بينما تعنون الصحف العالمية بأن الانقسام داخل المجتمع الأمريكي ما بين ترامب وبايدن هو تحدي الرئيس المنتخب الأول، فإن جو بايدن يواجه انقسامًا حقيقيًا وخطيرًا داخل حزبه الديمقراطي يعد الأخطر في وجه الرئيس الجديد. الانقسام داخل الحزب الديمقراطي سوف يطل في تشكيل إدارته وفي قرارته.

متى وكيف حدث الانقسام داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي؟

شكل صعود تيارات اليمين بأجنحته المتنوعة في المجتمع الأمريكي، اليمين القومي واليمين الديني واليمين العرقي، التحدي الأكبر للحزب الديمقراطي، على ضوء تمركز التيارات اليمينية في الحزب الجمهوري، وعلى ضوء صعود مماثل للتيار اليميني خاصة اليمين القومي في أوروبا، أصبحت المشكلة مشتركة بين كوكبة من أحزاب العالم الغربي.

وفي ضوء تعارض اجندة التيار القومي مع دوائر العولمة، أصبحت قضية التصدي لصعود التيار القومي هي أهم قضايا الداخل الأمريكي والأوروبي في العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين (2010 – 2020) وعلى إثره تقرر استخدم ودعم اليسار المتطرف لمواجهة المد القومي.

إنها خطة شديدة الشبه بما فعله الغرب حينما استخدم الإسلاميين المتطرفين لمواجهة المد الشيوعي، وبالفعل فإن الغرب قد نجح في تثبيت أقدام الحكومات اليسارية في إيطاليا بوجه ماتيو سالفيني أو في إسبانيا بوجه حزب فوكس اليميني واليمين الكتالوني الانفصالي، وأصبح اليسار المتعاون مع النيوليبرالية والرأسمالية الدولية اليوم هو رأس حربة العولمة ضد التيار القومي الصاعد.

في الولايات المتحدة الأمريكية كان الوضع معقدًا عن فكرة دعم الأحزاب اليسارية كما جرى في أوروبا، سواء نظام الحزبين الكبيرين أو حقيقة أن الولايات المتحدة تضم عرقيات ولغات واصول وديانات مختلفة، وبالتالي فأن خطة التصدي للتيار القومي في أمريكا لم تقتصر على تصعيد وتغذية التيار اليساري داخل الحزب الديمقراطي على حساب التيار الليبرالي فحسب بل واكبه تنفيذ كامل لقاموس الصوابية السياسية في سنوات جورج بوش الابن ثم باراك أوباما.

استخدام اليسار لمقاومة المد القومي

اعتمد تأهيل اليسار داخل الحزب الديمقراطي على ما يلي:

1 – إذا كان الجمهوريون واليمين بكافة فرقه يعتمد على كتلة السكان ذوي البشرة البيضاء من أصول أوروبية، فانه يجب تجميع كافة الأعراق والقوميات الأخرى تحت راية اليسار، الأمريكيين من أصول أفريقية وآسيوية ولاتينية.

2 – إذا كان اليمين الجمهوري يعتمد على سرديات دينية مسيحية، فإن مخاطبة الجاليات العربية والإسلامية سوف يكفل حشد تلك الأصوات الانتخابية خلف اليسار الديمقراطي.

3 – لملمة باقي الأقليات السياسية أو المسيسة في هذه البوتقة وتشمل النسويات والمثليين والعابرين جنسيًا وحتى الأفكار الخاصة بالمتغير المناخي والحفاظ على البيئة والطبيعة ونبذ أكل اللحوم والتحول إلى البرنامج الغذائي النباتي، وصولًا إلى دعاة حرية تدخين المخدرات المحرمة في المجتمع الأمريكي.

