في مشهد بات مألوفًا على مدار السنوات السابقة، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع أمير قطر تميم بن حمد مجددًا يوم الخميس الماضي، ضمن زيارة الأخير لأنقرة لحضور اجتماعات الدورة السادسة للجنة الاستراتيجية العليا التركية-القطرية التي تشكلت للمرة الأولى عام 2014 وتعقد سنويًا بالتناوب بين الدولتين. وتُعد هذه القمة هي الـ 28 بينهما خلال 70 شهرًا، والثالثة خلال العالم الحالي، بما يكشف عمق العلاقات بين البلدين اللذين باتا يمثلان محور الشر في المنطقة، وهو رقم وصفته قناة TRT التركية الرسمية بـ “القياسي” في تاريخ العلاقات بين البلدين، وربما في تاريخ العلاقات الدولية. 

تذلل قطري لأنقرة

في الواقع لم تأتِ القمة بجديد، ولم تخرج عن السياق المتوقع لها، باعتبارها حلقة جديدة في مسلسل الخضوع والخنوع القطري وتقديم فروض الولاء والانتماء لساكن القصر الرئاسي التركي؛ فعلى مدار السنوات الفائتة لم يجد البلدان اللذان وجدا نفسيهما معزولين إقليميًا وعالميًا بفعل سياستهما التخريبية، إلا بعضهما البعض. يحاول كل منهما استنزاف الآخر للحصول على أكبر منفعة ممكنة.  

ولعل مشاهد انحناء تميم أمام العلم التركي خلال مراسم استقباله الرسمية ثم سيره خلف أردوغان عقب المؤتمر الصحفي المشترك، كاشفة لحجم الذل والمهانة والانبطاح الذي باتت فيه الدوحة أمام أنقرة، ومبينة لكيف بات القرار القطري مرهونًا بإشارة من أصبع أردوغان.

وسرعان ما أثار هذا المشهد المهين عاصفة من الانتقادات والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي. وتصدرت هاشتاجات #العلم_التركي و#أردوغان_يحلب_تميم و#تميم_يركع_للأتراك موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” في عدد من الدول العربية، مستنكرين إصرار تميم على التصاغر أمام أردوغان. كما قارن بعض الصحفيين والنشطاء بين الاستقبال المشرف الذي حظي به تميم خلال زياراته للسعودية والإمارات وبين الاستقبال المذل الذي لاقاه في تركيا، وكذا بين مرور ولي العهد السعودي أمام علم باكستان خلال زيارته للدولة وبين تذلل تميم للعلم التركي.

ونستعرض فيما يلي بعض ردود الأفعال على تويتر

ولم يكن هذا الموقف الأول من نوعه، إذ يتعمد أردوغان في كل مرة توجيه الإهانات لرموز النظام القطري دون ان يحركوا ساكنًا، ومن ذلك طلبه خلال زيارته قبل الأخيرة للدوحة، وهو يجلس إلى جانب تميم، من نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بتعديل جلسته وهو ما استجاب له الوزير القطري على الفور، كذلك تعمده السير أمام وزير الدفاع القطري محمد العطية خلال استقباله له في المطار. 

السياقات ودلالات التوقيت

على الرغم من أن مضمون القمة لم يحمل في جوهره شيئًا جديدًا إلا أن توقيتها وسياقاتها الإقليمية والعالمية تمكننا من استجلاء دوافعها الحقيقية وطبيعة الموضوعات التي تم بحثها خلالها، إذ إنها تأتي في خضم تحولات عالمية متنظرة مع تغير سيد البيت الأبيض، فضلًا عن استمرار الشرق الأوسط كبؤرة للتوترات والصراعات. وفي هذا الإطار، يُمكن استشراف أهداف ودوافع الزيارة على النحو التالي:   

• ضمان استمرار تمويل المغامرات الخارجية التركية: لا تزال تركية متورطة في عدة جبهات خارجية من ليبيا إلى شرق المتوسط وسوريا والعراق وناجورنو قره باغ وغيرها. وبات من المعروف أن قطر هي التي تدفع فاتورة التدخلات التركية الخارجية التي توسعت بشكل كبير مؤخرًا ولم تكن تركيا تستطع تحمل أعبائها في ظل ما تشهده من أزمات اقتصادية حادة؛ إذ تلجأ إليها أنقرة كلما ضاق بها الحال وفرغت خزينتها واحتاجت إلى مزيد من الأموال لمواصلة أنشطتها المزعزعة للاستقرار، وتبتزها للحصول على أكبر قدر من التمويل عبر تخويف قادتها من أن هزيمة الأنظمة والجماعات الموالية لها تعني انتهاء دورها الإقليمي الذي تسعى للعبة منذ سنوات.

