يُمثل المسلحون الأجانب في صفوف تنظيم “داعش” والجماعات الإرهابية مصدر قلق متزايد، وقنبلة موقوتة للأوروبيين، حيثُ يتخطى عدد الأجانب المنتمين لتنظيم داعش الإرهابي أكثر من 41 ألف شخص، وفق دراسة للمركز الأوروبي لدراسات التطرف التابع لـ”كينجز كولدج” في لندن لعام 2018 بينما ينتمي هؤلاء إلى 80 دولة (يُشكل الرجال نسبة 75% منهم، مقابل 13% نساء، و12% من الأطفال).

وبحسب وكالة شرطة الاتحاد الأوروبي يأتي غالبيتهم من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا ، فيما  يُمثل المقاتلون الأوروبيون 5/1 مُقاتلي تنظيم داعش في سوريا، وتحتجز قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد نحو 10 آلاف أجنبي. كما يوجد حوالي 400 من الأوروبيين المتشددين، و600 من أبنائهم مُحتجزين في مخيمي روج والهول، كما تُشير الدراسة إلى عودة 79% من المُقاتلين الأجانب في صفوف داعش إلى بلدانهم، و4% منهم نساء.

بعد سفر المُقاتلين الأجانب إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية، مثل: داعش لقي كثير منهم حتفهم في ساحة المعركة، والبعض منهم عادوا إلى ديارهم، في حين بقيت مجموعة نشطة منهم يتبنون أفكار التنظيم.

وبعد الخسائر الفادحة التي تكبدها تنظيم داعش بعد خسارته معاقله في سوريا والعراق على يد التحالف الدولي الذي قادته الولايات المُتحدة الأمريكية عام 2019، سعي العديد من الأجانب المنتمين للتنظيم إلى العودة لبلدانهم الأصلية في مُقابل نفور أوروبي شديد من عودة هؤلاء المُقاتلين.

نفور أوروبي من عودة المُقاتلين

عبرت عدد من الدول الأوروبية عن عدم رغبتها في استعادة مواطنيها من داعش أو مُحاكمتهم على أراضيها، خوفاً من أن يعود هؤلاء للقيام بعمليات إرهابية إجرامية بعد عودتهم، في ظل الأجواء المتوترة التي تعيشها الدول الأوروبية بعد تعرضها لعدد من الهجمات الإرهابية مؤخراً، مثل: هجوم نيس في فرنسا وهجوم فيينا في النمسا، كما أن الدول الأوروبية لديها تجارب سلبية مع عودة هؤلاء المُقالتين، فالعديد منهم بعد عودتهم أعلنوا توبتهم، لكنهم عادوا لتنفيذ العمليات الإرهابية لصالح التنظيم مرة أُخري. على سبيل المثال: واقعة إطلاق النار على المتحف اليهودي في العاصمة البلجيكية بروكسيل عام 2014، أحد منفذي الهجوم من العائدين من سوريا بعد القتال في صفوف داعش، ففي مارس 2019 أعلنت محكمة الجنايات في بروكسيل أن أحد منفذي الهجوم يُدعى ” مهدي نموش”، وهو مواطن فرنسي من العائدين من سوريا بعد القتال مع تنظيم داعش. وكذلك مُنفذ هجوم قطار تاليس في فرنسا عام 2015، حيثُ أكدت الأجهزة الأمنية الفرنسية والإسبانية هوية مطلق النار داخل قطار “تاليس” السريع من أمستردام إلى باريس وهو من أصل مغربي يُدعى ” أيوب الخزاني” وكشفت التحقيقات إلى أنهُ انتقل إلى سوريا للانضمام لـ “داعش” عن طريق تركيا. وأيضاً منفذي هجمات باريس عام 2015، وتفجير مطار بروكسيل 2016. ومن هنا يبرز تخوف الدول الأوروبية من أن يقوم هؤلاء العائدين بالتخطيط لتنفيذ هجمات مماثلة بعد عودتهم. وفى مُقابل هذا النفُور تواجه الدول الأوروبية ضغوطات مختلفة لاستعادة مواطنيهم العائدين من القتال مع داعش.