الحزب الديمقراطي الأمريكي يضم عدة أجنحة، كان أبرزها الجناح الليبرالي، وتاليًا الجناح اليساري، والجناح اليساري كان يضم يسار ليبرالي ويسار تقدمي أو اليسار المتطرف أو راديكالي أو أقصى اليسار، وقد وقع الاختيار على اليسار التقدمي للعب دور حائط الصد امام المد القومي داخل الولايات المتحدة الامريكية.

فشل يسار الحزب الديمقراطي في فرض وجوده أثناء الانتخابات التمهيدية للحزب لاختيار مرشح لانتخابات الرئاسة عام 2000، حيث ذهبت بطاقة الترشيح إلى آل جور ونائبه جو ليبرمان، وفى الانتخابات التمهيدية كان الصوت اليساري التقدمي عاليًا عبر المرشح هوارد دين، ولكن بطاقة الترشيح ذهبت إلى زعيم التيار الليبرالي جون كيري ونائبه جون إدواردز، ولكن بعد فشل آل جون وجون كيري في اسقاط بوش الابن، وصعود اليمين القومي بدلًا من اليمين المحافظ أو المحافظين الجدد، أصبحت حظوظ يسار الحزب الديمقراطي هي الأعلى، على ضوء ان هوارد دين لم يصمت عقب خسارته الانتخابات التمهيدية بل ترأس الحزب الديمقراطي وعمد على تغيير ايدولوجية وتوازن اجنحة الحزب.

مع انتخابات الحزب لاختيار مرشح الرئاسة عام 2008، كان صوت اليسار التقدمي واضحًا خلف المرشح باراك أوباما، كوكتيل الصوابية السياسية واضحًا هنا، مرشح أسود من أصول آسيوية افريقية مشتركة، ذو خلفية مسلمة واسم عربي حيث تغني الإعلام اليساري باسم المرشح الثلاثي، باراك “حسين” أوباما.

حرص أوباما على ترضية الجناح الليبرالي في الحزب عبر اختياره جو بايدن نائبًا له، وكذا وضع حقيبة الخارجية في يد التيار الليبرالي طالما سوف ينفذ أجندة أوباما، فأتى من التيار الليبرالي كل من هيلاري كلنتون وجون كيري على التوالي.

انتصار الجناح اليساري على الجناح الليبرالي

مع نتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، حينما فشل التيار الليبرالي في هزيمة دونالد ترامب، رغم أن الحملة تضمنت تحالفًا بين الليبراليين واليساريين داخل الحزب الديمقراطي، أدركت المعارضة الأمريكية وشبكات المصالح الغربية التي تدير العالم الغربي أن فشل آل جور 2000 وجون كيري 2004 وهيلاري كلنتون 2016 لا يجب ان يتكرر عام 2020، وكان يفترض للحزب الديمقراطي أن يرشح أحد كوادره اليسارية التقدمية للرئاسة وكان بيرني ساندرز صاحب التيار التقدمي الواسع داخل الحزب الحظوظ الأكبر للعب هذا الدور عقب خروجه من سباق الرئاسة امام هيلاري كلنتون داخل الحزب عام 2016.

ولكن الرئيس دونالد ترامب أحبط اللعبة مبكرًا، حينما كرس دعايته السياسية للحديث عن المؤامرة الماركسية والشيوعية واليسارية التي تحاول الانقلاب على سلطته في أمريكا، وهكذا أصبح على الحزب الديمقراطي أن يبحث عن “قناع ليبرالي أبيض” حتى يتجنب اتهامات ترامب عن التقدميين والماركسيين ذو قواميس الصوابية السياسية.

هكذا وقع الاختيار على جو بايدن، الموظف البيروقراطي الأمريكي الذي ظل لسنوات الموظف الأمين على تنفيذ تعليمات كبار رجالات الحزب الديمقراطي وشبكات المصالح التي تربط الحزبين الكبيرين، الدور الذي لعبه بايدن في انتخابات الرئاسة 2020 ليس جديدًا عليه فقد كان دائمًا يلعب الدور نفسه طيلة نصف قرن في الكونجرس والبيت الأبيض.

