عرض – هبة شكري

نشر مركز القدس للشؤون العامة تقريرًا بعنوان ” كيف أدلى يهود الولايات المتحدة بأصواتهم في انتخابات 2020؟“، تناول فيه دراسة أجراها معهد الشؤون المعاصرة التابع للمركز، حول اتجاهات التصويت للجالية اليهودية بالولايات المتحدة خلال انتخابات 2020. 

فيما يتعلق بالملاحظات العامة حول الدراسة، أشار التقرير إلى أنها كشفت عن وجود ما أطلق عليهم بـ ” ناخبين خجولين ” وهم الناخبون الذين يخشون الإفصاح علنًا عن المرشح الذي أدلوا بأصواتهم لصالحه؛ إذ إن بعضًا منهم صوّت لصالح دونالد ترامب وآخرين صوتوا لصالح لجو بايدن. كما كشفت عن أن الأغلبية الساحقة من ناخبي بايدن استندوا إلى شخصية بايدن وثقتهم فيه، ولم يقدموا حججًا تتعلق بالقضايا الحاسمة لتحديد المرشح الرئاسي الذي حظي بأصواتهم.

وأضاف، أنه لا يُنظر إلى مصطلح “مؤيد لإسرائيل” على أنه ذو صلة بالعديد من اليهود الأمريكيين، وخاصة أولئك الذين صوتوا لصالح بايدن. في حين عبّر ناخبو ترامب عن خيارات أكثر تقليدية متعلقة بالهوية بشأن السلوك الانتخابي وكانوا أكثر ميلًا إلى تعريف أنفسهم بأنهم “مؤيدون لإسرائيل”؛ إلا أن لديهم مخاوف بشأن اتجاه الحزب الجمهوري تجاه إسرائيل ومعاداة السامية وإيران.

وكانت القضية الرئيسية التي أثارها ناخبو ترامب في الانتخابات هي قلقهم من تطرف اليسار التقدمي. وفي حين أنه تم تمثيل الناخبين الأكبر سنًا (60+) كعينة للبحث، إلا أن تحليل الاتجاهات لعينة أصغر سنًا (أقل من 60) أظهرت أنماطًا متشابهة من السلوك. وأضاف، قد تتطلب المقاربة التقليدية للناخبين اليهود الأمريكيين فيما يتعلق بالهوية “المؤيدة لإسرائيل” إعادة التفكير في جدوى المفهوم في المستقبل، مؤكدًا أن العاطفة ستلعب دورًا أكبر في تحديد سلوك الناخب في المستقبل. 

أردف التقرير، أن الانتخابات الرئاسية لعام 2020 في الولايات المتحدة قدمت ظروفًا فريدة من نوعها في ضوء آليات التصويت المتعددة مثل التصويت المبكر غير المسبوق والبريد والتصويت الغيابي. لكنها قدمت أيضًا تركيزًا على الدور الذي يلعبه ما يسمى بـ “التصويت اليهودي”، لا سيما في “الولايات المتأرجحة” مثل بنسلفانيا وفلوريدا. وأكد المركز على إجرائه لدراسات عدة تتعلق بالجالية اليهودية الأمريكية على مدار العامين الماضيين وتم فحص السلوك الانتخابي في تلك الانتخابات كنقطة أخرى تسهم في فهم مواقف المجتمع وسلوكه.

بعد فترة وجيزة من إغلاق صناديق الاقتراع، أشار المركز إلى أنه أجرى استطلاعًا يستهدف اليهود الأمريكيين بهدف التوصل لإجابات دقيقة فيما يتعلق بالعديد من الأسئلة الرئيسية. وأشار التقرير إلى أن العينة التي شاركت بالاستطلاع مكونة من 540 شخص، وتم وضع هامش خطأ بنسبة 4٪، كما يجب مراعاة وجود عينة غير دقيقة. وأضاف، أن العينة كانت متوازنة بشكل جيد فيما يتعلق بالجنس (51٪ ذكور، 48٪ إناث)، أما فيما يتعلق بالفئة العمرية فقد شارك عدد أكبر ممن تجاوزوا الستين عامًا، إذ أن اليهود أغلبهم من كبار السن المندرجين تحت تلك الفئة، لذا، فإن 85٪ من المشاركين تجاوزوا الستين. بالإضافة إلى ذلك، وصف 3٪ فقط من العينة أنفسهم بأنهم “أرثوذكس”، أي أقل من نسبة 10٪ المقدرة من تلك الطائفة في المجتمع الفعلي.