تنامي المطالبات بعودة المُقاتلين

حتى الآن مُعظم الدول التي تواجه خطر عودة مُقاتليها الأجانب في صفوف داعش غير قادرة على وضع استراتيجية مُحددة ومُتماسكة لمواجهة هذا التحدي، في ظل تنامي المُطالبات الدولية بعودة المُقاتلين، فقد طالبت الولايات المُتحدة الأمريكية الدول الأوروبية باستعادة مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم داعش وأسرتهم القوات المُتحالفة مع الولايات المُتحدة في سوريا والعراق، وهددت بإطلاق سراح مسلحي التنظيم المعتقلين في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الأمريكي، في حال لم تتسلمهم سلطات بلدانهم الأصلية. وبالإضافة إلى الضغوطات الأمريكية انطلقت حملات عبر الانترنت للإفراج عن السجينات المؤيدين لداعش المُحتجزين من قوات سوريا الديمقراطية في أكتوبر 2019. وقامت مجموعات من المتخصصين في السياسة الخارجية والأمن القومي أيضًا بالترويج لقضية إعادة المقاتلين والنساء والأطفال الأجانب المحتجزين في مخيمات شمال شرق سوريا. ولكن على الرغم من هذه الضغوط المختلفة لإعادة المقاتلين الأجانب إلى وطنهم، فلا تزال إشكالية عودة المُقاتلين الأجانب قائمة، وتحاول العديد من الحكومات التهرب من هذه القضية التي تمثل قنبلة موقوتة لأمن الدول الأوروبية. وهنا تجدر الإشارة إلى التحديات التي تطرحها عودة هؤلاء المُقاتلين على بلدانهم الأصلية.

تحديات العودة

  • التحديات الأمنية: يُشكل العائدون تهديداً أمنياً عند عودتهم لبلدانهم الأصلية، فمن الممكن أن يشترك هؤلاء في أعمال الإرهاب المحلي باستخدام المهارات والخبرات التي اكتسبوها أثناء القتال مع داعش، وقد يحاول هؤلاء استمالة الآخرين لأفكارهم المتطرفة، فضلاَ عن نزوعهم المتزايد إلى العنف المنبثق من قتالهم مع داعش والذي قد يدفع البعض منهم تنفيذ الأعمال الوحشية بما في ذلك الذبح، وقطع الرؤوس، والاغتصاب وغيرها من الجرائم الإرهابية الأخرى.   
  • التحديات القانونية: بعد التحديات الأمنية الحتمية التي تظهر عندما تستعيد الدولة مُقاتليها، تظهر التحديات القانونية، فالمحاكم الأوروبية تحتاج إلى أدلة عن هؤلاء الإرهابيين لتقديمهم إلى العدالة في إطار قانوني، وهذا الأمر من الصعوبة بمكان لأنهم قاموا بعملياتهم الإرهابية في مسرح العمليات في ساحة المعركة بسوريا والعراق وقد لا يكون من الممكن السفر إلى مناطق مزقتها الحروب والنزاعات   لجمع الأدلة، وقد لا يكون هناك اتفاقية تعاون قضائي قائمة مع الدولة التي ارتكبت فيها الجرائم. فالعديد من الحكومات الأوروبية لم تصدر القوانين اللازمة لمعاقبة المقاتلين العائدين، وتنظر إلى الإرهاب على انه قضية جنائية تحتاج إلى أدلة وشواهد، وبالتالي هناك إشكالية قائمة فيما يتعلق بجمع الأدلة التي تدين هؤلاء المقاتلين في القيام بتنفيذ العمليات الإرهابية حتى يتسنى تقديمهم للمحاكمة بعد عودتهم لبلدانهم، فضلاً عن التحدي القانوني الأكبر المتعلق بمصير النساء والقصر والأطفال الذين يرغبون في العودة، وأُكرهوا على الانضمام للتنظيم.
  • التحديات السياسية: يمثل البعد السياسي التحدي الأكبر الذي يواجه الحكومات، حيثُ تجد صعوبة في صياغة سياسيات مُتعلقة بهذه القضية، وتتماشي مع الرأي العام الذي يميل حالياً أكثر من أي وقت مضى نحو إغلاق الحدود الوطنية في وجه أي تهديدات أمنية خارجية. ففي استطلاع للرأي في المملكة المتحدة أكثر من 77% يرفضون عودة مقاتلي داعش البريطانيين إلى بريطانيا، وفى هذا السياق يصعب على الحكومات إقناع الجمهور بالسماح للمقاتلين الأجانب بالعودة إلى ديارهم.
  • التحديات الاجتماعية: تتمثل في إعادة دمج المقاتلين الأجانب العائدين في التيار الرئيسي للمجتمع، حيثُ ترفض العديد من الأوساط المجتمعية فكرة تقبل العيش مع هؤلاء العائدين وإدماجهم في أوساطهم مرة أخرى.
  • التحديات الاقتصادية: تمثل قضية عودة المقاتلين الأجانب عبئ اقتصادي تتحمله الدول في حال قررت تسوية أوضاع هؤلاء العناصر وأسرهم، وإعادة توظيفهم، وإيجاد فرص عمل لهم.  

