تصاعدت حدة الهجوم بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والفرنسي إيمانويل ماكرون على خلفية تصريحات ماكرون عقب جريمة مقتل المعلم الفرنسي “صامويل باتي” الذي عرض رسومًا ساخرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. أضافت التصريحات الهجومية المتبادلة بين الرئيسين ومسؤولي البلدين بُعدًا جديدًا للمواجهة والتنافس بينهما في الكثير من القضايا والملفات الإقليمية والدولية التي كانت مثار خلاف اشتدت حدته خلال الفترة الماضية. مما يدفع نحو ضرورة التوقف لفهم طبيعة هذه المواجهة وحدودها.

خلافات عميقة

اتخذت مواقف فرنسا وتركيا منحىً خلافيًا في كثير من الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، في ضوء الاختلاف السياسي وتعارض المصالح بين البلدين في هذه القضايا، مما أدى إلى تصاعد حدة الهجوم بين كل من رجب طيب أردوغان وإيمانويل ماكرون، والذي وصل في بعض الأحيان إلى الهجوم الشخصي. ومن هذه القضايا:

  • أزمة الرسوم

تُعدُّ الأزمة التي نشبت بين الرئيسين عقب مقتل المعلم الفرنسي صامويل باتي وتصريحات ماكرون المهاجمة للإسلام أحدث حلقات الخلاف بينهما، والتي أخذت كسابقاتها منحى شخصيًا. إذ صرّح أردوغان (24 أكتوبر) قائلًا “نشر الرسوم المسيئة لرسولنا الكريم في فرنسا إهانة للمسلمين جميعا، ماكرون بحاجة إلى علاج عقلي، ولا أعرف ما مشكلته مع الإسلام والمسلمين”. داعيًا الأتراك (26 أكتوبر) إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية.

وعبّرت الرئاسة الفرنسية عن استنكارها لهذه التصريحات، وأعلنت (25 أكتوبر) استدعاء سفيرها لدى أنقرة للتشاور، مؤكدة “تصريحات الرئيس أردوغان غير مقبولة. تصعيد اللهجة والبذاءة لا يمثلان نهجاً للتعامل، نطلب من أردوغان أن يغيّر مسار سياسته لأنّها خطيرة من الزوايا كافة. لن ندخل في جدالات عقيمة ولا نقبل الشتائم”.

  • ناجورنو قره باغ

مع اشتعال الصراع في إقليم ناجورنو قره باغ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان، وتدخل تركيا في هذا الصراع عبر إرسال المرتزقة للقتال في صفوف أذربيجان ودعم الجيش الأذري بالأسلحة والطائرات المسيّرة، نددت فرنسا بالتدخل العسكري التركي في الأزمة.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (1 أكتوبر) أن لديه معلومات عن نقل مقاتلين سوريين عبر تركيا إلى الإقليم، مشيرًا إلى أن” المقاتلين السوريين عبروا عن طريق مدينة غازي عنتاب التركية للانتشار في ساحة المعركة في ناجورنو قره باغ”. وحذّر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان (7 أكتوبر) من أن التدخل التركي قد يؤدي إلى تدويل الصراع في الإقليم.

  • ليبيا

الصراع الفرنسي التركي كان أكثر عمقًا وأشد خطورة في الملف الليبي إذ اصطفت فرنسا مع المحور الرافض للممارسات التركية في ليبيا، ونددت بها. وأكد الرئيس إيمانويل ماكرون (29 يونيو) أن أنقرة “تتحمل في النزاع الليبي مسؤولية تاريخية وإجرامية”، مشيرًا إلى أن “تركيا لا تفي بأي من التزاماتها في مؤتمر برلين وزادت من وجودها العسكري في ليبيا واستوردت مجددًا وفي شكل كبير مقاتلين جهاديين من سوريا”.

وذلك بعد أن تعرضت فرقاطات تركية (10 يونيو) لسفينة فرنسية في المتوسط تشارك في عملية حلف الناتو للحفاظ على الوعي بالمواقف البحرية وردع ومقاومة الإرهاب “حارس البحر” كانت تعتزم تفتيش سفينة اشتبهت في حملها أسلحة إلى ليبيا، مما أدى إلى تعليق باريس مشاركتها في العملية (1 يوليو).