وكالعادة، من المؤكد أن هذا الملف احتل موقع الصدارة في المباحثات بين الرجلين، خاصة مع وجود بوادر تفيد بأن أردوغان مقبل على فصل جديد من المغامرات الخارجية، يحتاج خلاله لتأمين تدفق الأموال القطرية بشكل منتظم، إذ يعتقد بعض المحللين أن أنقرة قد ترغب في انتهاز الأيام الأخيرة لوجود ترامب في البيت الأبيض لتوجيه ضربة عسكرية جديدة لأكراد سوريا على غرار العملية “نبع السلام” في أكتوبر 2019، وهو أمر هدد به أردوغان مرارًا في أكتوبر الماضي، ويدعم من إمكانيات حدوثه إرسال تعزيزات عسكرية إلى مناطق تمركز المعارضة بإدلب تتمثل في 50 مركبة تحمل معدات لوجستية وعسكرية.

آليات عسكرية تركية تتحرك في رتل في قرية رام حمدان بمحافظة إدلب السورية الخاضعة لسيطرة المعارضة في 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2020 ، على طول طريق إعادة الانتشار.  (تصوير محمد حاج قدور / وكالة الصحافة الفرنسية)

هذا إلى جانب استمرار الدعم التركي لحكومة الوفاق الوطني الليبية، واتجاهها إلى تصنيع السلاح محليًا داخل مجمعات صناعية عسكرية الليبية بيد خبراء عسكريين أتراك، بعدما أصبحت تلقى صعوبات في نقل السلاح إليها، وآخرها اعتراض المهمة البحرية الأوروبية “إيريني” لسفينة تركية تحمل أسلحة ومتجهة إلى ليبيا، ويأتي ذلك في غمرة تصاعد التهديدات التركية بتوسيع نطاق دعمها لميليشيات الوفاق ليشمل منطقتي سرت والجفرة، التي اعتبرتهما مصر خطًا أحمر. وبالطبع سيكون الصندوق السيادي القطري الممول لتلك العمليات، في إطار حرص الدوحة المستمر على تقديم كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي لإخوان ليبيا.

بحث مرحلة ما بعد ترامب: تعتبر هذه القمة الأولى بين أردوغان وتميم عقب فوز الديمقراطي جو بايدن في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فكلا البلدان يحملان مخاوف من طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة خلال الأربع سنوات المقبلة. وعلى الرغم من أن الحال أفضل بعض الشيء بالنسبة لقطر التي تتوق للعب إدارة بايدن دورًا لإنهاء المقاطعة العربية لها، إلا أنها شعرت بالقلق من اختيار بايدن لجيك سوليفان مستشارًا للأمن القومي لما هو معروف عنه من استنكار للدور القطري الداعم للإرهاب، وهو ما يتبين من تصريحاته عام 2017 خلال مؤتمر نظمته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات بشأن “علاقة الدوحة بجماعة الإخوان الإرهابية”، حيث قال: “إننا لا نعطي الأولوية القصوى للتهديدات التي تطال أمننا القومي الناتجة عن تمويل الجماعات الإرهابية من قبل قطر ودول أخرى”.

وأضاف: “علينا بذل جهود إضافية في هذا الخصوص. أما بالنسبة لموضوع القاعدة الجوية في قطر، ففي عالم مثالي يمكن أن تملك الولايات المتحدة قواعد عسكرية في مختلف أرجاء المنطقة، بما في ذلك في قطر. لذا لا أعتقد أن هدفنا يجب أن يكون مغادرة المنطقة وإغلاق المشروع. لكن أعتقد أنه يجب أن يكون لنا خطاب أكثر حزمًا مع شركائنا ونقول لهم: أتعلمون؟ لا يمكننا الاستمرار بهذه الطريقة”.

