جاءت الصراعات التي يشهدها الداخل الإثيوبي، لتنعكس على جواره الإقليمي، بما جعل للسودان نصيبًا كبيرًا من فاتورة هذا الصراع الدائر في الداخل الإثيوبي، في الأقاليم الحدودية من الأجزاء الشرقية من السودان. وهو أحد عوامل الجغرافيا السياسية، التي تحكم عوامل النشأة والتكون للدولة من جانب، وطبيعة التأثير والتأثر في محيطها الإقليمي والدولي من جانب آخر. ولعل للجغرافيا السياسية تأثير بالغ على طبيعة تكوين الدولة بحدودها المصطنعة، والتي أقرها الاتحاد الإفريقي، بدافع تثبيت الحدود المورثة استعماريًا للحفاظ على الاستقرار، إلا أنه أمر حمل انعكاسات سلبية في أغلب الحالات على النظم السياسية وجوارها الإقليمي في كافة البلدان الإفريقية، لعوامل جغرافية وتاريخية. وعليه، فإن للصراع الإثيوبي، تأثير بالغ نظرًا للارتباطات والتداخلات الجغرافية مع محيطه من دول القرن الإفريقي، وفي مقدمة ذلك الجوار، تأتي السودان، التي تمر بمرحلة صعبة من عمر البلاد.

جذور الأزمة

تدور مواجهات حادة بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبي والجبهة الشعبية لتحرير التيجراي، لأكثر من عشرة أيام لم تتوقف بعد. وذلك على خلفية خلافات بين حكومة آبي أحمد وحكومة إقليم التيجراي، منذ وصول آبي أحمد للحكم، ومحاولته تهميش قادة الإقليم المتغلغلة في كافة مفاصل الدولة، والمسيطرة على السياسة في إثيوبيا منذ وصول الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية 1991.

وسعيًا من آبي أحمد لإحكام سيطرته على البلاد، تبنى سياسات إقصائية للتيجراي، وأقدم على اتفاق سلام مع إريتريا المحاذية للإقليم، انتهاءً بإرجاء الانتخابات بدعوى انتشار فيروس كورونا، ما دفع بالإقليم إلى عقد انتخابات إقليمية دون موافقة الحكومة الاتحادية، في التاسع من سبتمبر الماضي.

ومنذ ذلك الحين، أخذت الخلافات بين آبي أحمد والتيجراي منحى تصاعدًيا؛ بلغ مداه مع اقتطاع البرلمان الفيدرالي لميزانية إقليم التيجراي من الموازنة العامة، الأمر الذي قوبل بتصعيد التيجراي؛ برفض استقدام مسؤول عسكري عيّنته الحكومة في الفيدرالية في مقر القيادة الشمالية بالإقليم، والهجوم على مقر القوات الفيدرالية، ما دفع بدخول القوات الفيدرالية، منذ الرابع من نوفمبر الجاري، في مواجهة مع قوات تحرير التيجراي لتحرير الإقليم وكسر الحصار الذي تعرضت له القوات الفيدرالية.

جوار إقليمي مشتعل

على مدار أكثر من عشرة أيام متوالية، وتتصاعد حدة المواجهة وآلياتها، وأيضًا نطاقها وتداعياتها، على الداخل والجوار المباشر؛ خاصة دول الجوار الغربي المحاذي لإقليمي التيجراي والأمهرا. وكانت الولايات الشرقية السودانية (كسلا والقضارف) أولى تلك المناطق المتأثرة بتداعيات ذلك الصراع الغير معروف مداه.

فالمواجهات الطاحنة بين قوات الدفاع الوطني وجيش تحرير التيجراي، وما أوقعته من خسائر مادية وبشرية هائلة، وما مثّلته من خوف مروّع للمدنيين، دفعت بهم لعبور الحدود إلى الداخل السوداني. خاصة وأن المواجهات اتخذت من الأجزاء الغربية ساحات لبدء الهجوم من قبل القوات الفيدرالية.

وهو ما يؤكدة تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، الخميس 12 نوفمبر، بتحرير الجزء الغربي من الولاية، التي يقطنها أكثر من خمسة ملايين شخص، وهو الأمر الذي يعود إلى في بعض التقديرات إلى تحالف الأمهرة مع آبي أحمد التي هيأت له وضعًا ميدانيًا، ووحدات شبه عسكرية من قومية الأمهرا، سهلّت إحكام السيطرة عليه في الأجزاء الغربية من الأقاليم. وذلك بهدف قطع التواصل بين الإقليم والسودان من جهة، والمعبر الشمالي الغربي مع إريتريا من جهة أخرى. فسيطرت القوات الفيدرالية على مدن جوندر والحميرة، ومدينة دانشة بمقاطعة ويلكات، التي يقطنها أغلبية أمهرية، بمحاذاة السودان. 

