اهتمت الصحف الناطقة بالروسية بخبر اعتزام موسكو إنشاء قاعدة عسكرية بحرية في السودان تطل على ساحل البحر الأحمر. فصحيفة “آر.بي.سينشرت تقريرًا تحت عنوان “بوتين يوافق على افتتاح منشأة عسكرية جديدة في السودان“، تناولت من خلاله تفاصيل قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إنشاء منشأة بحرية روسية جديدة في دولة السودان، وقيامه بتوجيه وزارة الدفاع لتوقيع هذا الاتفاق مع السلطات السودانية. 

ووفقًا لما ورد بالوثيقة التي تم نشرها عبر الموقع الرسمي لتداول المعلومات القانونية، فإنه “تم قبول المقترح المقدم من الحكومة الروسية بشأن توقيع اتفاقية بين الاتحاد الروسي وجمهورية السودان بشأن إنشاء مركز دعم لوجيستي للبحرية الروسية على أراضي جمهورية السودان”. ووفقًا لما نصت عليه الوثيقة، لن يتواجد في المنشأة أكثر من 300 فرد من أعضاء البحرية الروسية، إلا أنه يجوز للطرفين الاتفاق على زيادة العدد. كما أنه لا يمكن أن تشتمل القاعدة على أكثر من أربع سفن حربية روسية، بما في ذلك السفن المزودة بمحطات طاقة نووية. 

لفت الموقع كذلك، إلى أنه جرى في أكتوبر 2019 الإعلان عن أن سلطات جمهورية أفريقيا الوسطي تدرس إمكانية انشاء قاعدة عسكرية روسيا. ووفقًا لتصريح رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى “فوستن أرشانج تواديرا”، “نحن نواصل العمل مع وزارة الدفاع الوطنية ووزارة الدفاع الروسية بشأن إمكانية انشاء قاعدة عسكرية روسيا في بلادنا”. وأشار الرئيس إلى أن بلاده تهتم بالحصول على المزيد من الأسلحة الروسية.

أما موقع “ديلي.ستورمفنشر تقريرًا ورد به أن تشكيلات عسكرية تابعة للقوات المسلحة الروسية سوف تظهر على الأراضي السودانية في وقت قريب. كما سوف تتمكن روسيا كذلك من نشر سفنها ذات القدرات النووية هناك، حيث يصبح بمقدورها إنشاء نقاط دفاعية مؤقتة بغرض حماية تشكيلاتها العسكرية، ليس فقط عبر أراضيها وإنما في الخارج كذلك. بالإضافة الى أنه سوف يصبح في مقدور روسيا تزويد السودان بالمعدات والأسلحة بغرض حماية المجال الجوي للقاعدة الروسية، بالإضافة الى إتاحة استخدام المجال الجوي السوداني أمام القوات الروسية. ووفقًا لما ورد بالوثيقة، فإن الجانب السوداني سوف يراقب الأجواء الأمنية على الحدود الخارجية للقاعدة، وسوف توفر روسيا الغطاء اللازم لأجل حماية المناطق المائية والنطاق الجوي والحفاظ على الأمن والنظام الداخلي في هذه المرحلة.

صحيفة “كوميرسانت نشرت مقالًا تحت عنوان “لماذا روسيا بحاجة إلى إنشاء نقطة ارتكاز بحرية جديدة لنفسها في السودان؟”. في مستهل المقال، تمت الإشارة إلى أن السلطات السودانية لن توجه اتهامات الى روسيا بأنها تحاول استئجار أراضي ومنشآت، لكنها تتوقع من روسيا أن تساعدها على تعزيز دفاعاتها. 

ثم ورد بالمقال، أن الخبراء الروس يعتقدون أن روسيا لديها الكثير من الأسباب حتى تقوم بتوسيع وجودها العسكري في هذه المنطقة المضطربة. وقبل أن يشير المقال الى أسباب رغبة وجود روسيا في هذه المنطقة، استطلع أهم بنود الاتفاقية بين البلدان، والتي جاءت كالتالي؛ 

