ينظر البعض إلى ما أقدمت عليه تركيا من مغامرات خلال العقد الذي يوشك على الانصراف (2010- 2020) على أنها مرحلة تستحق التوقف أمامها بالتقييم قبل أن تبدأ فصول حقبة جديدة يتم البناء فيها على ما تحقق من خطوات خلال المرحلة السابقة، وفى محاولة لتجميع كل الأفكار السابقة التي طرحناها تحت عناوين مختلفة في ما يخص الملف التركي المهم والمفتوح على مصراعيه وتتدفق منه الأخبار والتقارير والتطورات والتحليلات على مدار الساعة، والتي تتعلق بسلوك أردوغان وطموحاته الشخصية أو تلك التي تتعلق ببنود أجندة “مشروع العثمانية الجديدة” وأحلام “الوطن الأزرق”… وكيف ترسم صورة هذا النظام في الداخل والخارج؟

فخلال هذا العقد أعادت تركيا، العضو المهم في الناتو والمرشحة التي كانت تطمح في السابق للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تقديم نفسها كقوة تتحدى علنًا ليس فقط جيرانها الإقليميين ولكن أيضًا الحلفاء في المنظومة الأمنية “حلف الناتو” مثل فرنسا والولايات المتحدة.

وبنظرة سريعة إلى تطورات المشهد نجد أن الجيش التركي -الأكبر في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة– يشارك بنشاط في عدد من المسارح، بما في ذلك سوريا والعراق وجنوب القوقاز وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط، بهدف توجيه نتيجة النزاع لصالحه، أو تغيير النظام الحالى بطريقة تخدم مصالحه، ويمثل هذا السلوك تغييرًا جذريًا عن ميل تركيا السابق لسياسة خارجية كانت تتجنب المغامرات الخارجية والصدامات.

كبير المهندسين لهذا التحول هو رجب طيب أردوغان، أولًا كرئيس وزراء تركيا، من 2003 حتى 2014، ثم كرئيس حتى الآن. في حين أن تحول السياسة الخارجية التركية تحت قيادته لم يتبع مسارًا خطيًا، فقد هيمنت عليه سمتان: أولًا، طموح أردوغان لدفع تركيا، وبالتالي نفسه، إلى دور قيادي عالمي. وثانيًا، استخدام سياسة تركيا الخارجية الناشطة الجديدة دائمًا كوسيلة لتعزيز الشرعية الداخلية للنظام وضمان بقائه واستمراره.

تولى أردوغان وحزبه العدالة والتنمية السلطة لأول مرة في انتخابات عام 2002، وحصلا على 34 في المائة من الأصوات. منذ البداية، واجهوا الشكوك، إن لم يكن العداء الصريح، من النخبة العلمانية في البلاد والقادة العسكريين المحافظين بسبب الميول الإسلامية لمؤسسي حزب العدالة والتنمية. وهكذا اتسمت السنوات الأولى للحزب في السلطة بجهد واعٍ لتحسين ممارسات حقوق الإنسان وحريات الصحافة مع تشجيع مجتمع مدني نشط، وذلك لكسب القبول في الغرب، وخاصة في أوروبا، كوسيلة لاحتواء وتحييد نفوذ المؤسسة العسكرية القوية في تركيا. 

وفرت هذه الطفرة في الدمقرطة مزايا إضافية؛ إذ نجحت تركيا في تسويق نموذج مختلف وجديد؛ والذي تجسد في المزج بين المتطلبات الديمقراطية والتقوى الإسلامية، مما يدل على أن الإسلام والديمقراطية يمكن أن يتعايشا، واستحوذ هذا النموذج على خيال وإعجاب عدد لا يحصى من مجتمعات الشرق الأوسط، ومنح تركيا قدرًا من القوة الناعمة التي لم تتمتع بها من قبل.

ومع ذلك، فإن أردوغان غالبًا ما كان ينتقد ما كان يعتبره نظامًا عالميًا غير عادل. ووضع أحمد داود أوغلو، الذي كان المنظر الرئيس لسياسة أردوغان الخارجية لسنوات عديدة قبل أن ينفصل ويترك حزب العدالة والتنمية العام الماضى، رؤية لتركيا باعتبارها “قوة مركزية”، مُقدر لها أن تلعب دورًا مؤثرًا في منطقتها وخارجها. وبلغت رؤية أردوغان ذروتها في شعاره أن “العالم أكبر من خمسة”، في إشارة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي أراد أردوغان إصلاحه ليعكس انتشار السلطة بعد الحرب حول العالم. وسعت تركيا لتسويق دورها فيما تتصوره من نظام بديل كقائدة لعالم إسلامى عانى كثيرًا.

بداية التغيير و”تخيلات الماضى”

بدأت التغييرات الحقيقية في السياسة الخارجية لتركيا في عام 2010، بعد حوالي ثلاث سنوات من تحدي كبار الضباط العسكريين في البلاد لأردوغان من خلال محاولتهم، وفشلهم، في استخدام حق النقض (الفيتو) ضد صعود عبد الله جول من حزب العدالة والتنمية إلى الرئاسة، وهى محنة مذلة أجبرت الجيش على الانسحاب من السياسة وسمح ذلك لأردوغان بتعزيز سلطته في الداخل من خلال إعادة تشكيل المؤسسات التركية، ووضعها في نهاية المطاف تحت سيطرته المباشرة، واستبدال النظام البرلماني بنظام رئاسي تمركز فيه جميع السلطات في مكتبه، ففي استفتاء عام 2017 المثير للجدل تم تقويض المجتمع المدنى، من الصحافة إلى الجامعات والجمعيات المستقلة؛ ولم يعد يتم قبول المعارضة.

بينما كان أردوغان يُخضع المنتقدين له من العسكريين والمحليين، كانت تتم بالتوازي عملية تسويق صورة ذهنية مغايرة لأردوغان في السياسة الخارجية وديناميكية وتفرد دوره وإيقاعه المختلف. كانت محطتها الأولى في عام 2009، عندما ظهر أمام الرأي العام، وكأنه يقوم بتوبيخ شيمون بيريز، رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، خلال حلقة نقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس. في العام التالي، اقترب من البرازيل ومن دوائر حركة تبدو مستقلة وسعى لدفع باتجاه اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، مما تسبب في انزعاج كبير من إدارة باراك أوباما، التي فرضت عقوبات جديدة على إيران في ذلك الوقت. بعد عام، أدخل تركيا طرفًا في أحداث سوريا من خلال إلقاء دعمه الكامل خلف “المعارضة المسلحة” لبشار الأسد، بما في ذلك دعم الإرهابيين. 