امتداد نيران الصراع للداخل السوداني

مع اعتبار الولايات السودانية الشرقية، هي الوجهة الأقرب للمدنيين الفارين من ويلات الصراع، لعامل التداخل الجغرافي والتشابكات الحدودية والامتدادات القبلية، فإن السودان يمثل الجبهة الأمامية والوجهة الأولى؛ ليس فقط للاجئين، وإنما أيضًا للنظيمات والعصابات والأسلحة الغير مقننة.

وربما الخشية من تدفع عناصر مسلحة؛ ما يبرر القرار السوداني بإغلاق الحدود بولايتي كسلا والقضارف، وحشد القوات العسكرية على الحدود، تحسبًا للتداعيات المحتملة للوضع في إثيوبيا، وفقًا لما جاء في بيان أمين عام حكومة ولاية كسلا المكلف، فتح الرحمن الأمين، الذي شدّد على عدم السماح بدخول أية أفراد أو مجموعات وفي حوزتهم أسلحة. والذي جاء متسقًا مع إعلان عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، بنشر الجيش لقواته على الحدود مع إثيوبيا، تحسبًا لأي تدفقات لعناصر مسلحة داخل أراضي البلاد.

إلا أن ذلك لم يوفر مبررًا لعدم استقبال المدنيين من اللاجئين، مع كفالة القانون الدولي الإنساني لحقوقهم وإلزام السودان باستقبالهم وتوفير المأوى لهم، وبالفعل حثّت مديرة المكتب الإقليمي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ” نكويتا سلامي” الحكومات الإقليمية بإبقاء حدودها مفتوحة أمام الأشخاص الذين أجبروا على ترك منازلهم. وهو ما أكدّه تصريح الفكي وولاة الولايات، بوضع كافة الترتيبات لتدفقات اللاجئين الإثيوبيين، وتفقد مفوضية شؤون اللاجئين لولايات الشرق، لتهئية الوضع وفتح المعسكرات متى استدعى الأمر ذلك.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن هناك تزايدًا في أعداد اللاجئين المتوجهين نحو السودان، والمقدر أن يتزايد في ضوء استمرار الصراع، فوفقًا لوكالة الأنباء السودانية، وصلت أعداد اللاجئين المتواجدين بالداخل السوداني، حتى الرابع عشر من نوفمبر، نحو أربعة وعشرين ألفًا، مرجح لهم أن يزدادوا مع استمرار الصراع.

فاتورة مكلفة

ربما يعد استقبال اللاجئين، أول مؤشرات التداعيات السلبية التي يتعين على السودان تحمل تكلفتها، فوفقًا للأمم المتحدة، وافقت الحكومة السودانية مبدئيًا على إنشاء معسكر يتسع لعشرين ألف شخصًا، على بعد عشرين كيلو مترًا من الحدود. مما ينذر بمزيد من الأزمات والأعباء، سيتحملها السودان في فترة حرجة تمر بها البلاد.

أعباء إنسانية

وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن هناك نحو 96000 لاجئ إريتري و 100000 شخص آخرين نزحوا داخليًا في هذا الجزء من إثيوبي( إقليم تيجراي)،  فيعد مخيم شيميلبا أحد الأمثلة الحيّة في هذا السياق، والذي يضم نحو 6.500 لاجئ إريتري، والذين حتمًا معرضون لحالة من النزوح الجماعي أو اللجوء، بعدما طالت الضربات ذلك المخيم. ووفقًا لنفس التقديرات فإن هناك نحو ثلاثة ملايين نازح ولاجئ إثيوبي بسبب العنف الممتد لآخر عامين، وهو الأمر الذي ينذر بمزيد من الضغوط التي سيتعرض لها السودان في الفترة المقبلة.

فمع تزايد الأعداد الأولية، وافقت الحكومة السودانية بالفعل، على إنشاء مخيم للاجئين في أم راكوبة، والواقع على بعد 80 كيلومترًا من الحدود، ويتسع لاستضافة ما يصل إلى 20 ألف شخص. كما يجري حالياً تحديد مواقع إضافية، منهم مخيم هيتساتش، الواقع على بعد 50 كيلو مترًا من الحدود، وهناك نظر في توفير المزيد الخيارات لاستقبال اللاجئين. 