  • نصت المسودة بين روسيا والسودان على أن كلا الجانبان يسعيان إلى تطوير تعاونهما العسكري بهدف تعزيز قدراتهما الدفاعية. كما أن كلاهما يعترفان بأن تواجد القوات الروسية في هذه المنطقة يُلبي أهداف الحفاظ على السلم والاستقرار، وأن التواجد الروسي ذو طبيعة دفاعية وليس موجهًا ضد أي دول أخرى.
  • بموجب الاتفاقية، توافق السلطات السودانية على إنشاء القاعدة على أراضيها، كما يتم توفير هذه الأراضي بما في ذلك أراضي المنطقة الساحلية والعقارات الخاصة بالقطعة المرجو إنشاء القاعدة عليها للحكومة الروسية بشكل مجاني. 
  • وفقًا للوثيقة، يتكفل الجانب الروسي ببناء المنشأة العسكرية، ووضع المعدات اللازمة بها، وتنفيذ أعمال التحديثات والإصلاح والصيانة بالقاعدة على نفقته الخاصة.
  • تمتلك روسيا الحق في استيراد أي أسلحة وذخائر ومعدات ومواد إلى قاعدتها من دون الحاجة إلى دفع أي رسوم إلى الجانب السوداني. كما يتمتع موظفو القاعدة بالحصانات والامتيازات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.  
  • تتمتع السفن والطائرات والمركبات التابعة لروسيا في السودان بالحصانة التي تمنع خضوعها للتفتيش أو للمصادرة. 
  • بناءً على طلب السلطات السودانية، يمكن للجانب الروسي أن يقوم بالمساعدة في تنظيم وتنفيذ عمليات مكافحة التخريب تحت المياه الإقليمية وتحت المياه الداخلية السودانية، بالإضافة الى المشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، وتقديم المساعدة في توفير الدفاع الجوي اللازم للقاعدة البحرية، والمساهمة في تطوير القوات البحرية المحلية. 
  • سوف تقوم روسيا بتقديم المساعدة الى القوات المسلحة السودانية بشكل مجاني. 
  • تنص الاتفاقية على أن تقوم روسيا بتزويد السودان بالأسلحة والمعدات العسكرية وفقًا لبروتوكول تعاون منفصل سوف يتم الاتفاق عليه. 
  • تكون الاتفاقية سارية لمدة 25 عامًا، ويمكن تجديدها بشكل تلقائي لمدة عشر سنوات تالية، إذا لم يكن لدى إحدى الطرفين أي اعتراضات. 

ونقلاً عن آراء عدد من الخبراء في الشؤون الأمنية الروسية، يقول “إيليا كرامنيك”، الخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسية، أن روسيا لطالما كانت في حالة بحث عن فرص جديدة لأجل الاستمرار في البحر الأحمر، خاصة وأن الاتحاد السوفيتي امتلك بالفعل في الماضي قاعدة قريبة من جزيرة نوكرا الإثيوبية. 

ويرى الخبير أن وجود هذه القاعدة في حد ذاته يحمل معانٍ متعددة الأوجه. ووفقًا له، “تعكس هذه القاعدة اهتمامًا روسيًا بالوجود العسكري في منطقة القراصنة لأجل الحفاظ على سلامة عمليات الشحن التجاري. ثانيًا، ترغب روسيا في الوجود في قلب منطقة تعج بالنشاط الإرهابي الخطير لمحاربة الأنشطة التجارية التقليدية السوداء عبر البحر الأحمر، من ضمنها أنشطة على غرار الاتجار بالرقيق والمخدرات، بحيث تسعى روسيا الى قمع هذه الأنشطة ومحاربة المنظمات الإرهابية بوجه عام. ثالثًا، روسيا تُعدُّ لاعبًا رئيسًا في سوق المحروقات العالمي، وتمتلك بالفعل مشروعاتها الخاصة في السودان، وهي في الوقت نفسه مهتمة بالسيطرة على أكبر عدد ممكن من النقاط الهامة في هذا السوق، ومنطقة بورت سودان –موقع إقامة القاعدة- هي إحدى هذه النقاط”.

ويضيف الخبير لافتًا إلى أن روسيا من خلال تواجدها العسكري في السودان سوف تحظى بفرص كبيرة في التأثير على الأوضاع الأمنية في القارة الأفريقية. وبالنظر إلى الدول المحلية في القارة، فهي بالفعل تعاني من نقص حاد في قواتها، بالشكل الذي يجعلها عاجزة عن توفير أفراد الشرطة الأساسيين أو حتى فرض الأمن على حدودها الأساسية.

ومن جهة أخرى، يرى الأستاذ الجامعي الروسي والخبير في الشأن السوداني “سيرجي سيرجيفييتش” “أن وجود روسيا في السودان لا يستهدف الوجود العسكري بقدر ما يسعى خلف كسب المزيد من النفوذ الجيوسياسي”. وذكر الخبير بموقف السودان من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، عندما صوتت السودان أمام الأمم المتحدة إلى جانب روسيا ضد قرار بشأن الجزيرة. ويقول الخبير، “الآن يعد افتتاح هذه المنشأة العسكرية في دولة تعتبر هي مفتاح افريقيا السوداء بمثابة اعلان عن أن الدولة أصبحت رسميًا حليف لنا”. ويتابع الخبير، “نحن نضع علمنا هناك قبل الولايات المتحدة والصين”.