يدرك بعض ساسة العالم أن السياسة بحاجة إلى منفذين فحسب، لا زعامة ولا مفكرين، مجرد منفذ لما يطلب منه من قبل دوائر أكبر وأعلى، وهنالك خبراء في مجال تنفيذ ما هو مطلوب منهم كما الحال مع نصف قرن من جو بايدن في الكونجرس والبيت الأبيض.

رغم أن المرشح والفائز الديمقراطي هو جو بايدن، إلا أن الحقيقة أن التيار الليبرالي داخل الحزب الديمقراطي قد لقى مصرعه على يد اليسار التقدمي طيلة أربع سنوات، استحوذ فيها اليسار التقدمي على كافة مقاليد السلطة والحكم والدوائر السياسية وحتى أصوات الناخبين في انتخابات الكونجرس 2020.

الصراع على جو بايدن

إن أجندة اليسار التقدمي الأمريكي التي سوف يحاول أن يفرضها على جو بايدن، أكبر من قدرة بايدن على تنفيذها أو تحملها، والأهم أن انتماءه للتيار الليبرالي داخل الحزب سوف يعوق تنفيذ هذه الأجندة أو أن يخسر بايدن دعم تياره الأم.

الصراع على جو بايدن داخل الحزب الديمقراطي، ما بين الليبراليين واليسار التقدمي سوف يكون عائقًا أكبر أمام تشكيل حكومته وسياسته الخارجية والداخلية والعسكرية على حد سواء، حتى أن الحل الأمثل امام هذا التعقيد هو اختفاء جو بايدن ذاته، وهى الفكرة التي تتردد في الصحافة الامريكية على ضوء كبر سنه وهل يمتلك القدرة الطبية على ممارسة مهام عمله أم سوف يقدم استقالة طبية وبحسب الدستور الأمريكي يكلف نائبته كامالا هاريس بمهام الرئاسة، وللمفارقة فإن الدستور يسمح لها بتسمية نائب لها دون العودة إلى صناديق الاقتراع أيضًا.

رغم التأثير القوي للرئيس الأسبق باراك أوباما خلف كواليس إدارة بايدن، وكذا هيلاري كلنتون وجون كيري، إلا ان المرشد الأكبر لليسار التقدمي الأمريكي هو بيرني ساندرز، وتلامذته، بالإضافة إلى إليزابيث وارن، الذين يسيطرون على المنظمة الاشتراكية الديمقراطية التابعة للحزب الديمقراطي والتي تعتبر الحزب الحاكم الحقيقي متى وصل الديمقراطيون إلى البيت الأبيض أو حصدوا أغلبية الكونجرس.

ترويكا الصوابية السياسية

وتكفي الإشارة إلى أسماء تلاميذ ساندرز أعضاء تلك المنظمة، على رأسهم الرباعي الذي نعته ترامب بالعصابة وهم: 

1 – أليكساندريا أوكاسيو- كورتز: ابنة إقليم بورتوريكو التابع للولاية المتحدة الامريكية التي تضم 14 إقليمًا إضافة إلى الولايات الخمسين، وتعد أصغر عضو في تاريخ الكونجرس حيث احتلت مقعدها وهي بعمر التاسعة والعشرين حينما أدت القسم بمجلس النواب في 3 يناير 2019، من مواليد 13 أكتوبر 1989.

عملت في مكتب النائب الراحل ادوارد كينيدي، ولغتها الأصلية الإسبانية إلى جانب الإنجليزية، عضوة نشطة في كافة تجمعات المؤتمر الاشتراكي الأمريكي والساسة الكاثوليك والساسة الهيسبانك أو من أصول إسبانية لاتينية أمريكية والحركات البيئة الخضراء.

2 – الهان عمر: مهاجرة من الصومال وعضوة مجلس النواب منذ يناير 2019، اسمها الأصلي الحان عبد الله عمر، انتمت إلى حزب العمال الديمقراطي الأمريكي واستطاع الحزب أن يدفعها إلى عضوية مجلس النواب الخاص بولاية مينيسوتا، وحينما أرادت الترشح للكونجرس انضمت للجناح اليساري للحزب الديمقراطي.