عاجل وخطير.. بايدن يُطالب «ترامب» بتأديب أردوغان | عرب وعالم | الموجز

أما تركيا فتدرك جيدًا أن العلاقات مع بايدن لن تكون كما كانت عليه خلال عهد ترامب، فمن المتوقع أن تتخذ الإدارة الأمريكية موقفًا متشددًا تجاه صفقة شراء نظام الدفاع الجوي الروسي “إس-400” وجرائمها في سوريا والعراق وليبيا، ورفض تجاوزاتها في شرق المتوسط، ومساندة الموقف الأوروبي في هذا الشأن. وقد يتطور الأمر إلى فرض عقوبات بما تعنيه من ضغوط إضافية على الاقتصاد المنهار. وهنا يحتاج أردوغان أن يؤمن استمرار تدفق المال القطري لانقاذ ما يُمكن انقاذه.

ولعل من المفيد أن نعود بالذاكرة إلى عام 2018، عندما لم يجد أردوغان ملاذًا سوى قطر للتخفيف من وطأة العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترامب على خلفية احتجاز القس الأمريكي أندرو برانسون وتسببت في تراجع الليرة إلى أكثر من 40% هذا العام، حيث استدعى أردوغان تميم إلى أنقرة في أغسطس من نفس العام، ليعلن بعدها أن الدوحة قررت ضخ استثمارات تقدر بـ 18 مليار دولار في الاقتصاد التركي. ويعتبر هذا الموقف كاشفًا لطبيعة الدور المطلوب من الدوحة خلال الفترة المقبلة، إذا ما حدث موقف مشابه.

“الاقتصاد”.. محور الزيارة

الاقتصاد هو المحرك والدافع الأول للعلاقات بين أنقرة والدوحة، لذا ليس من المستغرب أن نكتشف غلبة الطابع الاقتصادي على اللقاء الثامن والعشرين بين أردوغان وتميم، وهو ما اتضح من طبيعة الاتفاقيات الـ 10 الموقعة، حيث تعلقت ثمانية منهم بمجالات التعاون المالي والتجاري والاستثماري، وهي: اتفاقية يبيع بموجبها صندوق الثروة السيادي التركي 10% من أسهمه في بورصة إسطنبول لصندوق الاستثمار القطري، لتنخفض أسهمه إلى 80.6% في البورصة، كونه كان أكبر مساهم فيها بحصة تبلغ 90.6%. 

وسرعان ما انعكست الاتفاقية بالإيجاب على أداء البورصة –الذي أظهرت البيانات تأثره سلبًا طوال السنوات الماضية بالأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بتركيا– إذ شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في نهاية تداولات الخميس بمعدل 1.28%، لتصل إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق، حيث أغلق مؤشر BIST 100 عند مستوى قياسي بـ 1.34 نقطة، مسجلًا ارتفاعًا بمقدار 17.02 نقطة، مقارنة بالإغلاق السابق.

وكذلك اتفاقية تشتري بموجبها شركة قطر القابضة التابعة للصندوق القطري السيادي أسهم 42% من مشروع مركز “إستينيا بارك” التجاري بإسطنبول التي يمتلكها الملياردير التركي فيريت شاهينك، بما يشمله من عدة عقارات استثمارية ومول تجاري ضخم في صفقة ضخمة تبلغ قيمتها مليار دولار. وتهدف الاتفاقية -التي ستصبح بموجبها شركة قطر القابضة شريكة مع شركة العقارات التركية “أورجان قروب” التي تمتلك نسبة الـ58% المتبقية من المركز التجاري- لإنقاذ شاهينك من مليارات الدولارات من الديون التي زادت تكلفة سدادها بعد تراجع سعر الليرة.

المركز الاستشاري الاستثماري | Investment Advisory Center |SKYHIGHماذا تعرف  عن مجمع "إستينيا بارك" الذي اشترته قطر في إسطنبول؟ - المركز الاستشاري  الاستثماري | Investment Advisory Center |SKYHIGH

ومن الاتفاقيات الأخرى ذات الطابع الاقتصادي؛ اتفاقية تمنح الحق لقطر في الاستثمار في مشروع خليج القرن الذهبي في إسطنبول حيث ستقوم ببناء مرسيين فاخرين وفندقين ومسجد ومركز تسوق. واتفاقية توسع الاستثمار القطري في ميناء أنطاليا التركي حيث تنص على شراء أسهم شركة أنطاليا بورت الشرق الأوسط، ليكون للدوحة حق الانتفاع بالميناء وكافة أنشطته وكذلك الاستثمار في الأراضي التابعة له بقيمة 140 مليون دولار. واتفاقية إنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة بين البلدين. واتفاقية للترويج المشترك للأنشطة التجارية بين البلدين. 