كما اشتبكت تركيا والولايات المتحدة أيضًا بشأن الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، حيث رفض أردوغان آنذاك مطالب أوباما لمحاربة المسلحين، على الرغم من عبور العديد منهم عبر الأراضى التركية للانضمام إلى الصراع. وصولا إلى أن أردوغان أمر بغزو شمال شرق سوريا العام الماضي حين هاجم نفس القوات الكردية التي كانت تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب القوات الأمريكية.

في الآونة الأخيرة، اتخذ سلوك أردوغان موقفًا أكثر تطورًا. في ليبيا، نجحت الطائرات التركية بدون طيار والمستشارون العسكريون، ناهيك عن آلاف المقاتلين السوريين الذين جندتهم أنقرة للقتال كمرتزقة، في قلب دفة المعركة لصالح قوات حكومة المجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج في طرابلس. في جنوب القوقاز، لعبت تركيا دورًا أساسيًا في تخطيط ودعم هجوم أذربيجان على الإقليم المتنازع عليه ناجورنو قره باغ. كما هو الحال في ليبيا، لعبت الطائرات بدون طيار التركية والمرتزقة السوريون دورًا حاسمًا في الجولة الأخيرة الحاسمة من القتال بين أذربيجان وأرمينيا حول ناجورنو قره باغ.

في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، تحدى أردوغان بالقوة السيادة اليونانية والقبرصية من خلال إرسال سفن أبحاث زلزالية برفقة البحرية التركية إلى مناطقهم الاقتصادية الخالصة بحثًا عن الموارد الهيدروكربونية. حتى عندما وافق أردوغان، تحت الضغط الأوروبي، على إعطاء فرصة للمفاوضات مع اليونان، وبالتالي تجنب العقوبات، سرعان ما عاد إلى التكتيكات العدوانية من خلال الأمر بعودة سفن الأبحاث إلى بحر إيجه، متحديًا الإجماع الغربى بشأن هذه المسألة. على الرغم من المخاطر الكامنة في سياسة حافة الهاوية، يفترض أردوغان أن أعضاء الناتو الآخرين سيتدخلون لنزع فتيل أى أزمة، معتبرًا أنه يستطيع في الوقت نفسه تعزيز موقفه من خلال تغيير الحقائق في البحر الأبيض المتوسط.

في كل هذه الحالات، كانت الاستجابة الداخلية في تركيا تبدو داعمة، فقد كان أردوغان قادرًا على تحييد أي معارضة من خلال مناشدة النزعة القومية للناخبين الأتراك، في حين أن الصحافة المستأنسة إلى حد كبير تشيد بكل مساعيه “الناجحة”. الرواية موحدة من عودة تركيا كقوة عظمى كاملة مع مقاطع فيديو من إنتاج الحكومة تربط الحاضر بأمجاد العثمانيين الماضية. وقد وصف الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون ذلك بأن تركيا لديها “تخيلات بشأن الماضي”.

كان الأمر الأكثر إثارة للجدل في مشاريع السياسة الخارجية لأردوغان هو شراء منظومة صواريخ S-400 المضادة للطائرات من روسيا، على الرغم من المعارضة الصاخبة من قبل حلف شمال الأطلسى والولايات المتحدة. فقد حذر البنتاجون والكونجرس أردوغان مرارًا وتكرارًا من أنه يخاطر بفقدان وصول تركيا إلى طائرات F-35 ومكانها في الكونسورتيوم متعدد الجنسيات الذي يقوم بتصنيعها. لكن أردوغان واصل المضي قدمًا في عملية الشراء البالغة 2.4 مليار دولار، متخليًا عن مليارات الدولارات من عائدات التصدير المستقبلية من برنامجF-35  في حين أن نظام S-400 لم يتم نشره رسميًا بعد، اختبرت تركيا مؤخرًا نظام الصواريخ للمرة الأولى، متحدية صراحة واشنطن وتخاطر بفرض عقوبات أمريكية.

شراء S-400 يتوافق مع نمط سلوك أردوغان، إنه يخاطر لدفع أجندته الخاصة، مع توقع أنه سيكون بمعزل عن أى اضطراب جيوسياسى بسبب دور تركيا المهم في الناتو والإحجام العام من قبل القوى الكبيرة والصغيرة عن معارضة تحركاته، وهو ما يجعله يكرس لصورة القائد الشجاع الذي يقاتل من أجل المصالح الوطنية لتركيا. في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد التركي من سوء الإدارة والمشاكل المتعلقة بوباء فيروس كورونا، فإن هذا يساعد على ضمان بقاء أردوغان. وقد اكتسب أردوغان شهرة دولية باعتباره مشاكسًا وغير متوقع، وأصبح زعيمًا يجب ضبط أهوائه ومطالبه.

وبهذا المعنى، فقد حقق ما كان ينوى القيام به: تحويل تركيا ونفسه إلى لاعبين عالميين مهمين. حتى أنه تربع في الخطاب السياسي الغربي، كما هو مذكور دائمًا، جنبًا إلى جنب مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ورئيس الصين شى جين بينج، كواحد من أبرز ثلاثة قادة استقروا على المنصة الاستبدادية في العالم.

إن أردوغان يقوم بالحسابات والبراجماتية عند الضرورة، لكن الأمر الذي يمثل إشكالية بالنسبة للقادة الغربيين لم ينته بعد؛ حيث لا توجد حواجز حماية لكبح جماحه ولأنه رئيس دولة محاط بالمتملقين ولا أحد يجرؤ على مناقضته، وسيستمر في الدفع لأطول فترة ممكنة، حتى يصطدم بحاجز في الطريق، حتى لو أجبرته العقوبات أو غيرها من العوائق على التنازل عن قضية واحدة -S-400 على سبيل المثال- فسوف يفتح بسرعة جبهة أخرى في مكان آخر. مثل كل القادة الشعبويين، ينقل أردوغان المعركة إلى الآخرين ويحاول دائمًا البقاء متقدمًا بخطوة، مما يجبر الخصوم والحلفاء على حد سواء على البقاء في موقف دفاعي.