3 – رشيدة طليب: ولدت لأبوين هاجرا من فلسطين المحتلة عام 1946 بولاية ميتشجان الامريكية، اسمها الحقيقي رشيدة حربي، تزوجت فايز طليب وحصلت على لقب عائلته وتم الطلاق لاحقًا وظلت تحمل اسم طليقها، هي الأخت الكبرى لزوجين أنجبا 14 طفلًا، حصلت على دكتوراه في القانون.

4 – آيانا بريسلي: مثل رفقائها الثلاث، أدت اليمين في يناير 2019، أمريكية من أصول إفريقية.

وقد عزز الرباعي تواجده بالكونجرس في انتخابات نوفمبر 2020 عبر انتخاب جمال بومان Jamaal Bowman في مجلس النواب عن ولاية نيويورك، إضافة إلى كوري بوش (لا تنتمي لأسرة بوش الجمهورية) Cori Bush وكلاهما من أصول أفريقية وينتميان إلى المنظمة الاشتراكية الديمقراطية.

الملاحظ في سجل خسائر الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر 2020، أن نجد دونا شلالا وزيرة الصحة في سنوات بيل كلنتون، ورئيسة مؤسسة كلنتون سابقًا ما بين عامي 2015 و2017، وعضوة مجلس النواب بداية من يناير 2019، وقد خسرت الانتخابات رغم أنها أول سيدة من أصول عربية تتولى منصبًا وزاريًا في أمريكا حيث تنتمي أصولها إلى لبنان، ما يعني أن بوابة “تمكين الأقليات والاعراق الأخرى” اليوم أصبحت حصريًا على اليسار التقدمي ومنظمته داخل الحزب الديمقراطي.

وتنضم إليهم سارة ماكبرايد Sarah McBride المنتخبة في مجلس الشيوخ، حيث تعتبر أول ترانسجندر أو متحول جنسي يتم انتخابه في الكونجرس الأمريكي the first transgender state senator in the USA وقد عملت في البيت الأبيض عام 2012 أثناء ولاية أوباما، وهي قيادة في حركة عابرون جنسيًا من اجل هيلاري Trans United for Hillary حيث حشدت المتحولين جنسيًا لدعم الحملة الرئاسية لهيلاري كلنتون عام 2016 ويعول عليها الديمقراطيين في حشد مجتمع الحريات الجندارية.

ورغم عدم حصولها على منصب رسمي، إلا أن ستايسي أبرامز Stacey Abrams مؤسسة ومديرة منظمة نيو جورجيا تعتبر من أبرز السياسات من أصول أفريقية في الحزب الديمقراطي، فهي التي قادت عملية استثمار التغير الديموجرافي في تركيبة السكان بالولاية الجنوبية من معقل للجمهوريين والقومية الجنوبية الأمريكية البيضاء إلى حث السود على التسجيل والمشاركة بالعملية الانتخابية حتى يحصد جو بايدن أصوات جورجيا الـ 16 بالمجمع الانتخابي، ليصبح أول مرشح ديمقراطي يحصد ولاية جورجيا منذ بيل كلنتون في نوفمبر 1992.

بايدن ومراكز القوى اليسارية

للمفارقة فإن جو بايدن يحمل آراء معتدلة بحق العديد من القضايا، على رأسها معارضته إزاحة النظام المصري في يناير 2011 وتصريحه الصحفي وقتذاك بأنه لا يعتقد ان الرئيس المصري حسني مبارك ديكتاتور، ولكن السؤال الحقيقي، هل يقدر بايدن على مراكز القوى اليسارية وحكومة الظل التي يقودها أوباما أم يكمل بايدن مسيرته البيروقراطية وينفذ إملاءات شبكات العولمة فحسب؟ هذا هو سؤال اللحظة في واشنطن اليوم.