ويلفت المقال إلى أن السودان بلد يخضع لعقوبات مشددة مفروضة عليه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية منذ ما يزيد عن 20 عامًا، وأنه الآن أصبح يرتبط بعلاقة وطيدة مع دولة تصنف قوى عظمى. مشيرًا إلى أن السودانيين قد سألوه في 2011 عن مدى استعداد روسيا لأن تدافع عن السودان بنفس الطريقة التي دافعت بها عن سوريا.  وورد بالمقال، ما يفيد بأن الرئيس السوداني عمر البشير، عندما زار موسكو منذ 3 سنوات، قدم اقتراحًا لإنشاء قاعدة بحرية روسية على الساحل السوداني للبحر الأحمر خلال أحد اجتماعاته مع فلاديمير بوتين. ولفتت الصحيفة إلى أن ذلك المقترح ورد بعدد صحيفة “كوميرسانت الروسية” الصادر بتاريخ 24 نوفمبر 2017. 

فيما نشر موقع “ذا.وورلد. نيوزتقريرًا تحت عنوان “تعزيز الوجود في أفريقيا“. تناول من خلاله تصريحات الأدميرال المتقاعد “فيكتور كرافشينكو”، والذي يرى أن إنشاء قاعدة بحرية في السودان سوف يعزز الوجود الروسي في أفريقيا، ويعمل على التوسع في القدرات التشغيلية للأسطول الروسي. مفيدًا أن هذه القاعدة سوف تعمل على زيادة مستوى القدرات العملياتية للأسطول، وأن السفن الروسية سوف تكون قادرة على الولوج الى نقطة الأساس في السودان، وسوف تكون موجودة باستمرار في هذه المنطقة. ويرى الأدميرال أنه من المتوقع أن يتحول المركز اللوجيستي الجديد في السودان الى قاعدة بحرية كاملة ومتكاملة. 

أما موقع “اكتوالني.كومنتاري“: فنقل في تقرير تحت عنوان “القاعدة البحرية في السودان: كيف تغيرت موازين القوى؟” تصريحات “ألكسندر بونوف”، أحد الخبراء الروس في العلاقات الدولية. استهل الخبير موضوعه بالإشارة الى أن أدارة بايدن سوف تعمل على فرض المزيد من العقوبات على روسيا لأن روسيا تعمل على توسيع وجودها العسكري في الخارج، والدليل على ذلك قيامها بافتتاح القاعدة الجديدة في السودان. 

وتحت عنوان: “لماذا تحتاج روسيا إلى قاعدة عسكرية في السودان؟”، نشر موقع “سبيكتر“: تقريرًا أشار من خلاله إلى أن السفن العسكرية الروسية التي تعمل بالطاقة النووية يتوفر لها نطاق إبحار طويل ومريح مع القدرة على الاحتفاظ بسرعتها القصوى لفترة طويلة من الزمن، قبل أن تحتاج الى إعادة شحن طاقتها.  وأوضح موقع “بلاكسيفليت“: أن إقدام موسكو على قرار انشاء قاعدة عسكرية لها في السودان يُعدُّ ردًا على احتمالات فرض المزيد من العقوبات الجديدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية على مشروع “نورد. ستريم2”. 

وذكر الموقع أن هذه القاعدة تسمح بالسيطرة على البحر الأحمر وعلى أهم الطرق المخصصة لنقل المواد الهيدروكربونية من قبل حلفاء الولايات المتحدة. وأشار الموقع إلى أن روسيا بدأت بإنشاء نقطة ارتكاز صغيرة في السودان، لكنها تخطط الى إنفاق أموال طائلة على مخططات التوسع هناك، موضحًا أن هناك اهتمامات تركية واضحة بكسب المزيد من النفوذ في الدول الإفريقية، على غرار ما حدث من استئجار تركيا لجزيرة سواكين في السودان، وإنشاء قاعدة عسكرية تركية فيها. 

ورأى بلاكسيفليت أن روسيا تسعى للتنافس مع تركيا حول كسب المزيد من النفوذ في هذه المنطقة، وهذا هو السر وراء سعيها لإنشاء قاعدة في منطقة بورتسودان. ولكن في نظرة غير متفائلة، يرى الموقع أن التنافس مع تركيا سوف يكون مهمة صعبة، لن أنقرة على عكس موسكو لديها بالفعل أعمال حقيقية في سواكين. ووفقًا لتقارير إعلامية فإن المبلغ الذي استثمرته تركيا في مشروعات البينة التحتية في السودان يعادل 650 مليون دولار، بينما لا تقوم روسيا بضخ أموال مماثلة في هذه الاستثمارات في مشروعاتها بالشرق الأوسط. وختامًا، أكد موقع “راديو.سبوتنيكأن أهمية المنطقة موقع القاعدة المزمع إنشاؤها، تتركز في حقيقة أن الصين شرعت في مهام تعمد الى نشر وتأسيس قواعد عسكرية تابعة لها على أراضٍ أجنبية في المستقبل. وأنها بدأت بالفعل منذ ثلاث سنوات في تشغيل أول نقطة لوجيستية خارجية لها في جمهورية جيبوتي. مما يعني أن روسيا بحاجة الى موازنة التنافس معها ولهذا السبب عمدت إلى انشاء هذه القاعدة.

Scroll Up