ويُعزى هذا الخلاف بين البلدين في الملف الليبي إلى عدد من الأسباب، منها التنافس على حقوق التنقيب عن النفط والغاز في الأراضي والسواحل الليبية، فضلًا عن التخوف الفرنسي والأوروبي بوجه عام من المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى الميدان الليبي وإمكانية تدفقهم وعناصر إرهابية إلى أوروبا عبر الهجرة غير الشرعية ومن ثم تهديد أمن الدول الأوروبية.

  • شرق المتوسط

يمثل الصراع بين باريس وأنقرة في ليبيا جزءًا من مشهد صراعي أكبر في شرق المتوسط على النفوذ والغاز كان التعرض التركي للسفينة الفرنسية أحد أكبر ملامحه. دعمت فرنسا كلًا من اليونان وقبرص في مواجهة التحرشات التركية بمياههما الإقليمية، والإصرار التركي على إرسال سفن التنقيب عن الغاز إلى هذه المنطقة وخرق القواعد الدولية المعمول بها في هذا الصدد ومنها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وكذلك دعمت فرنسا مساعي دول منتدى غاز شرق المتوسط إلى عزل تركيا من المشهد، وطلبت رسميا خلال الاجتماع الوزاري الثالث لمنتدى غاز شرق المتوسط بالقاهرة (16 يناير) الانضمام إلى عضوية المنتدى الذي تحول إلى منظمة إقليمية (22 سبتمبر). 

ولردع تركيا وزيادة عزلتها عززت باريس من وجودها العسكري وأعلنت (13 أغسطس) إرسال مقاتلتين من طراز “رافال” والفرقاطة “لا فاييت” وحاملة المروحيات “تونير” إلى شرق البحر المتوسط، بعد أن أرسلت تركيا سفينة المسح الزلزالي “عروج ريس” (10 أغسطس) إلى مياه قريبة من جزيرة كريت اليونانية.

وانتقل هذا الصراع إلى أروقة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، إذ طالبت فرنسا بتوقيع عقوبات على تركيا بعد اعتراضها السفينة الفرنسية في شرق المتوسط وعلى خلفية استمرار اختراقها للمياه الإقليمية لليونان العضو بالاتحاد والحلف وقبرص العضو بالاتحاد. 

  • لبنان

كان المشهد اللبناني حاضرًا أيضًا في الصراع على النفوذ الجيوسياسي والغاز بين فرنسا وتركيا في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، وخاصة بعد انفجار مرفأ بيروت (4 أغسطس). إذ سارع الرئيس الفرنسي إلى زيارة بيروت (6 أغسطس) مبديًا استعداد باريس تقديم كافة المساعدات للشعب اللبناني، وقدّم مبادرة توافقية لتشكيل حكومة لبنانية جديدة راقب تنفيذها في زيارة ثانية إلى بيروت (1 سبتمبر)

أما تركيا فأرسلت نائب الرئيس فؤاد أقطاي في زيارة إلى بيروت (8 أغسطس) على رأس وفد رفيع المستوى لتقديم المساعدات للبنان، وعبّرت عن استعدادها لإعادة إعمار مرفأ بيروت، واستقبال الرحلات التجارية القادمة إلى لبنان في ميناء مرسين حتى تتم إعادة الإعمار.

يشكل لبنان أهمية لدى كل من فرنسا وتركيا، فلبنان كان تحت الانتداب الفرنسي حتى أُعلنت دولة لبنان الكبير عام 1920 برعاية فرنسية. أما تركيا فتطمح لتعزيز نفوذها في سوريا من خلال توسيع نفوذها اللبناني وتحديدًا في منطقة الشمال، مع السعي إلى جعل لبنان جزءًا من نفوذها إقليميًا. وفضلًا عن التنافس السياسي فإن غاز شرق المتوسط يطل برأسه في لبنان أيضًا من بوابة الشمال المطل على البحر المتوسط، وخاصة ميناء طرابلس، وتتنافس كل من فرنسا وتركيا على الحصول على حقوق التنقيب عن نصيب لبنان في هذا الغاز.

  • العراق

المبادرات الفرنسية لم تتوقف عند الحدود اللبنانية، وسعت باريس إلى ساحة مواجهة جديدة مع تركيا بزيارة الرئيس الفرنسي إلى العراق (2 سبتمبر) وتسليمه مبادرة إلى قيادات العراق تحت اسم “سيادة العراق” تهدف إلى حماية سيادة العراق، وتأكيده أن التدخلات الخارجية تحديات تهدد العراق. فضلًا عن محاولة إيجاد موطئ قدم لفرنسا في العراق عبر عدد من المشروعات التي اتفق عليها ماكرون مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي.