وفيما يخص التساؤلات التي حاول الاستطلاع الإجابة عليها لفهم اتجاهات تصويت اليهود الأمريكيين، ذكر التقرير أنها كالتالي؛ أولًا، معرفة ما إذا كان هناك اتساق بين المواقف المعلنة للناخبين وسلوك التصويت الفعلي. ثانيًا، النظر إلى الدور الذي لعبته الهوية اليهودية وعن المواقف “المؤيدة لإسرائيل”. أيضًا، ماهية القضايا التي لعبت دورًا في تحديد اتجاهات تصويت اليهود الأمريكيين. وأفاد التقرير أن الاختلاف بين الموقف العام لعينة المشاركين وتصويتهم الفعلي كان ضئيل جدا. 

ومن اللافت للنظر حسبما ورد بالتقرير، أن الاستطلاعات والتحليلات والمناقشات أوضحت أن مصطلح “مؤيد لإسرائيل” قد يتلاشى بين أوساط اليهود الأمريكيين ويحل محله موقف أكثر تركيزًا وتحديدًا. إذ لم يعد العديد من اليهود الأمريكيين موالين لإسرائيل انعكاسًا لكونهم يهود بل أصبحوا ينظرون بعين ناقدة إلى القضايا والشأن السياسي عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، فلم تعد إسرائيل تقل أهمية في نظرهم في أي قضية أخرى. وبالنسبة للبعض، يعتبر مؤيدو الاستيطان مؤيدون لإسرائيل.

وتساءل التقرير عما إذا كان يمكن القول بأن الأمريكيين الذين يعارضون النشاط الاستيطاني، مثلهم مثل العديد من الإسرائيليين، ليسوا كذلك؟. وفي إجابته على هذا التساؤل، أفاد التقرير أنه كان يُنظر بوضوح إلى اليهود الأمريكيين الذين دعموا الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني على أنهم “مؤيدون لإسرائيل”، في حين أن الكثيرين ممن أيدوا الاتفاق يعتبرونه في الواقع في مصلحة إسرائيل ويعتبرون أنفسهم “مؤيدين لإسرائيل” أيضًا. 

وما يزيد الأمر تعقيدًا وجود عدة عوامل تتعلق بجوانب أخرى من حياة اليهود الأمريكيين وتترأس أولوياتهم، مثل التعليم والعلاقات العرقية والرعاية الصحية، حيث إن تلك من القضايا التي تؤثر على الحياة اليومية في الولايات المتحدة والتي تسهم في التأثير بشكل سلبي على يهود الولايات المتحدة مثل دعم مرشح لا يتعاطف مع إسرائيل.

فيما يتعلق بقياس الاستطلاع لمدى كون المشاركين من اليهود الأمريكيين مؤيدين لإسرائيل، فضّل الاستطلاع وضع خيار آخر في الإجابة على سؤال هل تعتبر نفسك مؤيدًا لإسرائيل بجانب الجواب بنعم أم لا، وهو خيار “المصطلح غامض بالنسبة لي”، وأظهر الاستطلاع أن نسبة 57% أجابوا بنعم، بينما طالب البعض في تحديد نوع التأييد بشكل أكثر دقة، هل هو لسياسة إسرائيل أم لنشاط آخر. وأكد نحو 92% من المشاركين انه انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا تنفي تأييدهم لإسرائيل.

وبشكل عام، أكد التقرير أن نتائج الاستطلاع أظهرت أن الهوية اليهودية للمشاركين أثرت في اختياراتهم في الانتخابات، لكن البيانات تشير إلى أن مصطلح “مؤيد لإسرائيل” ربما لم يعد مصطلحًا مفيدًا وظيفيًا في فهم مواقف وسلوكيات اليهود الأمريكيين. وعلى الصعيد الآخر، لم تعد القضايا المتعلقة بإسرائيل تلعب دورًا رئيسيًا في التأثير على تصويت العينة المشاركة من اليهود الأمريكيين. إذ بلغت متوسط الاهتمام بإسرائيل نسبة 46% وفقًا للاستطلاع، وذلك لا يعني أن القضايا المتعلقة بإسرائيل ليست مهمة لليهود الأمريكيين، لكن تلك الانتخابات خصيصًا حظيت إسرائيل بمكانة أقل من أي شيء آخر.