واتفاقية لتعزيز التعاون في علاج أزمات المياه تستصلح بموجبها قطر في الأراضي المحيطة بمشروع قناة إسطنبول التي تشهد جفافًا غير مسبوق. ومذكرة تفاهم لتعزيز مجالات التعاون المالي بين وزارتي المالية التركية والقطرية. ولم يخرج عن الطابع الاقتصادي الذي غلف معظم الاتفاقيات سوى مذكرتي تعاون بشأن ملف الأسرة والمرأة والخدمات الاجتماعية، وإعلان نوايا بشأن تبادل الدبلوماسيين بين المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية القطرية والأكاديمية الدبلوماسية بوزارة الخارجية التركية.

تركيا تلزم قطر بمعاهدات واتفاقيات تعاون في مختلف المجالات | أحوال تركية

ويكشف التعاون الاقتصادي والمالي المكثف بين تركيا وقطر عن مدى اعتماد أردوغان على الخزينة القطرية للمساعدة في تخفيف أزمته الاقتصادية. وقد استخدمت الحكومة التركية استراتيجيتين أساسيتين للوصول إلى الثروة القطرية واستغلالها:

  • تقوم الأولى على الحصول على مساعدات ومنح مالية علنًا أو سرًا تحت ستار المساهمة في دعم الحلفاء السوريين أو الليبيين أو الأذريين وغيرهم.
  • تتعلق الثانية بإلزام الدوحة بمعاهدات واتفاقيات تعاون في مختلف المجالات غير عادلة وتحصل تركيا على الاستفادة الأكبر منها من خلال جذب رؤوس الأموال القطرية للاستثمار في تركيا أو تنشيط المبادلات التجارية، والتي تعني عادةً تصدير البضائع التركية إلى قطر. وضمن هذه الاستراتيجية يوقع البلدان اتفاقيات دفاعية وأمنية ترسل أنقرة بموجبها قوات إلى الدوحة مقابل مبالغ مالية متفق عليها، وتتحمل الأخيرة بالكامل نفقات هذه القوات وتدفع رواتبهم وتكاليف نقلهم وإقامتهم.

وقد أسفر هذا عن نمط غير متكافئ من العلاقات الاقتصادية بين البلدين، تحصل بموجبه أنقرة على كل شيء من الدوحة، في مقابل لا شيء. وهو ما يتبين من حجم التجارة والاستثمارات المتبادلة، إذ تخطى حجم رأس المال القطري المستثمر داخل تركيا الـ 22 مليار دولار منهم 18 مليار تعهد بهم تميم خلال زيارته لأنقرة في 15 أغسطس 2018 لإنقاذ الليرة.

كما وصل عدد السياح القطريين في تركيا نحو 110 آلاف عام 2019 مرتفعًا من حوالي 30 ألف عام 2016. كذلك، سيطرت الشركات التركية على الاستثمارات في قطر بواقع 553 شركة بالأخص في مشروعات البنية التحتية التي بلغت قيمتها أكثر من 18 مليار دولار في الفترة بين 2002 و2019، في مقابل 179 شركة قطرية فقط تستثمر في تركيا. وأيضًا، تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين ستة مرات منذ عام 2010 وحتى 2019 مرتفعًا من 340 مليون دولار إلى نحو 2.24 مليار دولار، وتضاعفت صادراتها إلى الدوحة 3 مرات خلال الخمس سنوات الماضية.

وفي إطار خطته لإحكام قبضته على الاقتصاد القطري، تداولت المواقع الإخبارية مؤخرًا أنباء تفيد بسعي أردوغان لتعيين صهره ووزير المالية السابق بيرات البيراق مستشارًا للديوان الأميري القطري بداية من العام المقبل 2021 مقابل 200 ألف دولار شهريًا. وهو الرجل الذي استقال من منصبه قبل أيام على خلفية فشله في إنقاذ الاقتصاد التركي من كبوته سيتحول إلى مستشار اقتصادي لتميم، وبالطبع الهدف واضح وهو السيطرة على ملف العلاقات الاقتصادية الخارجية، وضمان استمرار التمويل القطري للعمليات الخارجية التركية، وجعل الخزينة القطرية رهن إشارته. 