ولعل التدخلات الخارجية التي أشار إليها ماكرون هي التدخلات التركية في الشمال العراقي التي أخذت الطابع العسكري، وآخرها عمليتي “مخلب النسر” و”مخلب النمر” الجوية والبرية في شمال العراق (14 يونيو 2020). فالهدف التركي هو خلق موطئ قدم ثابت ودائم في إقليم كردستان العراق، بعمق عشرات الكيلومترات بدءًا من قاعدة بعشيقة قُرب الموصل وصولًا إلى الشريط الحدودي للعراق مع تركيا.

  • أفريقيا

تمثل القارة الأفريقية وخاصة دول القرن الأفريقي وغرب أفريقيا ساحة نفوذ تقليدي لفرنسا بفعل الاستعمار الفرنسي الذي دام لسنوات. ورغم ذلك كان التنافس التركي الفرنسي حاضرًا وبقوة في القارة السمراء مع تعزيز أنقرة لتعاونها السياسي والاقتصادي والعسكري مع العديد من الدول الأفريقية. إذ أقدمت على توسيع حضورها السياسي والدبلوماسي في القارة الأفريقية تضاعف بموجبه عدد السفارات التركية في أفريقيا إلى 4 أضعاف خلال العقدين الماضيين، ليصل إلى حوالي 43 سفارة.

وأبرمت تركيا كذلك اتفاقات أمنية وعسكرية مع العديد من دول القارة مثل موريتانيا وجامبيا وكوت ديفوار وتشاد والسودان وغينيا ونيجيريا وبنين، وآخرها التوصل إلى اتفاق أمني مع النيجر في يوليو 2020 بهدف إيجاد موطئ قدم علني في منطقة الساحل والصحراء وهي ساحة الوجود العسكري الفرنسي المستمر منذ 2014 بفعل عملية “برخان” التي أطلقتها فرنسا لمحاربة الإرهاب في دول الساحل والصحراء. فضلًا عن سعيها لإنشاء عدد من القواعد العسكرية في دول أفريقية، ومنها القاعدة التركية في جنوب العاصمة الصومالية مقديشو (2017). هذا بالإضافة إلى التنافس التركي الفرنسي في القارة الأفريقية على المستوى الاقتصادي.

التوظيف السياسي

بقدر ما يُعدُّ الخلاف بين فرنسا وتركيا خلافًا أيديولوجيا وتاريخيًا عميقًا فإن مظاهر المواجهة والتنافس الحالية تعكس سعيًا من كلا الرئيسين رجب طيب أردوغان وإيمانويل ماكرون إلى إظهار الزعامة والقوة والنفوذ الخارجي، والقفز على أزمات يواجهها الرئيسان على المستوى الداخلي، ويجدان في مواجهاتهما في الملفات السابق ذكرها أداة مفيدة لتحقيق ذلك.

  • أردوغان

يجد الرئيس التركي أردوغان في مثل هذه الأزمات مثل أزمة تصريحات ماكرون عقب مقتل المعلم الفرنسي ليجدد طرح نفسه باعتباره خليفة المسلمين الجديد والمدافع والحامي الأول للإسلام والمسلمين الذين يتعرضون للهجوم في كل أنحاء العالم. وفي سبيل ذلك يستغل أردوغان القضايا ذات الطابع الديني لتحقيق هذه الأهداف السياسية، ولذلك سارع لاستغلال الرسوم المسيئة وتصريحات ماكرون في مواجهته مع فرنسا ورئيسها ماكرون عبر التصعيد اللفظي والدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية.

النهج ذاته اتبعه أردوغان في قضية تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد (10 يوليو)؛ إذ عمد إلى تصوير القرار بأنه انتصار للإسلام والمسلمين ونصرًا لتركيا الإسلامية في وجه الغرب، وأنه مقدمة لتحرير المسجد الأقصى. ويهدف الرئيس التركي من كل ذلك إلى تعزيز شعبيته على المستوى الداخلي أيضًا في وقت يواجه في أزمات سياسية تتمثل في انخفاض شعبيته وتزايد حدة وقوة المنافسة ضده والانشقاقات في حزبه الحاكم. وأزمات اقتصادية تتمثل في ارتفاع مستوى الديون والتهاوي المستمر في سعر الليرة التركية مقابل الدولار والذي وصل إلى 8.28 ليرة في أدنى مستوى منذ تسعينيات القرن الماضي رغم إنفاق السلطات التركية نحو 134 مليار دولار خلال العامين الماضيين لدعم العملة.

