صدر مؤخرًا كتاب “الذكاء الاصطناعي: مستقبل الحياة البشرية في ظل التطورات التكنولوجية” عن سلسلة دراسات مستقبلية الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، للدكتور إيهاب خليفة، يناقش الكتاب المقصود بالذكاء الاصطناعي ومراحل تطوره وتطبيقاته الحياتية واليومية، ثم التداعيات الناجمة عنه على المستويات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي جعلت القوى الكبرى مثل الصين وأمريكا وأوروبا تتصارع على هذه التقنية، ويحاول أن يوضح شكل المجتمع القادم الذي يقوده الذكاء الاصطناعي وشكل الحياة البشرية داخل المدن التي بدأت تتحول لتصبح مدنًا ذكية، وهو ما يساعد في النهاية على فهم مرحلة جديدة من التطور البشري يكون فيها الذكاء الاصطناعي هو الملمح الرئيس للحياة الإنسانية.

ويأتي هذا الكتاب من ثلاثة فصول، يناقش الفصل الأول المقصود بالذكاء الاصطناعي من حيث التعريف والنماذج والاستخدامات المتعددة، ويميز بين الأنواع المختلفة للذكاء الاصطناعي والتي تبدأ بالذكاء الاصطناعي الضعيف أو الضيق، ثم الذكاء الاصطناعي القوي أو العام، ثم الذكاء الاصطناعي الخارق، كما يناقش مراحل التطور التي قسمها الكاتب إلى خمس مراحل رئيسية هي مرحلة القدرة على الفهم، ثم إنشاء علاقات بين المتغيرات واستنباط النتائج، ثم مرحلة الوعي والإدراك الكامل، ثم مرحلة الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرارات بصورة ذاتية، وأخيرًا مرحلة الإبداع والقدرة على تطوير الذات.

ويتناول هذا الفصل أيضاً مفهوم البيانات الضخمة Big Data التي تعتبر بمثابة الروح في جسد الذكاء الاصطناعي، بدونها لا يمكن تطوير الذكاء الاصطناعي والربوتات والمركبات ذاتية القيادة، كما يصعب تحليل احتياجات الأشخاص وتوجهاتهم لتقديم خدمات ذكية أفضل لهم، ويستحيل إنشاء مدن ومجتمعات ذكية تتسم بالكفاءة والفاعلية في إدارة الموارد، فضلاً عن ذلك يعرض الكاتب مجموعة متنوعة من استخدامات الذكاء الاصطناعي سواء في مجال الروبوتات أو السيارات ذاتية القيادة والمركبات المسيرة ونظم جمع وتحليل المعلومات ونظم خدمة العملاء وغيرها من التطبيقات ويدرس تأثيرها على مختلف نواحي الحياة، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ويناقش الفصل الثاني شكل الحياة البشرية في ظل سطوة نظم الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذكية متمثلة في نموذج المدن الذكية، حيث يعرض الكاتب دور الذكاء الاصطناعي في تيسير نمط الحياة البشرية داخل هذه المدن، والأسباب التي دفعت العديد من الدول إلى تبني نمط المدن الذكية مؤخراً، فضلاً عن الأنماط والنماذج المختلفة للمدن الذكية حول العالم، ويختتم هذا الفصل بالتحديات التي تواجه عملية إنشاء وتشغيل هذه المدن والتهديدات الأمنية الناجمة عنها والتي قد تعرض حياة القاطنين فيها للخطر.

ومع انتشار نماذج متعددة ومختلفة من هذه المدن القائمة على التقنيات الذكية فسوف تنتقل البشرية كلها إلى مرحلة جديدة من التاريخ، تلك المرحلة التي يناقشها الفصل الثالث تحت مسمى مجتمع ما بعد المعلومات، أو كما يسميه الكاتب أيضًا مجتمع الذكاء الفائق، أو مجتمع هيمنة الآلات، أو مجتمع الذكاء الاصطناعي، فجميعها مسميات تحاول وصف ما سيكون عليه شكل الحياة البشرية خلال السنوات القليلة القادمة.

هذا المجتمع الخامس Fifth Society، أو “مجتمع ما بعد المعلومات”، يأتي بعد أربعة أجيال مرت بها الإنسانية، وهي: مجتمعات الصيد والزراعة والصناعة والمعلومات، وأخيراً المجتمع الخامس أو “مجتمع ما بعد المعلومات”، ويمكن تعريفه بأنه “ذلك المجتمع الذي تتحول فيه المعلومة إلى وظيفة في حد ذاتها، حيث تندمج فيه المعلومة والآلة مع عقل الإنسان، وبمجرد أن يفكر الإنسان في الشيء تقوم الآلة بتنفيذه عوضًا عنه، بل قد تقوم الألة بالفعل بناء على توقعها لاحتياجات الإنسان، أي حتى قبل أن يفكر فيها، وذلك من خلال دراستها لسلوكه وقدرتها على التوقع باحتياجاته”، ويُعتبر الإنترنت أو الفضاء الإلكتروني أو النطاق الخامس Fifth domain هو العمود الفقري لهذا المجتمع، فبعد الأرض والبحر والجو والفضاء الخارجي، أصبح الفضاء الإلكتروني هو خامس الميادين التي تسعى البشرية لاستغلالها.

ويختتم المؤلف كتابه بقول أن زيادة الاحتكاك مع الآلات الذكية، من شأنه أن يفصل الإنسان تدريجيًا عن محيطه الطبيعي الاجتماعي البشري، يصبح التساؤل الرئيسي ما هي القواعد الأخلاقية التي تحكم العلاقات بين الإنسان والآلة، وبين الآلة والآلة أيضًا، وما هي المنظومة القيمية أو مجموعة القواعد العليا التي يجب أن تعمل في إطارها هذه العلاقات “البشرية – الروبوتية”، كما يتساءل أيضًا عن الكيفية التي سيتم من خلالها التعامل مع التجاوزات التي تصدر عن الآلات، مثل اعتداء الآلة على الإنسان، كأن تقتل السيارة ذاتية القيادة إنساناً، أو أن يتم توظيف كاميرات المراقبة في انتهاك خصوصية الأفراد، أو أن يتسبب تعليم الآلات في ضمور القدرات البشرية، أو أن تتحكم خوارزميات البحث على الانترنت في أنماط تفكيرنا وأولوياتنا، أو أن نشهد حالات زواج بين البشر والربوتات.

Scroll Up