضات سدّ النهضة، التي تم عقدها بالتزامن مع زيارة “البرهان” للقاهرة. وتأتي هذه الجولة في ضوء متغير جديد تمثل في آخر تصريحات للرئيس الأمريكي حول التعنت الإثيوبي في مفاوضات سدّ النهضة، وتحلله من الصفقة التي عقدتها واشنطن، في فبراير الماضي، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي لتأكيد صعوبة الموقف بالنسبة لمصر، على نحوٍ يمكن معه قبول أي تحرك عسكري من جانبها، هذا فضلًا عن تشديده على العقوبات الأمريكية على إثيوبيا.

وضع هذا الموقف الأمريكي ليس فقط إثيوبيا في موقف حرج ولكن أيضًا موقف الاتحاد الأفريقي، الذي لم يسهم في تفعيل شعاره المرفوع لهذا العام “حلول أفريقية للمشكلات الإفريقية”، وذلك بعدما وضع الرئيس الأمريكي “ترامب” الرعاية الأمريكية للمفاوضات في موضع مقارنة ضمنية مع رعاية “الاتحاد الإفريقي”، هذا فضلًا عن إيعاز السودان بلعب دورًا أكثر إيجابية لتحرك هذا الملف.

وعلى خلفية ذلك المتغير الجديد، دعت رئيس الاتحاد الأفريقي جنوب إفريقيا لعقد جولة جديدة من المفاوضات، بمشاركة وزراء الخارجية والري للدول الثلاث، وذلك بعد توقف دام نحو شهرين من توقف المفاوضات برعاية الاتحاد.

تطبيع العلاقات الإسرائيلية السودانية

فيما يأتي التطبيع السوداني مع إسرائيل، كأحد أبرز المستجدات، المتعلقة بتفاعلات السودان الجديد، في محيطه الإقليمي والدولي، وذلك بعدما أعلن عن تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية، بالتزامن مع رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي المناسبة، التي صرّح فيها الرئيس الأمريكي عن موقفه من أزمة سدّ النهضة. 

ويأتي هذا التطور الجديد في علاقات السودان بمحيطه الإقليمي، في ضوء صياغة سياسة خارجية جديدة تراعي الاعتبارات والمصالح السودانية، بعيدًا عن سياسة المحاور، التي كان ينتهجها البشير. وارتباطًا بهذه المصالح السودانية، تأتي مدّ جسور الصلة مع إسرائيل، وهو ما جسدّه تصريح رئيس مجلس السيادة السوداني ” البرهان” بالأمس، في لقائه التلفزيوني، إذ أكدّ أن قرار السلام مع إسرائيل ينطلق من المصلحة السودانية، في ضوء التغيير الذي شمل كافة المناحي، وعليه جاء قرار السودان، بما سيسهم في اندماج السودان في المجتمع الدولي، ورفعها من قوائم الإرهاب الدولية، والتحرر من وصمة التمييز على أساس الدين، اللصيقة بالسودان الذي يلقي بظلاله حتمًا على طبيعة علاقات السودان بمحيطه الإقليمي وفي إطاره مصر، على نحو يتحتم معه ضرورة التنسيق في الرؤى والقضايا ذات الطابع المشترك. و

مستجدات العلاقات الثنائية

تأتي هذه الزيارة في أعقاب التطورات في تشهدها الساحة السودانية، الأمر الذي يلقي بظلاله على شكل وطبيعة العلاقات والتعاون المصري السوداني، ويقتضي ضرورة تعزيز التفاهم وبناء تصور مشترك، حول ما يواجههم من قضايا مصيرية، ذات طابع مشترك. فهذه الزيارة تأتي بعد حدوث تحولات في قضايا الخارج وتفاعلات الداخل السوداني. ففيما يخص الخارج، وسبق الإشارة إليه، يأتي ملف رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية، وواقع ضرورة تبني السودان موقفًا جديدًا إزاء سد النهضة.

وفيما يتعلق بتفاعلات الداخل، يعد إقرار اتفاق السلام بين الحكومة الانتقالية السودانية والحركات المسلحة السودانية، الموقع بجوبا، في الثالث عشر من أكتوبر الجاري. وهو الاتفاق الذي لا يزال يواجه العديد من التحديات؛ من بينها: عدم انضمام أكبر حركتين مسلحتين، هما حركتي عبد الواحد نور وعبد العزيز الحلو، هذا فضلًا عن تحدي التمويل الموجه للمشاريع التنموية وقضايا السلام.  