  • ماكرون

صعّد ماكرون خطابه وسياساته ضد تيارات الإسلام السياسي التي نشطت في بلاده خلال الآونة الأخيرة بشكل كبير وبدعم تركي ضخم، خاصة وأن جزءًا كبيرًا من الفرنسيين المسلمين يرون –حسب مراقبين- أن رجب طيب أردوغان ملهمهم ويرجع ذلك إلى أن أردوغان نجح في تسويق نفسه بين المسلمين في أوروبا على أنه الزعيم الإسلامي المعني بالدفاع عن قضايا المسلمين في العالم. ومن هنا يمكن تفسير هجوم ماكرون ضد من أسماهم “بعض المسلمين الذين يروجون لمعتقدات تحيد عن قيم الجمهورية وتؤدي إلى خلق مجتمع مضاد”.

وبقدر أهمية المواجهة التي يقوم بها ماكرون وطرحه في هذا الصدد فإن أهدافًا أخرى تقف وراء تصعيده ضد المسلمين في بلاده ومحاولة الاستفادة القصوى من حادثة مقتل المعلم الفرنسي. أهداف ليست بعيدة عن أهداف نظيره التركي وهي التغلب على تراجع شعبيته وشعبية حزبه في الأوساط الفرنسية.

واجه ماكرون مظاهرات حاشدة ضده سُمّيت بحركة السترات الصفراء (نوفمبر 2018) كانت إيذانًا بتراجع حاد في شعبيته التي جاء بموجبها إلى الرئاسة (مايو 2017)، فضلًا عن فشل حزب “الجمهورية إلى الأمام” الذي يتزعمه ماكرون في الفوز برئاسة أي مجلس محلي في فرنسا في الانتخابات التي أجريت (28 يونيو) سوى رئيس الوزراء إدوارد فيليب الذي فاز برئاسة بلدية مدينة لو هافر، في مقابل صعود حزب الخضر وأحزاب اليمين المتشدد والمحافظ. وقام ماكرون على إثر هذه النتائج بقبول استقالة إدوارد فيليب من رئاسة الحكومة وتعيين جان كاستكس المنتمي إلى تيار يمين الوسط رئيسًا للوزراء (3 يوليو). 

يهدف ماكرون من هذا كله إلى اجتذاب الفرنسيين الشعبويين أو اليمينيين إلى صفوفه في بيئة أوروبية تشهد تصاعدًا في الإسلاموفوبيا والتوجهات اليمنية، وذلك حفاظًا على موقعه في قصر الإليزيه في الانتخابات المقرر إجراؤها (2022) والتي تنافسه فيها زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني ماري لوبان. في ضوء تراجع شعبيته وشعبية حزبه، واستمرار تأزم الاقتصاد الفرنسي جراء تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد الذي تشهد البلاد موجته الثانية حاليًا

وكذلك قد يهدف ماكرون في هذا التصعيد ضد تركيا في كل هذه الملفات إلى إبراز نفسه كزعيم مؤثر على الساحة الدولية وملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة في ظل سياسة الرئيس دونالد ترامب، فضلًا عن سعيه لإظهار نفسه كمدافع عن المصالح الأوروبية والدول المتوسطية على المسرح العالمي.

مراجع

  1. Macron vs. Erdogan is a fight both leaders want

https://www.washingtonpost.com/world/2020/10/27/macron-erdogan-clash-islam/

  1. Turkey and Europe: Growing tensions and a hot summer in the Mediterranean
  1. Macron Wants to Be a Middle Eastern Superpower
  1. Macron’s Not Worried About Islam. He’s Worried About Le Pen.
  1. Macron’s new government: Five things to look out for in France in 2020

https://www.euronews.com/2020/07/07/macron-s-new-government-five-things-to-look-out-for-in-france-in-2020

  1. مقاول الهدم التركي يبحث عن أدوار فوق أطلال بيروت
  1. انتخابات البلدية الفرنسية: مكاسب كبيرة لحزب الخضر وتراجع حزب إيمانويل ماكرون

https://www.bbc.com/arabic/world-53219060

  1. التمدُّد التركي في الساحل والصحراء وغرب أفريقيا: الدوافع والتداعيات

https://epc.ae/ar/topic/turkeys-expansion-in-the-sahel-the-sahara-and-west-africa-motivations-and-ramifications

  1. عزلة إجبارية.. أنقرة ومأزق شرق المتوسط
Scroll Up