غير أن القيود والأعباء المادية، تؤثر على الأوضاع، في ظل محدودية قدرة البلاد على استضافة تلك الأعداد الهائلة بشكل مكثف وفجائي؛ فيعد مركز العبور الحدودي بالحمداييت السودانية، نموذجًا على صعوبة الظروف الإنسانية، مع اكتظاظه بنحو 6.000 لاجئ، بينما تصل قدرته الاستيعابية حوالي 300 لاجئ فقط، مما يؤثر على مستوى النظافة العامة والخدمات الصحية والأمن والغذاء بشكل عام.

يفرض هذا الوضع ضرورة توجيه المساعدات الإنسانية والمادية للسودان، فعلى الرغم من عمل المفوضية وشركاؤها على تكثيف المساعدات، لكن أعداد الوافدين الجدد تفوق بكثير القدرات المتوفرة على الأرض. هذا فضلًا عن الأوضاع الإنسانية والاقتصادية السيئة، وضعف الخدمات اللوجستية والصحية، التي يعاني منها السودان بشكل عام وشرق السودان بشكل خاص، بما يفرض على الوكالات والمنظمات الدولية وشركاء الدوليين، بذل المزيد من الجهد لمساندة الحكومة السودانية في تحمل أعباء ذلك الوضع.

عبء اقتصادي

في سياق اقتصادي مأزوم، يعاني منه السودان، بما يشكّله من صعوبات في تمويل برامج السلام في المناطق المتنازع عليها بالفعل، هذا فضلًا عن استمرار الضغوط السياسية في الولايات الشرقية على الحكومة، نظرًا لتحفظها على “مسار الشرق” الذي عانى كثيرًا من ضعف التنمية، فإن شرق السودان لم يكن مستعدًا لمزيد من الضغوط الاقتصادية في ذلك التوقيت الحرج. فحتى الآن، تبحث الحكومة السودانية عن بدائل ومنح لتمويل برامج السلام والتنمية في الداخل، وأقدمت على خطوات عمل من شأنها دمج السودان في النظام الاقتصادي الدولي، لحلّ أزماته الاقتصادية الهيكلية، ووقف نزيف الأوضاع الإنسانية المتفاقمة، وتلبية الاحتياجات التنموية في البلاد.

هذا فضلًا عن تداعيات توقف حركة التجارة الحدودية بين الولايات الشرقية وإثيوبيا، مع إقدام الأخيرة على تعطيل حركة المرور والاتصالات، بما يوقف التجارة الحدودية، ويغلق منفذ للتجارة، كان يعتمد عليه الداخل السوداني، بما يؤثر على توافر السلع والموارد التي كانت تأتي عبر تلك الحدود.

وبالتالي فإن هذه الضغوط، تفرض مزيدًا من الضغوط الاقتصادية على السودان مع التزام السودان باتخاذ التدابير اللازمة لتأمين احتياجات الولايات وتجهيز معسكرات اللاجئين ورفع قدراتها على استقبال اللاجئين، وفقًا لما صرّح بها رئيس مفوضية السودان للاجئين، عبد الله سليمان. لذا على السودان إبلاغ المفوضية للحصول على الدعم المطلوب، في وقت بات من هو بحاجة إلى المساندة، مطالبًا بتقديم الدعم ويد العون للآخرين.

تهديد أمني

مع  امتداد الحدود  السودانية الرخوة، ودخول الكثير من المدن والسكان التي لها امتدادات في الداخل السوداني على خط الصراع، تتصاعد التهديدات الأمنية القائمة بالفعل. الأمر الذي يفرض ضرورة تأمين الحدود السودانية في مناطق، الحميدات وود حلو والفشقة والقلابات، وغيرها من المناطق الحدودية.

فمقاطعة ويلكات الإثيوبية التي صرّحت الحكومة الفيدرالية بإحكام السيطرة عليها، والتي يقطنها سكان من قومية الأمهرا، هي المقاطعة التي تضم عصابات الشفتة الإثيوبية، المتهمة بالضلوع سنويًا في التعدي على المزارعين السودانيين، ولعل هذا الوضع الأمني يهيء السياق لمزيد من الهجوم، وانتكاسة في مفاوضات ترسيم الحدود، الجارية بين الحكومتين الإثيوبية والسودانية، والمفترض لها أن تنتهي في مارس المقبل. وربما هذا الوضع يبرر إقدام السلطات المحلية في ولايتي كسلا والقضارف على إغلاق الحدود وحشد القوى العسكرية، بما لا يسمح بتسرب السلاح غير المقنن، وتجدد الاشتباكات القبلية التي تشهدها المنطقة باستمرار، خاصة أن الإقليمين يشهدان نشاطًا مكثفا لعمليات حصاد المحاصيل الزراعية، تلك الفترة، بما يلحق ضررًا بالغًا بالمزارعين والإنتاج في منطقة الفشقة وغيرها من المناطق

وباعتبار أن الحدود السودانية ستكون الوجهة الأقرب والأسهل لكل من المدنيين والمسلحين على السواء، فإن هذا يفرض تحديًا أمنيًا على الجانب السوداني، فتاريخيًا اعتمدت جبهة التيجراي، في مواجهتهم مع نظام الدرج على مدينة القضارف السودانية، كقاعدة لوجستية وسياسية يمكن من خلالها تأمين الدعم الغذائي واللوجستي، بعلم أو بدون علم السلطة السودانية لاتساع الحدود والارتباطات القبلية.