دلالات ومسارات حاكمة

في ضوء ما تقدم من سياقات متداخلة خارجيًا وداخليًا، تأتي هذه الزيارة لتحمل مجموعة من الدلالات والمسارات الحاكمة للعلاقات بين الجانبين. وتفرض هذه المسارات بالضرورة تنسيقًا في الرؤى والمواقف، بين قيادات البلدين على النحو التالي:

أولًا: الموقف السوداني من سد النهضة: 

انطلاقًا من حتمية تعزيز الرؤى والمواقف المشتركة بين مصر والسودان فيما يتعلق بمصير مفاوضات سدّ النهضة، باعتبارها قضية مصيرية مشتركة، تعيّن تنسيق الرؤى والمواقف بين البلدين. ويأتي ذلك، في ضوء إيعاز الرئيس الأمريكي لرئيس الوزراء السوداني “حمدوك” بضرورة فعل شيء ولعب السودان دورًا في المفاوضات، وهو ما قوبل برد يحمل قدرًا من الهدوء، بأن السودان سوف يبحث عن حل ودي. وتكرر هذا التوجه مع الدعوة للجولة الحالية من المفاوضات، في رسالة وزير الموارد المائية والري السوداني، ياسر عباس، التي بعث بها لوزيرة التعاون الدولي بجنوب إفريقيا، جي باندورا، أكدّ فيها تمسك السودان بموقفه من المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي، دعيًا إلى ضرورة اتباع منهج جديد للتفاض من قبل الاتحاد الإفريقي، يمنح دورًا أكبر للخبراء والمراقبين، ومن ثمّ رفع مناهج التفاوض الجديدة لرؤساء الدول لإقرارها ومن ثمّ التفاوض على أساسها وفقًا لجدول زمني محكم.

صحيح أن هذا الموقف ينذر بإحتمالية التغير في الموقف السوداني، إلا أن هذا لا يبدد المخاوف المتعلقة باستمرار العقلية الموالية لإثيوبيا في وزارة الموارد المائية والري السودانية، ومع استمرار تبعية ملف السد للحكومة المدنية، واستمرار هدوء الموقف، تعيّن ضرورة التنسيق مع رئيس مجلس السيادة، باعتباره ممثلًا للسلطة السيادية في البلاد، والمعنية بتحديد الخطوط العامة لسياستها ومواقفها الخارجية، وعليه يجب أن يكون هناك تحديد واضح وصارم للموقف القادم من المفاوضات.

ثانيًا: تطبيع العلاقات السودانية الإسرائيلية:

السودان دولة مستقلة ذات سيادة، لها أن تحدد علاقاتها الخارجية وتصيغها بما يراعي اعتبارات المصلحة الوطنية السودانية، وهذا أمر لا جدال فيه. هذا بالإضافة إلى الدوافع والسياقات التي اختار فيها السودان الانفتاح على إسرائيل في ذلك التوقيت الحاسم الذي تمر به البلاد. ولعل اعتبارات المصلحة الوطنية السودانية، المتجسدة في الخروج من قوائم الإرهاب الأمريكية والاندماج في المجتمع الدولي، بما ينعكس صورة السودان الدولية، ومن ثمّ الاندماج في الاقتصاد الدولي. كل هذه الاعتبارات، عبّر عنها “البرهان”، وظهرت في موقفه الحاسم من التطبيع من اليوم الأول، منذ لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” في أوغندا، فبراير الماضي، وذلك بخلف التردد في البدايات الذي اتسمّ به موقف حكومة حمدوك، باعتبارها حكومة انتقالية غير منوط بها اتخاذ قرارت مصيرية، وذلك لما تواجهه هذه المسألة من ضغوط الرأي العام، في كافة البلدان الساعية للتطبيع.

وبصرف النظر عن الضغوط الحاكمة للموقف السوداني، فإن ما يهم الجانب المصري هو ألا تأتي هذه العلاقة على حساب المصالح المصرية الاستراتيجية الإقليمية في المنطقة وفي علاقاتها الثنائية مع السودان. وذلك باعتبار أن انفتاح السودان على محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي سيعطي هامشًا من الخيارات الاستراتيجية وتعدد البدائل أمام صانع القرار السوداني، بما يحد من الخيارات أو ربما المصالح المصرية.

وربما يكون ذلك أحد التداعيات التي ستتجه الأنظار صوبها، باعتبارها تداعيات سلبية على السياسة المصرية. إلا أنه لاعتبارات المصلحة السياسية، فلا يمكن لأي دولة أن تحتكر أو توجه مسارات تحرك دولة أخرى بما يتلاقى مع مصالحها، لكن يمكن أن يكون هناك قدر عالي من التنسيق المشترك، الذي يمكن من خلاله تحييد هامش الضغط الذي يمكن أن تسببه أية اعتبارات أخرى. وعليه، فإن السياسة المصرية تجاه السودان، التي هي في طور تشكيل صيغ جديدة للتعاون مع السودان بعد البشير، باعتبار أن الثوابت في علاقة البلدين ممتدة، وإن اكتست بمظاهر سلبية كثيرة في عهد الإنقاذ، ولعل من أبرز هذه السلبيات، الرأي العام السوداني إزاء مصر، الذي لا زال يحمل رواسب الماضي. فإن كان الرأي العام السوداني سلبيًا تجاه مصر، فإنه أكثر سلبية تجاه إسرائيل، وعليه، ستولي مصر مزيدًا من الجهد لئلا تترك فراغًا جديدًا تملؤه إسرائيل. 