القوة العسكرية وطموحات أردوغان

ما سبب استخدام تركيا بشكل متزايد للقوة العسكرية بعنف وقسوة؟ الجواب السهل هو أنه أمر يساعد في دعم أردوغان سياسيًا، لكن الأمر الآخر هو أنها تحقق على أرض الواقع استعادة لمكانة تركيا الإقليمية.

ولنبدأ بدراسة النموذج الأخير الذي شهد نهاية ستة أسابيع من القتال في ناجورنو قره باغ باعتباره من وجهة نظر الأتراك قد حقق “نجاحًا مقدسًا” لـ “أذربيجان الشقيقة” في قتالها مع أرمينيا العدو التاريخي الذي تحول إلى كابوس وعار يلازم الصورة الذهنية للأجداد والأبناء والأحفاد. وقد كانت الفرحة عارمة في أنقرة بسبب المكاسب التي حققها حليفها في ساحة المعركة، والتي استعادت الأرض التي خسرتها أمام الانفصاليين الأرمن في أوائل التسعينيات.

بالنسبة لتركيا، كانت النتيجة أيضًا أحدث مثال ناجح لاستخدامها العنيف والقوي لتغيير قواعد اللعبة باستخدام القوة العسكرية، والتي أعادت حتى الآن رسم الحقائق الجيوسياسية من ليبيا وسوريا إلى جنوب القوقاز.

يرى المحللون أن هذه التحركات تستفيد من الفراغ الذي تركه الممثلون الأمريكيون والأوروبيون الغائبون الآن، من أجل تحقيق طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التفوق الإقليمي وتعزيز شعبيته في الداخل.

تصف أسلى أيدينتاشباش، الخبيرة في الشؤون التركية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية المشهد في مقاطع: “من الواضح أن هناك تركيا صاعدة -دولة تتمتع بقدر أكبر من الثقة بالنفس- تحدد دورها في العالم على أنه وجود عسكري خارج حدودها. تريد تركيا أن تكون قوة مهيمنة إقليمية، ولتحقيق ذلك فإنها تدرك أنها بحاجة إلى أن تكون لاعبًا نشطًا في مناطق الصراع. الرئيس أردوغان نفسه يشعر بأنه دخل بالفعل عصرًا جديدًا من منافسة القوى العظمى، وتلك طريقته للتأكد من ظهور تركيا كقوة عظمى.”.

وتضيف: “غالبًا ما تُعتبر كل هذه الأشياء (في الخارج) مغامرات تركية، في حين أنها مصدر فخر في تركيا… لا تنظر الحكومة إلى هذه الأمور على أنها مغامرات، [ولكن] معالم بارزة في بناء إمبراطورية تركية في عصر جديد.”

في ناجورنو قره باغ، توسطت روسيا في وقف إطلاق النار بعد أن تحدث الرئيس فلاديمير بوتين وأردوغان. وسيراقب قرابة 2000 جندى روسى خطوط وقف إطلاق النار؛ لا يزال دور تركيا في حفظ السلام قيد التحديد، لكن أردوغان قدم مشروع قانون إلى البرلمان منذ أيام للموافقة على نشر قوات حفظ السلام لمدة عام.

قلة تعتقد أن القوات الأذربيجانية كان بإمكانها منفردة كسر الجمود المستمر منذ سنوات مع أرمينيا بدون دعم تركيا وأسلحتها ومرتزقتها فقد زادت مبيعات أنقرة من الأسلحة إلى أذربيجان ستة أضعاف هذا العام، حيث ارتفعت إلى 77 مليون دولار في سبتمبر وحده – مما يجعل أذربيجان أكبر عميل للأسلحة التركية – وفقا لتقارير وكالة رويترز. وبحسب ما ورد نشرت تركيا أيضًا مقاتلين مرتزقة تلقوا تدريبات تركية من سوريا.

ومما زاد من تعقيد العلاقات المتوترة بين تركيا وأوروبا -وتعزيز ادعاء أردوغان بأنه زعيم لجميع المسلمين السنة- رفض الرئيس التركي في أواخر أكتوبر ممارسات الحكومة الفرنسية للحد من العنف الذي يرتكبه المتطرفون المتأسلمون بعد سلسلة من الهجمات، قائلًا إن الرئيس إيمانويل ماكرون “يحتاج إلى علاج على المستوى العقلي”. يلعب مثل هذا النشاط القومي والمؤيد ظاهريًا للإسلام دورًا جيدًا لأردوغان في الداخل، حيث أدى الاقتصاد التركي المتعثر إلى إضعاف شعبيته؛ كما يلعب دورًا في ترسيخ لصورة الخليفة لدى المتطرفين في عدد من دول المنطقة.

يقول سنان أولجن، الدبلوماسى التركي السابق ورئيس مركز الدراسات الاقتصادية بإسطنبول: “هناك حدود متأصلة للمدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا الطموح، والحد هو الاقتصاد التركي حقًا، لأنه مرتبط جدًا بالاقتصاد الغربى”. ودراسات السياسة الخارجية.

لقد ساهم في فاعلية الحركة التركية في الخارج تغييرين متزامنين في النظام العالمي، كما يشير أولجن: “تراجع اهتمام الولايات المتحدة بهذا الجزء من العالم”، إلى جانب “استمرار عدم فاعلية الاتحاد الأوروبي كجهة فاعلة في السياسة الخارجية”؛ محللًا: “لقد فتح هذا المزيج المجال أمام دول القوة المتوسطة مثل تركيا لممارسة نفسها بشكل أكثر حزمًا في المسرح الإقليمي”. “إضافة إلى البعد المحلي وهو أن حزب العدالة والتنمية (الحاكم) قد تبنى رواية عن تركيا القوية والمهيمنة في الخارج، وتميل تكتيكات القوة الصلبة (العسكرية) إلى رعاية هذه الرواية.