إلا أن هذا الدعم التاريخي، كان في وقت النظام السوداني فيه على عداء مع النظام الإثيوبي، إلا أن هذا الوضع تبدّل في الوقت الراهن، بما يفرض على الحكومة الانتقالية والمجلس العسكري المزيد من الضغوط في تأمين الحدود، حتى لا تكون عاملًا مؤثرًا في معادلة الصراع الإثيوبي، فضلُا عن حاجة المجلس الانتقالي لاكتساب أو الحفاظ على شرعيته، بفرض سيطرته على الحدود، وإثبات الطابع الحرفي والمهني للمؤسسة العسكرية، بعد رحيل البشير. ولعل ذلك، يذكرنا بتصريحات رئيس مجلس السيادة، على هامش اختراق العصابات الإثيوبية للحدود السودانية، بأن مهمة الجيش هي حماية حدودية، التي لن يتساهل في اختراقها مرة أخرى.

تفرض كل هذه الضغوط على السودان بقائها معبرًا وملاذًا للتنظيمات المسلحة والإرهابية، مع بقاء الحدود الهشة، على نحو ربما يجرّ السودان مرة أخرى إلى دائرة الإرهاب، التي كافحت ودفعت ثمنًا كبيرًا للخروج منها، مع وجود نظام جديد غير راعي للتنظيمات الإرهابية، إلا أن ذلك لن يحمي السودان من كونها عرضة لكافة الاختراقات الأمنية، واستمرارها كدولة معبر للتنظيمات والعصابات، القادمة من القرن الإفريقي عبرها إلى تشاد وليبيا. وربما كانت تلك الهشاشة الحدودية، دافعًا للحكومة الإثيوبية، في وقت سابق من العام الماضي، للبحث عن ضبط حدودها مع الجانب السوداني، الذي اعتبرته الجانب الحدودي الغير آمن، مقارنة ببقية حدودها، التي اعتبرتها أكثر أمنًا من حدودها مع السودان.

ضغوط سياسية

لعل تلك التحديات الاقتصادية والأمنية المزمنة، والتي تفاقمها الأزمة الإثيوبية، يفرض المزيد من الضغوط السياسية على الحكومة الانتقالية، التي ما زالت تحت بؤرة النقد والاختبار في أدائها في الداخل، ومع تزايد الضغوط الإنسانية والاقتصادية والأمنية على شرق السودان تحديدًان ربما يعود مشهد الاحتجاجات وإغلاق موانئ بورتوسودان وسواكن، بما يضغط على الاقتصاد الهش والحكومة، والانجرار نحو حالة من التصعيد في ملف السلام، الذي لم يحسم بعد، ولا زال الشرق يضغط على الحكومة، لأسباب سيفاقم الوضع الحالي من حدتها. فضلًا عن حالة الاختبار الموضوع فيها كل من المؤسسة العسكرية والحكومة، ومتابعة كيفية حماية الأولى للحدود والأراضي والأمن في البلاد، وكيفية تعاطي الثانية مع الملفات الاقتصادية والتنموية، في ظل مرحلة انتقالية مليئة بالكثير من التحديات.أخيرًا، مع إصرار رئيس الوزراء الإثيوبي بالحسم العسكري، ورفض أية مبادرات دبلوماسية إقليمية أو دولية، من كافة الوسطاء، بما فيهم السودان باعتباره الرئيس الحالي للهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا “الإيجاد” فإن ذلك ينذر بمزيد من الاحتدام، الذي بلا شك سيدفع الإقليم برمته فاتورة غير قادر على تكلفتها، في سياق يشهد فيه كافة دول الإقليم تحديات داخلية وخارجية، على نحو يزيد من هشاشة الدولة والمنطقة في القرن الإفريقي. فتشابك الصراع في الداخل الإثيوبي مع السودان وإريتريا من ناحية، فضلًا عن الصومال وكينيا من ناحية أخرى، سينعكس بلا شك على كافة بلدان المنطقة، التي لا زالت تمر بمراحل اتنقالية، وتتموضع إقليميًا في إقليم باتت تتصاعد فيه مؤشرات الصراع على حساب مؤشرات التهدئة والاستقرار.

Scroll Up