السودان نيوز 365 | بسبب كورونا.. أزمات تحاصر الاقتصاد القطري (فيديوجراف)

وأمام كل هذا لا تملك الدوحة إلا الخضوع بعدما باتت مستعمرة تركية، يقبع فيها الأمير تحت حماية القوات التركية، بينما يعاني اقتصادها من أزمات مالية جراء المقاطعة العربية منذ ثلاث سنوات، وتفاقمت مؤخرًا بفعل أزمة فيروس كورونا، إذ تشهد البلاد أزمة ديون حادة، حيث بلغ إجمالي قيمة القروض المحلية المتراكمة على الحكومة والمؤسسات شبه الحكومية، 91.4 مليار دولار حتى نهاية سبتمبر الماضي، مقارنة بـ 90.5 مليار دولار في أغسطس، وصعد إجمالي القروض بنسبة 16.8%، على أساس سنوي، من 78.19 مليار، بما يعن أن القروض على الحكومة لصالح البنوك المحلية ارتفعت بمقدار 13.2 مليار دولار خلال عام. كما ارتفعت مستحقات أدوات الدين إلى 34.63 مليار دولار.

علاوة على تراجع السيولة النقدية متأثرة بانخفاض أسعار الطاقة وتراجع الصادرات وارتفاع النفقات الجارية. بالإضافة إلى ارتفاع العجز في ميزان الموجودات بالنقد الأجنبي للبنوك القطرية، حيث صعد في سبتمبر الماضي إلى 98.6 مليار دولار، من 96.94 مليار دولار خلال الشهر السابق له، وارتفع عجز الموجودات الأجنبية للبنوك في قطر على أساس سنوي بنسبة 34.1%، وكان قد سجل 73.66 مليار دولار في سبتمبر 2019.

المعارضة تنتفض.. أردوغان يبيع تركيا للدوحة

“لا ينبغي أن يتفاجأ أحد إذا قال أردوغان إنه باع نصف القصر الرئاسي”، هكذا عبر كمال كليتشدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض، على اتفاقيات “البيع” التي شهدتها زيارة تميم الأخيرة. فلم يتوان أردوغان عن عرض مقدرات الشعب التركي في مزاد علني لمن يدفع أكثر، ودائمًا ما حازت قطر على النصيب الأكبر من تلك المبيعات.

فقد سبق أن اشترت شركة كوتريمينال ويل القطرية حق تشغيل ميناء أنطاليا من شركة جلوبال بورت التركية القابضة مقابل 140 مليون دولار. واشترى بنك “قطر الوطني” بنك “فينانس” التركي. واستحوذت الدوحة على ملكية مصنع صفائح الدبابات التركي بمدينة سكاريا القطرية، وعلى حصة أحد الشركات القابضة الموالية لأردوغان بمركز للتسوق في إسطنبول، كذلك اشترت مجموعة قنوات “بين” القطرية قناة “ديجي ترك”، فضلًا عن شراء أمير قطر أحد أهم القصور التاريخية التركية، وهو قصر الأمير برهان الدين أفندي، مقابل 100 مليون يورو، وأهداه لزوجته الثانية الشيخة العنود بنت مانع الهاجري.

وبالإضافة إلى ذلك، عمدت العائلة الحاكمة إلى التمدد في مساحات واسعة من الأراضي التركية، ومن ذلك إنشاء مجمع قصور على مساحة 10 آلاف متر مربع بولاية يالوفا غربي تركيا، وقد أعلنت شركة “كوتش” التركية العاملة فيه الانتهاء من 75% منه. كما أسست الشيخة موزة والدة أمير قطر، في 8 نوفمبر 2018، شركة مساهمة باسم “Triple M” للعقارات السياحية، على أرض قرية باقلالي التابعة لبلدة أرناؤوط كوي المخصصة للزراعة، برأس مال 100 ألف ليرة. وبموجبها تسيطر الشيخة موزة على 45.45% من أسهم الشركة، بينما تمتلك منيرة بنت ناصر المسند زوجة نائب رئيس الوزراء القطري الأسبق عبد الله بن حمد العطية 31.82% من أسهمها، وتمتلك شنا ناصر المسند 22.73%.

https://cdn.al-ain.com/lg/images/2020/10/06/61-164306-a-complex-of-palaces-ruling-family-qatar-turkey-3.jpeg

