عرض – ماري ماهر

نشر مركز (بيجن-السادات للدراسات الاستراتيجية) الإسرائيلي مقالًا للدكتور جيري فالنتا الأستاذ السابق ومنسق الدراسات السوفيتية وأوروبا الشرقية في كلية الدراسات العليا للبحرية الأمريكية، تحت عنوان “هل صوّت بوتين لبايدن؟”، أشار فيه إلى أنه بعد أربع سنوات من دعم دونالد ترامب، حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كسب ود جو بايدن قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، على الرغم من خطاب بايدن الحاد المناهض لروسيا ووسط اتهام الديمقراطيين لمدة أربع سنوات بأن ترامب تواطأ مع روسيا. 

“ترامب” وسذاجة التعامل مع روسيا

أشار فالنتا إلى أن فلاديمير بوتين قال مرارًا إن الكرملين سيعمل مع أي رئيس أمريكي. ومع ذلك، خلال انتخابات عام 2016، كانت الصحافة الروسية معادية لهيلاري كلينتون، منافسة دونالد ترامب، حتى يوم الانتخابات. ولم يكن هذا مفاجئًا تمامًا، حيث أيد مستشارها مايك موريل، القائم بأعمال المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية، دعوة كلينتون لقتل الروس والإيرانيين في سوريا خلال مقابلة في أغسطس 2016، وقال إنه يجب على إيران وروسيا “دفع ثمن تدخلهم”، وفي ظل إدارة كلينتون كان من المتوقع أن تسلح الولايات المتحدة جماعات المعارضة السورية لفتل الأفراد الإيرانيين والروس داخل البلاد.

ومن ناحية أخرى، فضّل ترامب وقف تصعيد التدخل العسكري الأمريكي فيما اعتبره حروبًا لا معنى لها في سوريا وأفغانستان. وبشكل عام، اقترح ترامب سياسات أكثر ودية تجاه روسيا من هيلاري، وبالتالي من الطبيعي أن يحظى بدعم بوتين.

لكن -بحسب جيري فالنتا– فسر ترامب علاقته مع بوتين بسذاجة على أنها دعم غير مشروط، وهذا غير حقيقي بالنظر إلى بعض تصريحات الرئيس الروسي؛ فخلال نسخة العام الحالي من منتدى فالداي التي انعقدت في 22 أكتوبر الماضي، اختلف بوتين مع ترامب بشأن توجيه الأخير اتهام لنجل بايدن، هانتر، بالتورط في عمل غير مشروع في أوكرانيا، حيث قال الرئيس الروسي: “نعم، كان هانتر بايدن في أوكرانيا وكان لديه شركة واحدة على الأقل. كان يكسب أموالًا جيدة. لا أرى أي شيء إجرامي في هذا”. 

وفي اليوم السابق له، أي في 21 أكتوبر، أشار بوتين أيضًا إلى أنه لأسباب أيديولوجية لم يكن معاديًا لبايدن أو الديمقراطيين، وأنه على العكس من ذلك، يوجد أساس أيديولوجي للتعاون الروسي مع الديمقراطيين، فـ “الحزب الديمقراطي أقرب تقليديًا إلى ما يسمى بالقيم الليبرالية، وأقرب إلى أفكار الديمقراطية الاجتماعية، مقارنة بأوروبا. وقد نشأ الحزب الشيوعي من البيئة الاجتماعية الديمقراطية، وهو ما يمثل أساسًا أيديولوجيًا لتطوير الاتصالات مع الديمقراطيين”. وأضاف: “كنت عضوًا في الحزب الشيوعي السوفيتي لما يقرب من 20 عامًا، كنت أؤمن بأفكار الحزب، وما زلت أحب العديد من هذه القيم اليسارية، كالمساواة والأخوة. في الواقع هم أقرب إلى القيم المسيحية”.

واعتبر فالنتا أن هذا كان تصريحًا رائعًا لبوتين، الذي أدان مرارًا البلاشفة والثورة البلشفية في بلده، ولم ينبذ الشيوعية فحسب، بل إنه يؤيد ويدعم الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية.

وأكد الباحث أن سذاجة ترامب بشأن بوتين ليست فريدة بأي حال من الأحوال بين قادة الولايات المتحدة، فعندما سأله الصحفيون عما إذا كان يثق في بوتين، أجاب الرئيس جورج بوش: “نعم، نظرت إلى عيني الرجل فوجدته صريحًا جدًا وجديرًا بالثقة. تمكنت من الشعور بروحه. رجل ملتزم بشدة بمصالح بلاده “. سذاجة مماثلة ظهرت في تصريحات للرئيس السابق باراك أوباما للزعيم الروسي آنذاك دميتري ميدفيديف في 25 مارس 2012 قال فيها: “هذه هي آخر انتخابات لي. بعد انتخابي سيكون لدي المزيد من المرونة في التعامل مع روسيا”، وهو ما يعني تنازلات محتملة للروس بعد الانتخابات.

“المصلحة” تحكم العلاقات مع بايدن

لقد كرر الكثيرون اقتباس ونستون تشرشل الشهير، “لا يمكنني أن أتوقع لكم عمل روسيا. إنه لغز، ملفوف في لغز، داخل لغز “. لكن قلة فقط استشهدوا بالجزء الثاني من الاقتباس: “ربما يوجد مفتاح. هذا المفتاح هو المصلحة الوطنية الروسية “؛ ففي مقابلة تلفزيونية في 10 أكتوبر الماضي، بدا أن بوتين يؤكد ذلك، عندما قال “لا أصدقاء في السياسة”، وهذا يعني أن المصالح الوطنية هي الحاكم بالنسبة له. وقد كان هذا المبدأ دليله عندما تحدث بحذر ولكن بوضوح عن العلاقات المحتملة مع بايدن.

ويبدو أن مستشاري بوتين في مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC) التابع لوزارة الخارجية قد خلصوا إلى أن الفائز المحتمل هو بايدن. وهكذا أعدت سكرتارية بوتين مسودتين لمقابلتين لوسائل الإعلام الروسية: أحدهما يدافع عن ابن بايدن في تعاملاته التجارية الأوكرانية، والآخر يدافع عن الإيديولوجيا. كما صدرت تعليمات للصحافة الروسية بالامتناع عن دعمها القوي السابق لترامب.
اختتم جيري فالنتا بالتأكيد على أنه إذا تم تنصيب بايدن رئيسًا للولايات المتحدة فمن المتوقع أن نجد مبادرات دبلوماسية جديدة يتبناها بوتين للتعامل مع بايدن، مشددًا على أنه يتعين على صانعي السياسة الأمريكيين التخلي عن سذاجة القادة السابقين بشأن الرئيس الروسي، فهو بالحق زعيم ماكر تعامل مع أربعة رؤساء أمريكيين على أساس المصلحة الوطنية الروسية لا على أساس الإعجاب الشخصي أو الكراهية، وسيتعاون معهم ويبرم اتفاقات معهم عندما يكون ذلك في مصلحة روسيا.

Scroll Up