وقد تكررت تصريحات إيمانويل ماكرون حول توظيف أردوغان للدين حين قال: “اتبع التحليل المنطقي لكل ما يفعله أردوغان في الخارج يجب أن يكون لأسباب دينية… ورغم تحذير الجميع من أن أردوغان يتجاوز حدوده سياسيًا وعسكريًا، إلا أن هذا التركي يواصل زحفه “.

روسيا تتداخل وتترقب

لفتت تحركات تركيا أنظار القوى المتدخلة الأخرى، لا سيما روسيا، التي ترى تركيا على الجانب الآخر من الخطوط الأمامية في كل من ليبيا وسوريا. وتعتبر موسكو دعم تركيا لأذربيجان -جمهورية سوفيتية سابقة- تعديًا على ساحتها الخلفية. ذكرت صحيفة موسكوفسكي كومسوموليتس الروسية، أن تركيا حققت “اختراقًا غير مسبوق في الفضاء السياسي الذي تعتبره موسكو دائمًا ملكًا لها”. ويقول رسلان بوخوف، مدير مركز أبحاث دفاعي روسي، إن نتيجة الحرب “كارثية” بالنسبة لروسيا”، وقال لصحيفة فاينانشيال تايمز: “الحقيقة القاسية هي أن نفوذ موسكو في منطقة القوقاز قد انخفض بشكل حاد، بينما نمت هيبة تركيا الناجحة والمشاكسة، على العكس من ذلك، بشكل لا يصدق”.

أوضح الكرملين منذ أيام أن تركيا غير مذكورة في اتفاق وقف إطلاق النار، وأن أي قوات تركية منتشرة -على الرغم من تصريحات أذربيجان- ليست قوات حفظ سلام رسمية.

إن روسيا تتعامل بشكل براجماتي مع تركيا، وترى فيها لاعب له أهيمة زادت وتمددت إقليميًا منذ الربيع العربي في عام 2011. في ذلك الوقت، قام أردوغان بما أطلق عليه انذاك “جولة النصر” في تونس، القاهرة، وطرابلس، مدعومًا بالاعتقاد السائد بأن تركيا قدمت نموذجًا لدولة إسلامية ناجحة وحديثة لعصر ما بعد الديكتاتورية والاستبداد.

لكن سرعان ما اختفت مصداقية هذا النموذج، وفقدت في سحب الغاز المسيل للدموع التي أطلقت ضد المتظاهرين خلال احتجاجات حديقة جيزي عام 2013 في إسطنبول، ثم تآكلت أكثر بسبب استبداد أردوغان المتزايد وميله إلى إستخدام القوة الصلبة بديلا عن القوة الناعمة والوجود العسكري الرسمي أو من خلال مرتزقة على مسارح العمليات في الإقليم.

وضع جيوسياسى “هش”

رغم كل هذا ينظر المراقبون إلى الوضع بالنسبة لتركيا على أنها في وضع جيوسياسي هش، أدت الاستفزازات التركية في البحر الأبيض المتوسط ​​والتوسع العنيف في سوريا وليبيا، وعلاقاتها الوثيقة بشكل متزايد مع روسيا وإيران إلى غضب عالمى كبير على النقيض مما يحاول أردوغان وميليشياته الإعلامية المنتشرة في المنطقة الترويج له. وعلى الرغم من التحالفات والشراكات مع تركيا، فإن الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية والخليجية تنظر إلى البلاد على أنها تهديد إقليمى مزعزع للاستقرار يجب التعامل معه قبل أن تحدث الفوضى الإقليمية. ومع ذلك، تتمتع تركيا أيضًا بموقع استراتيجي لتقديم قيمة كبيرة لهذه الدول. وهذا يترك القوى العالمية أمام سؤال لافت، هل تركيا تهديد أم فرصة؟

على مدى السنوات العشرة الماضية، تدهورت العلاقات بين تركيا وحلفائها داخل الناتو والخليجيين. أقامت تركيا علاقات أقوى مع أعداء الغرب، وعززت علاقاتها مع إيران وروسيا عندما قررت الولايات المتحدة دعم القوات الكردية في سوريا.

منذ الحرب العالمية الأولى، كان لتركيا تاريخ طويل في قمع حركات المقاومة الكردية، مثل حزب العمال الكردستانى PKK وقد تم تصميم التدخل التركي في شمال سوريا بشكل أساسي لقمع القوات الكردية المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني. في الواقع، فإن قرار الولايات المتحدة بدعم القوات الكردية في سوريا في محاولة لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية يتعارض بشكل مباشر مع تاريخ تركيا الطويل من السياسات المعادية للأكراد، وشجع البلاد على تعميق العلاقات مع حلفاء آخرين مثل روسيا. مكّن تطوير هذه العلاقات تركيا من الاستفادة عسكريًا. وفى عام 2019، اشترت تركيا العديد من صواريخ S-400 من روسيا، وهي متطورة بما يكفي لإسقاط الطائرات التي تحلق في سماء المنطقة.

أقامت تركيا أيضًا علاقة مقلقة مع إيران وساعدتها في تجنب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة. كشف تحقيق أنه بين عامي 2012 و2017، قام بنك خلق التركي المملوك للدولة Turkiye Halk Bankasi بإخفاء المعاملات على أنها مدفوعات إنسانية لنقل وإخفاء مليارات الدولارات، وأوضح التحقيق أن البنك المملوك للدولة كان بمثابة “المستودع الوحيد” لحوالى 20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز التي باعتها إيران إلى تركيا. تم توجيه ما لا يقل عن مليار دولار من العائدات من خلال المؤسسات المالية الأمريكية وهذا أثبت لكل الاصدقاء والحلفاء والخصوم معا أن جهود أنقرة تضر بالاستقرار الإقليمى.

تشكل الإجراءات الجيوسياسية لتركيا تهديدات أمنية إقليمية وعالمية بشكل متزايد. لقد أدت مشاركة البلاد في ليبيا، والتنقيب عن الغاز، وجهود التنقيب في البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الإضرار بعلاقات البلاد مع الحلفاء المهمين مثل اليونان وفرنسا، مما زاد من التوترات مع اللاعبين الرئيسيين في الناتو. علاوة على ذلك، مكّن غضب تركيا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من تعزيز قواته بشكل كبير. وفقًا لبريت ماكجورك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي السابق في التحالف ضد داعش، دخل 40 ألف مقاتل جهادي من 110 دول إلى سوريا للانضمام إلى داعش عبر تركيا.