وأردف التقرير، أنه في حين أن النتائج المذكورة أعلاه قد تنطبق على العينة المشاركة بشكل عام، إلا أن هناك ثمة اختلافات بارزة بين ناخبي ترامب وبايدن. فإذا تم فصل ناخبي ترامب (حوالي 16٪ من المشاركين)، فإنه يتضح “دعمهم” الواضح لإسرائيل بصورة أكبر. إذ أجاب ما يقرب من 87٪ من تأييد خيار “نعم” في السؤال الخاص بتأييد إسرائيل، فيما أجاب مقابل 42.3٪ من ناخبي بايدن. وفيما يتعلق بمسألة أهمية تأثير القضايا المتعلقة بإسرائيل في قرارهم بالتصويت، صنف ناخبو بايدن 42 (على مقياس تفضيل 1-100) بينما حصل ناخبو ترامب على 68. أيضًا. وأوضح التقرير أنه يجب الأخذ في الاعتبار صغر حجم عينة ناخبي ترامب نسبيًا، إلا أن الاتجاه ملحوظ ويستدعي مزيدًا من الدراسة.

https://i1.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image8.jpeg?resize=600%2C309&ssl=1

موقف ناخبي ترامب

https://i2.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image11.jpeg?resize=600%2C309&ssl=1

موقف ناخبي بايدن

وبالنظر إلى موقف ناخبي بايدن يتضح أن هناك تناقضًا بارزًا في موقفهم، كما تشير البيانات إلى الاختلاف الواضح بين ناخبي بايدن وناخبي ترامب فيما يتعلق بموقفهم تجاه كونهم “مؤيدين لإسرائيل”، وهو ما يعكس اختلافًا ذا مغزى بين المجتمع اليهودي الأمريكي المتعلقة بالتوجه السياسي. وهو ما اعتبره الكاتب “جوناثان توبين” انقسامًا ثقافيًا بين يهود الولايات المتحدة ووصفهم بـ: “قبيلتان مختلفتان تختاران مرشحين مختلفين”.

https://i1.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image12.png?resize=640%2C399&ssl=1

أضاف التقرير، أن الاستطلاع تضمن ​​قائمة من 12 قضية وتم سؤال المشاركين عن “الأهم” والثاني “الأكثر أهمية” في اختيارهم للمرشح لمنصب الرئيس. كما تم إضافة “الشخصية والثقة” إلى الخيارات الأخرى، مثل تغير المناخ، و COVID-19 والرعاية الصحية والاقتصاد. وأظهر الاستطلاع أن “الشخصية والثقة” هي السبب “الأكثر أهمية”، حيث اختيرت من أكثر من 59%.  وبلغ نسبة مؤيدي ترامب ممن اختاروا الشخصية والثقة الأكثر أهمية 80%، بينما رأى مؤيدي ترامب “القلق بشأن التطرف التقدمي اليساري” كأهم قضية لديهم بنسبة 37٪ تقريبًا.

https://i0.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image14.png?resize=640%2C268&ssl=1
https://i0.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image15.jpeg?resize=626%2C525&ssl=1
https://i2.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image17.png?resize=640%2C402&ssl=1

أظهر الاستطلاع أيضًا أن اختيارات الناخبين اليهود في عام 2016 فيما يتعلق باختيار حزبهم لمنصب الرئيس لم يتغير، في حين كانت هناك زيادة طفيفة في أصوات الديمقراطيين، وظل ناخبو دونالد ترامب بنفس النسبة (16.9٪ في عام 2016 مقابل 16.4٪ في عام 2020).

وأشار التقرير إلى أن ناخبي بايدن اليهود لديهم بعض المخاوف بشأن الاتجاه المستقبلي لحزبهم السياسي فيما يتعلق بالقضايا المتعلقة بإسرائيل أو بمعاداة السامية، لكن يبدو أنهم واثقون تمامًا من السياسة المتعلقة بإيران. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن 44.23٪ ليس لديهم أي قلق على الإطلاق، بينما 55.7٪ لديهم درجات متفاوتة من القلق. لكن أقل من 14٪ لديهم “قدر كبير” أو “كثير” من القلق.

https://i2.wp.com/jcpa.org/wp-content/uploads/2020/11/image20.jpeg?resize=600%2C302&ssl=1