ثم جاءت التنازلات الأخيرة لتثير موجة من الاستياء بين صفوف المعارضة التي كررت مطالباتها المستمرة بإزاحة أردوغان عن سدة الحكم، والعودة إلى النظام البرلماني، بعدما انتهز الصلاحيات الواسعة التي منحها أياه النظام الرئاسي للتلاعب بمقدرات الشعب التركي وتوزيعها كهبات يمينًا ويسارًا من أجل تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة. وفي هذا الشأن، قال كليتشدار أوغلو خلال مقابلة مع أحد البرامج الحوارية على قناة “فوكس تي في” المحلية، إن نظام أردوغان باع المصانع والأراضي والمصارف وشركات التأمين والقصور ومصنع صفائح الدبابات بمدينة سكاريا دون مقابل”، واستنكر ذلك قائلًا: “ممتلكات من تلك التي تتصرفون فيها؟ إنها ممتلكات 83 مليون تركي”.

وأضاف تعليقًا على بيع 10% من بورصة إسطنبول: “لماذا تبيع 10% من بورصة إسطنبول؟ ما هذا الحب لقطر؟ بجرة قلم حذفوا ديون قطر البالغة 90 مليون دولار. بدلًا من بيع البورصة، كان من الممكن أن تشتري قطر أوراقًا مالية فيها! أملاك من تبيعون؟”.

أما المتحدث باسم الحزب فائق أوزتراق، فعلق على تويتر قائلًا: “لقد باعوا مصنع صفائح الدبابات بولاية سكاريا لقطر، ووزعوا أراضي قناة إسطنبول لكنها لم تكن كافية، ودفعوا 300 مليون ليرة تركية لقطر، ولم تكن كافية أيضًا، الآن يمنحوهم 10% من أسهم بورصة إسطنبول! لتكن تركيا ملك لقطر!”.

وامتدت ردود الفعل الغاضبة إلى نواب الحزب الحاليين والسابقيين؛ إذ أكد نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب إنجين أوزكوتش أن قطر لا يُمكن أن تكون صديقًا لتركيا فهي دولة صغيرة وغنية فقط بالغاز والنفط لكن لا توجد لديها زراعة ولا تكنولوجيا ولا إنتاج. ورأى النائب أيقوت أردوغدو أن تركيا ستتحول إلى ملكية خاصة لقطر، وستواجه عقبات وخيمة في المستقبل من جراء هذا، واعتبر أن خطر الاتكال على الدوحة فيما يتعلق بالتمويل الأجنبي لا يقل خطورة عن الاعتماد بشكل كامل على موسكو في مجال الطاقة. 

أما النائب أنصار أيتكين علق قائلًا: “حب حزب العدالة والتنمية لقطر لا ينتهي، من يتحدثون عن المحلية والجنسية يبيعون أسهم بورصة إسطنبول للقطريين!”. واتهم النائب عن مدينة مرسين علي ماهر باشارير أردوغان ببيع الجيش التركي إلى قطر مشيرًا إلى اتفاقية بيع مصنع الصناعات الدفاعية التركية “تانك باليت” إلى قطر، مقابل 20 مليارًا و50 مليون دولار. فيما قال النائب السابق أرن أردم، أن تركيا تباع لقطر بسبب فشل حكومتها في تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والديمقراطية المطلوبة، مؤكدًا أن كل هذا سوف تسترده الدول بعد أول انتخابات رئاسية مقبلة.

ولم تكتفِ المعارضة بالإدانات، لكن يبدو أنها تعتزم اتخاذ خطوات فعلية ضد اندفاع أردوغان نحو “بيع البلد”، حيث أعلن المحامي دوغان أركان، سكرتير حزب التحرير الشعبي المعارض، أنه سيتقدم بشكوى جنائية ضد بيع 10% من بورصة اسطنبول، مؤكدًا أن الصفقة مخالفة للدستور، ولقانون إنشاء صندوق الثروة السيادي الذي تديره الرئاسة.

وتجاوز الأمر المعارضة التركية، حيث تعالت أصوات الاستنكار بين القطريين الذين رأوا أن أنقرة ورطت بلادهم في اتفاقيات لن تستطيع التخلي عن اعبائها المالية الضخمة في المستقبل، بحيث فقد اقتصادهم استقلاله وأصبح مرتبط بشكل كبير بأنقرة. 

Scroll Up