على الرغم من الطلبات العديدة التي قدمها ماكجورك وحلفاء التحالف، رفضت تركيا إغلاق الحدود. ومع ذلك، عندما تولى المقاتلون الأكراد السيطرة على أجزاء من الحدود، ردت الدولة بإغلاقها على الفور بجدار. كما اتُهم المقاتلون المدعومون من تركيا مرارًا بارتكاب فظائع لحقوق الإنسان في سوريا. على الرغم من أدلة الفيديو، فإن تركيا لم تحاسب هؤلاء الأفراد وهي في الواقع تغض الطرف.

بينما تواصل تركيا الابتعاد عن التحالف مع الولايات المتحدة وحلفاء غربيين آخرين، إلا أن هناك أصوات في الغرب ترى أنه من المفيد لهذه القوى الاستثمار في إعادة تأهيل علاقتها مع تركيا؛ لأنه إذا استمرت أنقرة في تعزيز العلاقات مع موسكو وطهران، فيمكن أن تعزز النفوذ الإقليمي والعالمي لكلا البلدين. هذا مهم بشكل خاص نظرًا لأن تركيا تتمتع بموقع استراتيجي بين آسيا وأوروبا وروسيا والعالم العربى، وهي تمثل مركزًا وممرًا وسوقًا تجاريًا وموقعًا جيوسياسيًا. بدأت البلاد أيضًا في إقامة تحالفات مع دول في جميع أنحاء إفريقيا. لذلك، يمكن أن توفر لحلفائها فرصة حيوية لتوسيع قوتهم الناعمة وقوتهم العسكرية في جميع أنحاء العالم على حد تصور الخبراء.

فيما يتعلق بالدفاع، يجب على القوى الغربية أيضًا –وفقا لهذا التصور- أن تفكر في إعادة بناء علاقتها مع تركيا حيث تتمتع الدولة بوجود عسكري قوي، والذي قد يكون جزءًا لا يتجزأ من دخول الحلفاء الغربيين وحلف شمال الأطلسي في صراع مع إيران أو روسيا أو قوة أخرى. أخيرًا، على الرغم من أن الطيف السياسي في تركيا أصبح قمعيًا بشكل متزايد، شهدت الانتخابات البلدية لعام 2018 عودة نسبية للديمقراطية في البلاد. وتحث تلك الأصوات القوى الغربية على الاستفادة من هذا والمساعدة في إعادة غرس هذا الزخم من الديمقراطية، وعندها فقط ستصبح تركيا شريكًا قابلًا للحياة بالنسبة للغرب.

الجديد: محور جيوسياسي من أذربيجان إلى أوكرانيا

فى ظل ما تشهده تطورات الأحداث يمكننا أن نرصد ظهور تحالف غير رسمي جديد في جنوب شرق أوروبا تقوده تركيا. لم يكن انتصار أذربيجان في ساحة المعركة ضد أرمينيا واستعادة سبع مناطق محتلة تحيط بناجورنو قره باغ والجزء الجنوبي من هذا الجيب المتمركز في المركز الثقافي المهم في شوشا (شوشى) ممكنًا لولا المساعدة الدبلوماسية والعسكرية التركية.

استثمرت تركيا في تدريب القوات المسلحة الأذربيجانية وفقًا لمعايير الناتو، وقدّمت طائرات بدون طيار وأشكال أخرى من التكنولوجيا العسكرية وقواتها بالوكالة السورية التي تقاتل على طول الحدود التركية السورية، ونسخ استخدام روسيا الطويل لقوات بالوكالة في أوكرانيا وأوراسيا. في حديثه في باكو في 12 نوفمبر، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن بلاده ستواصل تقديم دعمها لباكو في أي خطوات أخرى قد تقرر اتخاذها تجاه ناجورنو قره باغ.

التحالف الجيوسياسي الجديد، والمفترض لتركيا في الوقت الحالي مبني على علاقات طويلة الأمد بين الدول الموالية للغرب أو الدول ذات الميول الغربية في الاتحاد السوفيتي السابق التي أنشأت مجموعة “جوام GUAM” في أواخر التسعينيات، والتي جمعت بين جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدوفا. عانت مجموعة جوام من الركود بعد انتخاب الرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش في أوكرانيا عام 2010 وترك الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي منصبه بعد ذلك بثلاث سنوات. أعيدت تسميتها باسم منظمة GUAM للديمقراطية والتنمية الاقتصادية، وأعادت إحياء عملياتها بعد ثورة الميدان الأوروبى 2013-14 في أوكرانيا. ومن المفارقات أن أذربيجان ترأست مجموعة جوام في العام الذي استعادت فيه الكثير من أراضيها.

كان يمكن التغاضي عن اعتقاد المرء أن الرئيس التركي أردوغان كان “مؤيدًا لروسيا” بسبب استبداده وانتقاده للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. ولكن هذا ليس هو الحال. أردوغان هو أكثر من كونه قوميًا تركيًا أكثر من أسلافه الذين يدينون لأتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، ويقدم دعمًا أكبر لتتار القرم الناطقين بالتركية والأذريين الناطقين بالتركية؛ للدرجة التي تجعلنا نعتقد بأنه يعمد إلى خوض الكثير من المعارك والمغامرات التي ترسخ صورته الذهنية لدى أتباعه في الداخل والخارج. وفى سبيل ذلك يغير تحالفاته وينتقل من النقيض للنقيض دون أدنى حرج وينتقل من الصيف للشتاء مباشرة دون المرور بخريف أو ربيع. ويخطئ من يعتقد أنه كوّن صورة كاملة لتلك الشخصية وتوجهاتها الاستراتيجية، وعلى المحلل أن ينظر إلى المشهد بكل تفاصيله المتناقضة.

أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية من طراز Sukhoi Su-24 فوق المجال الجوي التركي في نوفمبر 2015 مما أدى إلى مقاطعة روسية للتجارة والسياحة التركية. على الرغم من أن كلا البلدين أصلحا علاقاتهما المتوترة، فقد دعمت تركيا وروسيا أطرافًا متعارضة في سوريا واليمن وليبيا.