استخلص التقرير أن الدراسة التي تم إجرائها أظهرت أن مفهوم “الموالية لإسرائيل” قد لا يكون وثيق الصلة بيهود الولايات المتحدة كما كان في الماضي، فضلًا عن أن الكثيرين في الجالية اليهودية الأمريكية لا يرون أن إسرائيل قضية واضحة ولا يشعرون بالراحة في وصف أنفسهم بأنهم “مؤيدون لإسرائيل بشكل نهائي”. ومع ذلك، يبدو أن هذه النتيجة مرتبطة بناخبي بايدن أكثر من ناخبي ترامب، حيث يعتبر مؤيدي الأخير أنفسهم اليهود الأمريكيين التقليديين الموالين لإسرائيل. في حين أن الهوية اليهودية والقضايا المتعلقة بإسرائيل تحتل مرتبة أعلى لدى عينة ناخبي ترامب، إلا أنهم لم يبدوا ثقة كبيرة في اتجاه حزبهم بشأن القضايا المتعلقة بإسرائيل أو معاداة السامية أو إيران كما فعل ناخبي بايدن.

وأضاف، أن القضية الواضحة لناخبي بايدن في هذه الانتخابات هي “الشخصية والثقة”، في حين كان “القلق من التطرف اليساري التقدمي” مصدر القلق الرئيسي لعينة ترامب. وبالنسبة إلى ناخبي بايدن، فأنه على الرغم من وجود مخاوف بشأن إسرائيل ومعاداة السامية وإيران، فقد طغى عليها انعدام الثقة والنفور من الرئيس ترامب، إذ لا يبدو أن هناك منطق أو وسيلة مقنعة للتأثير على الغالبية العظمى من هؤلاء الناخبين.

وطرح تساؤلًا، حول معني كل ذلك لإسرائيل والجالية اليهودية الأمريكية، ومدى ارتباط السياسة بالشخصية والعاطفة بالإيديولوجيا. وفي إجابته على تلك التساؤلات أكد التقرير أن المسائل السياسية تمثل مصدر قلق لأي ناخب لا محالة، فإننا نرى هنا أنه عندما تدخل قضايا شخصية لأي قائد فمن الواضح أنها تغلب على المنطق. وينطبق هذا الأمر مع الرئيس ترامب، الذي على الرغم من اتخاذه لبعض الإجراءات غير المسبوقة “المؤيدة لإسرائيل”، إلا أن العديد من اليهود الأمريكيين لم يعجبوا به. وهو ما حدث أيضًا مع بنيامين نتنياهو، قام بإلقاء خطاب في الكونغرس الأمريكي منفصلًا عن باراك أوباما الذي كان يحظى بإعجاب الكثيرين، إلا أنه لم ينسى أو يغفر له.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أيضًا أن العديد من اليهود الأمريكيين يهتمون بشكل متزايد بمبدأ ومضمون بعض القضايا المتعلقة بإيديولوجيتهم الشخصية وانتمائهم الحزبي وهم أقل ميلًا لتطبيق تسميات قائمة على الهوية مثل “مؤيد لإسرائيل” لوصف أنفسهم أو لتحديد سلوكهم. إذ لا ينبغي أن تضيع قضية الشخصية على صانعي السياسات. كما لاحظ ليني بن دافيد، وهو دبلوماسي إسرائيلي سابق للولايات المتحدة، أن السياسة الخارجية ليست من صنع واشنطن أو البيت الأبيض، إنما هي من صنع أفراد بعضهم متحيز ضد إسرائيل أو، في حالة أوباما وطاقمه، تحمل كرهًا عميقًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، لذا يجب استكشاف تلك التحيزات عند إجراء التعيينات من قبل الإدارة التالية.

وألمح التقرير أن تلك التحيزات لدى الأفراد تمتد إلى ما هو أبعد من الدبلوماسيين والمسؤولين وتنطبق على المواطنين العاديين، بما في ذلك المواطن اليهودي الأمريكي العادي. حيث أن الطرق التقليدية للدبلوماسية التي اعتمدت على جالية يهودية أمريكية “مؤيدة لإسرائيل تحتاج إلى التفكير في حقيقة أن الأمور لم تعد كما كانت من قبل، فبالرغم من أهمية السلوك والمظهر والأيديولوجية، إلا أنها انتقلت جميعها الآن بشكل واضح إلى مركز الصدارة.

Scroll Up