استجابات الدول الأوروبية بشأن عودة المُقاتلين

  • فرنسا: اتخذت إجراءات لمحاكمة الرجال والنساء على الجرائم التي ارتكبوها في العراق وسوريا دون عودتهم، وسمحت بعودة المقاتلين المرحلين من تركيا فقط، وفيما يتعلق بالأطفال اتبعت سياسة التعامل مع كل حالة على حدي وأعطت الأولوية للأطفال والأيتام الذين تتنازل أمهاتهم عن الحضانة، وأعيد 28 طفلاً، ويظل 270 طفلاً فرنسياً في المخيمات وفقاً للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات.
  • ألمانيا: اتبعت سياسة تجريد المقاتلين الأجانب من الجنسية في حالة مزدوجي الجنسية، وسمحت بعودتهم في الحالات الأخرى، كما سمحت بعودة الأطفال والنساء إلى اوطانهم.
  • بريطانيا: رفضت عودة المُقاتلين وأقرت بإسقاط الجنسية من مزدوجي الجنسية، وأعربت عن استعدادها لإعادة الأطفال البريطانيين الأيتام، أو الذين تتنازل أمهاتهم عن حضانتهم.
  • بلجيكا: أعلنت الحكومة البلجيكية أنها تُفضل احتجاز المقاتلين الدواعش في معسكرات في مناطق الصراعات التي حاربوا فيها، وقررت إحالة المُقاتلين من الدواعش الأكثر من 18 عاماً إلى العدالة، كما قامت بسحب الجنسية من المقاتلين مزدوجي الجنسية، وقامت بنشاط وجهود واضحة من أجل إعادة الأطفال من أبناء الدواعش.

ختاماً: يُمكن القول بأن قضية عودة المُقاتلين الأجانب تُمثل تحدياً كبيراً، وقنبلة موقوتة للعديد من الدول الأوروبية، التي تري في عودتهم تهديداً صارخاً لأمن الدول، وفرصة لنشر الفكر المُتطرف أو تنفيذ العمليات الإرهابية الإجرامية. ومع هذه التحديات تمتلك الدول الأوروبية عدة خيارات مختلفة للتعامل مع هذه التحديات،

(الخيار الأول) يتمثل في ترك هؤلاء المُقاتلين للمحاكمة في الدول التي تحتجزهم، (الخيار الثاني) يتمثل في منع عودة المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية إما عن طريق سحب جنسيتهم أو الطعن في وجود جنسيتهم الأولية، (الخيار الثالث) وهو أن تعترف الدول بحق هؤلاء المقاتلين في العودة، مع تجنب الجهود الدولية التي تسهل من عملية العودة، (الخيار الرابع) يتمثل في قبول عودة هؤلاء المُقاتلين إلى أوطانهم، وتقديمهم للمحاكمة، وتعزيز جهود مراقبة ومتابعة أنشطتهم، والعمل على برامج لتأهيلهم وإعادة دمجهم لعد عودتهم.

المصادر:

Scroll Up