في سوريا وجنوب القوقاز، تُعدُّ إسرائيل وتركيا، اللتان كانت علاقاتهما متوترة في الماضي، حليفين جيوسياسيين. في سوريا، كلاهما يعارض تحالف نظام بشار الأسد مع إيران وروسيا. ويعلن أردوغان لأنصاره أنه ضد حملة الأسد ضد المسلمين السنة بينما السبب الحقيقى هو أن الرضوخ للحكم الذاتي الكردي من العوامل الإضافية التي حفزت تدخل أردوغان في سوريا.

في جنوب القوقاز، تنظر إسرائيل إلى أذربيجان كثقل موازن لإيران، التي تدعم أرمينيا وروسيا وقامت إسرائيل بتزويد أذربيجان وجورجيا بالسلاح والتدريب. تشترك إسرائيل وأذربيجان في تصنيع الطائرات بدون طيار التي لعبت دورًا مهمًا وحاسمًا في هزيمة أرمينيا عسكريا. كان التقارب في تعاونهما الأمني ​​واضحًا في أغسطس 2019 عندما تسلل فريق إسرائيلى إلى إيران من أذربيجان لاغتيال الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في طهران. استعادت أذربيجان الآن سيطرتها على جميع حدودها مع إيران. اشترت تركيا أنظمة أرض-جو بعيدة المدى وقبة حديدية من طراز Barak-8، واشترت أذربيجان نظام الصواريخ الباليستية التكتيكية LORA الإسرائيلية.

الشراكة الاستراتيجية التركية الأذربايجانية

ظلت أذربيجان حليفًا مقومًا بأقل من قيمته الحقيقية للغرب لعقود على الرغم من كونها عملاقًا للطاقة وتقع في منطقة جيواستراتيجية في الشرق الأوسط الكبير وأوراسيا؛ فأذربيجان مورد مهم وناشئ للطاقة لتركيا وإسرائيل وأوروبا، وبالتالي فهى حليف للولايات المتحدة في الحد من احتكار روسيا لإمدادات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي. تعد أذربيجان أيضًا بلدًا مهمًا بالنسبة للولايات المتحدة كممر إمداد لقواتها في أفغانستان، على الرغم من أن البلاد تباعدت أيضًا عن الغرب عندما يتعلق الأمر باحترام التزامات حقوق الإنسان.

في المقابل، كانت أرمينيا حليفًا لروسيا منذ عام 1994 عندما كانت عضوًا مؤسسًا في منظمة معاهدة الأمن الجماعيCSTO) )، وهي محاولة من جانب روسيا لإنشاء هيكل من نوع الناتو لدول الاتحاد السوفيتى السابق. انسحبت أرمينيا من اتفاقية شراكة الشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي في عام 2013 وانضمت إلى الاتحاد الجمركى لرابطة الدول المستقلة، لتصبح الاتحاد الاقتصادى الأوروبى الآسيوى بعد ذلك بعامين.

في الحرب الأذربيجانية الأرمينية التي استمرت 44 يومًا هذا العام، أظهرت منظمة معاهدة الأمن الجماعي نفسها على أنها نمر من ورق. أحد الأسباب المهمة لموقف أرمينيا تجاه أذربيجان وتهديدات يريفان بضم ناجورنو قره باغ كان الافتراض الخاطئ بأن روسيا أو منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا سوف تنقذها في حالة الحرب.

لم يكن هذا هو الحال؛ أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه لن يتم تنشيط قواته الوطنية ولا منظمة معاهدة الأمن الجماعى في الحدث (غير المحتمل) لأذربيجان بمهاجمة الأراضي ذات السيادة الأرمنية. واستبعد هذا قيام منظمة معاهدة الأمن الجماعي بمساعدة أرمينيا في الدفاع عن الإقليم.

لقد تفوقت المصالح الجيوسياسية على حقيقة أن تركيا وأذربيجان ينتميان إلى فرعين معاديين للإسلام، السني والشيعي على التوالي. ترتبط تركيا وأذربيجان بعلاقات عرقية ولغوية، توصف بـ “دولتين؛ أمة واحدة” (إيكي دوفليت، بير ميليت) بطريقة مشابهة لتلك التي تربطها تركيا بتتار القرم. كانت خانات القرم موجودة ككيان مستقل داخل الإمبراطورية العثمانية لمدة ستة قرون قبل احتلال روسيا لشبه الجزيرة في عام 1783. 

في القرنين التاسع عشر والعشرين، فر الملايين من تتار القرم من الاضطهاد الروسى والسوفيتى إلى الإمبراطورية العثمانية وتركيا. توفى نصف التتار الباقين الذين يعيشون في شبه جزيرة القرم بعد أن تم تطهيرهم عرقيًا من قبل الرئيس السوفيتى جوزيف ستالين في عام 1944. منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، فر ما لا يقل عن 20 ألفًا من تتار القرم إلى أوكرانيا وسجن المئات.

في تركيا، حيث يوجد ما يقدر بستة ملايين تتار القرم، يُطلق عليهم غالبًا “أتراك القرم” بسبب تقارب لغاتهم وثقافتهم وتاريخهم، هذه الأقلية الكبيرة من تتار القرم صاخبة ونشطة ومؤثرة في تركيا ولديها الآن رئيس تركي يدعم أقواله بالأفعال، على الرغم من أنه يبقى أن نرى ما إذا كان موقف تركيا من مستقبل شبه جزيرة القرم يتوافق تمامًا مع موقف أوكرانيا.

وافقت تركيا على أن تصبح أذربيجان موردها الرئيسى للغاز، خلف روسيا. هذه الخطوة لها تداعيات جيوسياسية كبيرة على جنوب القوقاز بأكمله والبحر الأسود ومنطقة جنوب غرب أوروبا. ربما ليس من قبيل الصدفة أن أذربيجان أصبحت المورد الوحيد للغاز لتركيا قبل خمسة أشهر فقط من اندلاع الحرب الأذربيجانية الأرمينية.