ثالثا: قضايا التعاون الثنائي المصري السوداني

تأسيسًا على ما تقدم، فإن هناك بالفعل كثيرًا من المصالح الاستراتيجية وقضايا التعاون الثنائي بين الجانبين، بحاجة للمتابعة والتنسيق، في ضوء ما استجد من متغيرات. ولعل الدور المصري في ملف السلام السوداني، يعكس هذا التقارب الاستراتيجي بين الجانبين، وهو الدور الذي تأمل منه الأطراف السودانية أن يلعب دورًا إيجابيًا فيما يتعلق بتقريب وجهات النظر بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة غير المنضمة للاتفاق، في إطار ما عقدته مصر من اجتماعات، استضافات خلالها الحركات المسلحة السودانية، للعب دور في حلحلة ملف السلام السوداني.

واتصالًا بملف السلام، يأتي ملف الدعم الاقتصادي والفني وقضية التمويل، التي أعربت أيضًا الأطراف السودانية، على خلفية اتفاق السلام الأخير، عن رغبتها في قيادة مصر جهود ومبادرات لدعم الاقتصاد السوداني، على غرار مؤتمر أصدقاء السودان في ألمانيا وآخر استضافته السعودية. وهو الدور الذي يتعين على مصر المسارعة في لعبه، قبل أن تظهر أطراف أخرى توفر هذا الدعم للسودان، بما يفوت الفرصة على مصر، لتأكيد تقاربها وتعاونها مع الجانب السوداني.

وارتباطًا بملف الاقتصاد، يأتي التعاون الثنائي في المجال الاقتصادي، في المجالات المتعددة، بما فيها مجالات التكنولوجيا والزراعة والبنية التحتية والدعم الفني، ولعل هذا يأتي في إطار الانفتاح الاقتصادي والاستثماري المصري على السودان بالفعل، والذي تجسدت أهم صوره في زيارة وفد مجلس الوزراء المصري برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، في منتصف أغسطس الماضي، التي ترجمت كافة مساعي التعاون بين الجانبين. وبالفعل، طرح هذا الملف الحرج بالنسبة للسودان في إطار نقاشات الرئيس السيسي ورئيس مجلس السيادة، البرهان. وتجسد ذلك في مطالبة الرئيس السيسي بضرورة الإسراع في تنفيذ المشروعات التنموية المشتركة، كالربط الكهربائي وخط السكة الحديدية، والتأكيد على اقتصاد وخيارات الدولة السودانية.

ولعل ما يؤكد حتمية الملف الاقتصادي السوداني، الذي لا يجب أن تغفله الدولة المصرية، أن التقارب السوداني الإسرائيلي جاء مدفوعًا بعوامل اقتصادية، تمثلت في تيسير حصول السودان على منح من المؤسسات الدولية، وتقديم الولايات المتحدة وإسرائيل الدعم لترسيخ الديمقراطية بالبلاد، و دعم الاقتصاد السوداني، وبالفعل أقرت إسرائيل عقد مجموعة من الاتفاقيات للتعاون مع السودان في مجالات متعددة بما فيها الزراعة والتكنولوجيا، وغيرها. وهي التطورات التي ستفرض مزيدًا من التحدي أمام سياسة مصر تجاه السودان.

على كلٍ، تأتي هذه الزيارة لتعكس التنسيق المصري السوداني، في القضايا الثنائية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وتأتي في وقت يشهد فيه السودان تحولات حاسمة، على الصعيد الداخلي والخارجي، تقتضي مزيدًا من التنسيق المصري السوداني. فلا يجب التعاطي مع تحولات السودان باعتبارها تقييدًا للدور المصري، أو عائقًا أمام مستقبل التعاون بين الجانبين، وإنما يتعين الانتباه إليها باعتبارها محددات جديدة لسياسة سوادنية جديدة، لا زالت في طور التشكل وإعادة الصياغة، فلا يجب أن تكون الدولة المصرية غائبة عن صياغتها، بعدما عانت من عقود من الانقطاع والغياب عن أحد أهم دوائر أمنها القومي. 

Scroll Up