تعد تركيا مركزًا إقليميًا حيويًا لخط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، وهو واحد من ثلاثة خطوط أنابيب في ممر الغاز الجنوبي الذي يربط حقل شاه دنيز الثانى الأذربيجاني بالسوق الأوروبية. يرسخ التحالف الاستراتيجي التركي الأذربيجاني مكانة مهمة كمركز إقليمى للطاقة مستقل إلى حد كبير عن روسيا في حين أنه يمكّن الأخيرة من أن تصبح مصدرًا رئيسيًا للغاز إلى أوروبا لأول مرة. بالإضافة إلى ذلك، فإن 40٪ من النفط الذي تستورده إسرائيل يأتي من أذربيجان.

المحور التركي – الأوكراني

قام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بزيارتين استراتيجيتين لأعضاء حلف شمال الأطلسي بولندا وتركيا، اللتين تقفان على طرفي قطبي لإعادة تنظيم استراتيجي جديد يشمل أوكرانيا وأذربيجان وهما من الدول السوفيتية السابقة المؤيدة لحلف الناتو منذ فترة طويلة والموالية للغرب في منطقة متنازع عليها تطالب روسيا الغرب بالاعتراف بها كمجال نفوذها الحصري.

وقال أردوغان في مؤتمر صحفي مشترك مع زيلينسكي، إن تركيا تعتبر أوكرانيا دولة رئيسية لضمان الاستقرار والسلام والازدهار في المنطقة. ضمن هذا الإطار، دعمنا دائمًا وسنواصل دعم سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، بما في ذلك شبه جزيرة القرم. وأضاف: “تركيا لم تعترف ولا تعترف بضم شبه جزيرة القرم”. وجدد أردوغان التأكيد على عدم اعتراف تركيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم بعد ثلاثة أسابيع من إطلاق أذربيجان عملياتها العسكرية ضد أرمينيا.

في أعقاب العمليات البحرية الروسية في نوفمبر 2018 في بحر آزوف، طورت تركيا وأوكرانيا مصالح مشتركة في أمن البحر الأسود. تدعم تركيا، إلى جانب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إعادة بناء البحرية الأوكرانية. بعد باكستان، اشترت أوكرانيا طرادات من فئة T MILGEM من تركيا.

إن رفض تركيا الاعتراف بسيطرة أرمينيا على ناجورنو قره باغ منذ عام 1992 هو رفض طويل الأمد، بلغة تذكر بدعم وحدة أراضي أذربيجان، قال بيان مشترك أصدره أردوغان وزيلينسكي في أنقرة إن تركيا ستواصل دعم الخطوات نحو “إنهاء احتلال” شبه جزيرة القرم ودونباس التي تسيطر عليها روسيا. وأثار البيان المشترك محنة تتار القرم والسجناء الأوكرانيين المحتجزين لدى روسيا والحماية المشتركة لحقوق الإنسان في القرم.

فيما عارضته روسيا بشدة منذ فترة طويلة، قدم أردوغان دعمه لعضوية أوكرانيا في الناتو، سيتم توسيع التعاون الأمني ​​التركي الأوكراني من خلال منصة القرم وصيغة كوادريجا “2 + 2” لوزراء الخارجية والدفاع، تتعاون أوكرانيا وتركيا في بناء مجموعة من المنتجات العسكرية؛ على سبيل المثال، يتم تشغيل الطائرات بدون طيار بنظام Akinci (Raider) التركي وأنظمة الطائرات بدون طيار Akinci بمحركات Ivchenko-Progress التوربينية الأوكرانية. اشترت أوكرانيا 12 (مع خطط لشراء ما مجموعه 48) طائرة بدون طيار من طراز Bayraktar TB-2 UAS استخدمتها تركيا مع معدلات نجاح عالية في سوريا وناجورنو قره باغ؛ وسيكون مقر بعضها في منطقة حرب دونباس بشرق أوكرانيا.

من خلال مزيج من انعزالية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافتقار الاتحاد الأوروبي إلى جاذبية السياسة الخارجية، قلبت تركيا الصورة الجيوسياسية في جنوب القوقاز وقامت بقوة فيما تطالبه روسيا بالعالم الخارجي الذي يعتبره مجال نفوذها الحيوي. كان دعم تركيا الشامل لأذربيجان حاسمًا في هزيمتها لأرمينيا وإظهار منظمة معاهدة الأمن الجماعى على أنها سفينة فارغة وأن الاتحاد الأوروبي هو نمر من ورق.

إن الطموحات الجيوسياسية لتركيا، بناءً على مجموعة جوام الإقليمية، ستزيد من التحدي لروسيا في إيصال الطاقة الأذربيجانية إلى أوروبا وفي دعم أوكرانيا، التي لديها أيضًا مناطق تحت السيطرة الروسية. في حين أن التحالف الأذربيجاني التركي قد اجتاز اختبارًا مهما للقدرة على التحمل، فإن تطوير تركيا لتحالف استراتيجي جديد مع أوكرانيا لا يزال في بدايته.

الاقتصاد “كعب أخيل”

يبلغ متوسط دخل الفرد في تركيا بالكاد 8900 دولار، ويعاني اقتصادها من ارتفاع في معدلات التضخم والبطالة. ربع الشباب التركي عاطلون عن العمل. في 21 سبتمبر الماضي، هبطت الليرة التركية إلى ما دون أدنى مستوى سابق له على الإطلاق عند 7.60 للدولار الأمريكي (و8.99 لليورو). تباطأ الاقتصاد بشكل حاد (تقلص بنسبة 9.9٪ في الربع الثاني)، ويرجع ذلك أساسًا إلى تأثير جائحة فيروس كورونا. وباعت البنوك المركزية والبنوك الحكومية نحو 120 مليار دولار منذ العام الماضي.

أعلنت وكالة التصنيف موديز أن تركيا تتجه نحو أزمة ميزان المدفوعات، وأشارت إلى “المحاولات الفاشلة لبنكها المركزي للدفاع عن الليرة” وذلك قبل تغيير محافظ البنك خفضت احتياطيها إلى أدنى مستوياته التي لم تشهدها منذ عقود وخفضت التصنيف الائتمانى لتركيا إلى B2، وهو ما يعادل دول مثل تنزانيا وأوغندا وإثيوبيا وكينيا.

على الرغم من كل هذا، يواصل العثمانيون الجدد بقيادة أردوغان استعراض عضلاتهم في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا وتهديد العمل العسكري والسياسي ضد الخصوم.

لا يمر يوم واحد دون أن يخبر أردوغان جمهورًا محافظًا/ قوميًا راغبًا أن “تركيا قوة عالمية، وهي قوية سياسيًا وعسكريًا، وجميع الدول الأخرى تحسد صعودنا المستمر”، وهذا الخطاب الشعبوى لا يبالي بالتكلفة. فهل سمعت يومًا أن الرئيس الصينى شي جين بينج يذكّر الجمهور بأن بلاده تضم أكبر عدد من السكان في العالم؟ هل سمعت من قبل أن بيل جيتس يذكّر المستمعين بأنه ثرى بشكل خيالى؟ أولئك الذين يعلنون بصوت عالٍ عن قوتهم ربما لا يمتلكونها.

كما أشار الخبير التركي البارز روبرت إليس مؤخرًا، فإن تركيا لديها قوات في 13 دولة (قبرص وسوريا وليبيا والعراق وأذربيجان والصومال وقطر وأفغانستان وألبانيا ولبنان والبوسنة والهرسك وكوسوفو والسودان). 

وكتب نامق تان، السفير التركي السابق لدى واشنطن: “إن إصدار أوامر للقوات المسلحة التركية بدخول سوريا والانخراط في عمليات عسكرية في ليبيا، مع الالتزام أيضًا بقدرات عسكرية في شرق البحر المتوسط ​​من خلال تنفيذ دبلوماسية الزوارق الحربية مع فرنسا واليونان، سيكون من الصعب الحفاظ عليه، خاصة في ظل العلاقات مع روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهو ما أدى إلى نتيجة مباشرة حقيقتها أن الاقتصاد التركي متدهور”.

التخلي عن “القوة الناعمة” واستبدالها بالكامل بـ “القوة الصلبة” يعنى أن الردع العسكري هو الأولوية بدلًا من الإجماع. وبينما أحرزت صناعة الدفاع التركية بعض التقدم المذهل، فهى ليست مستقلة تمامًا بعد ولا تزال تعتمد إلى حد كبير على الإمدادات التي تتطلب تراخيص تصدير من دول تعتبر تركيا خصمًا.

في عام 2018، وقعت شركة صناعة الطيران التركية (TAI) اتفاقية بقيمة 1.5 مليار دولار لبيع 30 طائرة هليكوبتر هجومية من طراز T129 إلى باكستان. لكن الصفقة لم تتحرك إلى الأمام لأن TAI فشلت في تأمين تراخيص تصدير أمريكية للعقد. (تم بناء T129 بموجب ترخيص من شركة Agusta Westland الإيطالية البريطانية، ويتم تشغيله بواسطة محركين توربيني LHTEC T800-4A تم إنتاجهما من خلال مشروع مشترك بين شركة هانيويل الأمريكية وشركة رولز رويس البريطانية).

أكبر برنامج تصنيع بحري في تركيا على الإطلاق، وهو بناء سفينة هجومية برمائية من نوع Landing Platform Dock بتكلفة تزيد عن مليار دولار، ومن المقرر الانتهاء منه في عام 2021. لكن “أكبر سفينة تركية على الإطلاق” هي في الواقع صفقة ترخيص من حوض بناء السفن الاسباني نافانتيا.

وتعليقًا على طموحات أردوغان العسكرية في الخارج، غرد مستشار فرانسوا ميتران جاك أتالى: “علينا أن نسمع ما يقوله أردوغان، ونأخذ الأمر على محمل الجد وأن نكون مستعدين للتصرف بكل الوسائل، إذا كان أسلافنا قد أخذوا خطابات الفوهرر على محمل الجد من عام 1933 إلى عام 1936، كان بإمكانهم منع هذا الوحش من تكريس السبل والوسائل لفعل ما أعلنه “.

لكن أردوغان لا يمكنه تحقيق أهدافه إلا بموارد دولة غنية وقوية تحت تصرفه. قال إليس: “هذا هو كعب أخيل في تركيا”. “المستثمرون الأجانب يفرون، وقد تسبب فيروس كورونا في شلل السياحة، وخفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني لتركيا إلى B2.

تأتي حملة أردوغان “لنجعل تركيا عظيمة مرة أخرى” بتكاليف عسكرية ودبلوماسية وجيواستراتيجية واقتصادية. تشير المؤشرات إلى أن حملته العسكرية في الخارج قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل – لا سيما في ضوء المبالغ الهائلة من الأموال العامة التي سيحتاج أردوغان إلى إنفاقها لجذب الناخبين قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في عام 2023 (أو قبل ذلك).ختاما؛ إننا أمام نموذج يثير الجدل لدولة تمتلك مشروعًا جذوره تاريخية يثير المخاوف والحذر من التمدد المصاحب لكل خطواته التي تهدد أمن إقليم الشرق الأوسط ومنطقة شرق المتوسط والدول الفاعلة التي لها مصالح مباشرة وغير مباشرة وتهدد منظومة الأمن في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في لحظة يمر بها الاتحاد والولايات المتحدة الأمريكية بتغيير في السياسات والمواقف والإدارات، وقد كان لصعود تلك الدولة والمشروع في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أدوار وتكلفة بشرية ومادية تكبدتها دول المنطقة ودفعت تركيا فيه ثمنا باهظا من إقتصادها وإستقرارها، وهو ما دفع كل الفاعلين للنظر في كيفية التعامل مع هذا الطموح الذي تحول إلى جموح مهدد، إما بالاحتواء أو المواجهة، أملا في أن يكون العقد الثالث لهذا القرن شاهدا على تحجيم تلك القوة الغاشمة التي ترتبط برؤية رئيس لا يرى إلا مجده الشخصى ويوظف كل عناصر القوة الناعمة والصلبة لخدمة هذا المجد، وتحول كل المرتزقة والمقاتلين في المنطقة والأقاليم المجاورة إلى جنود في سبيل طريقه إلى الخلافة واستعادة أمجاد أجداده العثمانيين وهو ينتقل من خطوة إلى أخرى ويغير تحالفاته بين حين والآخر.

Scroll Up