شكٌل تسليم الجزائر لأحد المعارضين الأتراك المحسوبين على جبهة فتح الله جولن، في الرابع والعشرين من نوفمير 2020، نقطة تحول مهمة في العلاقات التركية الجزائرية، تتجاوز فيها دائرة التنسيق السياسي والاقتصادي لتصل إلى حالة من التنسيق والتعاون الأمني والاستخباراتي، ورغبة مشتركة نحو تعزيز التعاون على الأصعدة المختلفة، ولم تكن تلك هي السابقة الأولى من نوعها بل شهد ملف المطلوبين تطورًا بين الجانبين.

تبادل المطلوبين نهج جديد للتفاعل

إن تسليم الجزائر للمعارض التركي المحسوب على جماعة فتح الله جولن يُعزز من فرضية التحول النوعي والانفتاح الجزائري تجاه أنقرة، والتوجه لفتح صفحة جديدة بينهما، خاصة في مجال التعاون الأمني والاستخباري، بعدما كان الموقف يتسم بالتردد فيما يتعلق بمسألة تبادل المطلوبين خلال فترة الرئيس الجزائري السابق “عبد العزيز بوتفليقة”.

وفي ضوء ملف تبادل المطلوبين وتعزيزًا للتنسيق الأمني والاستخباراتي بين الدولتين، لم تكن تلك الواقعة هي الأولى من نوعها منذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون للسلطة نهاية عام 2019، إذ شهد ذلك الملف تحركًا متناميًا تجلى بصورة كبيرة في تسليم أنقرة لــ “قرميط بنويرة” الذي كان يشغل منصب رئيس أمانة الفريق الراحل “أحمد قايد صالح” رئيس أركان الجيش الجزائري السابق، والمطلوب لدى السلطات الجزائرية بتهمة إفشاء وتسريب وثائق وأسرار عسكرية سرية من مقر وزارة الدفاع الوطني، وقد تمت تلك العملية في الثلاثين من يونيو 2020.

ولعل هذا التطور المحلوظ في ذلك الملف يبرهن على حجم التعاون العسكري والاستخباراتي بين كل من تركيا والجزائر، يُستهدف منه توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية بينهما.

زيارات متبادلة

إن ملف العلاقات بين كل من تركيا والجزائر شهد حالة من الزخم الكبير منذ مطلع العام الجاري، وذلك على خلفية زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” إلى الجزائر في السادس والعشرين من يناير 2020، على خلفية دعوة الرئيس الجزائر “عبد المجيد تبون” والتي تستهدف من خلالها التنسيق لوقف مسار التصعيد العسكري التركي داخل ليبيا، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة على الأمن القومي الجزائري.

ولم تكن تلك هي الزيارة الوحيدة على الصعيد الرسمي بل شهدت زيارات أخرى مماثلة على صعيد وزراء الخارجية وذلك في ضوء رغبة أنقرة في استمالة الجزائر لمحورها الداعم لحكومة الوفاق الوطنية برئاسة “فايز السراج” كما هو الحال بالنسبة لزيارة “مولود جاووش أوغلو” وزير الخارجية التركي للجزائر في السادس من يناير مطلع العام الجاري والتي تزامنت مع زيارة “السراج”، ولعل تلك الزيارات تأتي في أعقاب توقيع أنقرة وطرابلس اتفاق أمني وترسيم للحدود بين حكومة الوفاق وتركيا والإعلان عن إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا.

واتصالًا بالسابق؛ جاءت زيارة وزير الخارجية الجزائري “صبري بوقادم” إلى أنقرة في الأول من سبتمبر 2020 لتبرهن على الرغبة التركية في توطيد علاقتها بالجزائر، فضلًا عن استمالتها في خضم المشهد الليبي بعدما شهدت الجزائر تغيرًا سياسيًا جذريًا، ورغبتها في استعادة مكانتها الإقليمية خاصة في إطار الصراع الممتد في ليبيا عقب فترة من التراجع والانخراط الحذر في هذا الملف إبان فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقية.

أهداف متعددة

تكمن الأهداف التركية وكذلك الجزائرية الناجمة عن الزيارات المختلفة التي أشرنا إليها أعلاه، فضلًا عن مرونة التعاطي فيما يتعلق بملف تبادل المطلوبين، في النقاط التالية، أولًا الأهداف التركية وتليها الأهداف الجزائرية.

  1. العمل على خلق محور داعم للتحرك التركي في الملف الليبي بالتركيز على دول الجوار الجغرافي الليبي وتطويق ليبيا عبر الجوار الجغرافي لها وخلق موطئ قدم في الجزائر لهذا الهدف بعدما فشلت في استمالة تونس لها لفتح حدودها أمام تدفقات المرتزقة إلى ليبيا، وما يبرهن ذلك هو أجندة اللقاء الذي لطالما تركزت على الملف الليبي في ضوء الزيارات المختلفة التي أشرنا إليها أعلاه. 
  2. ولا يمكن فصل الداخل التركي عن خارطة التحرك التركي في أفريقيا ومنها تسويق صورة ذهنية للرأي العام الداخلي مفاداها انتهاج حزب العدالة والتنمية سياسات متوازنة في التفاعل الخارجي، فضلًا عن دعم مسار التحولات الديمقراطية في الدول الأفريقية، وهو ما يُفهم من خلال حالة الإسراع التركي للوجود في خضم المشهد المشهد الجزائري في أعقاب أسابيع قليلة من انتخاب الرئيس الحالي “عبد المجيد تبون” عقب انتهاء الفترة الانتقالية وتنظيم الانتخابات في ديسمبر لعام 2019.
  3. فتح ساحات اشتباك جديدة وتشكيل مسرح ضاغط على فرنسا، خاصة في أعقاب حالة التصعيد التي تشهدها الدولتين في الملف الليبي وكذا في نطاق البحر المتوسط على خلفية اتفاقيات ترسيم الحدود والانتهاكات التركية لمبادئ القانون الدولي، وبما يمثل أحد أوراق الضغط على فرنسا في معادلة شرق المتوسط وتعزيز موقفها في تلك المنطقة، في ضوء سياسة المناكفة معها في ذلك النطاق، خاصة وأن أنقرة تعي جيدًا الوضعية الاستراتيجية للجزائر على أولويات التحرك الفرنسي في شمال أفريقيا التي تتماس مع منطقة الساحل والصحراء.
  4. الرغبة التركية في تطويق حركة فتح جولن داخل العمق الأفريقي، وهو ما تجلى في تسليم أحد المطلوبين الأتراك الموالين للحركة كما أشرنا إليه أعلاه، والسيطرة على المدارس الخاصة بالحركة داخل الجزائر.
  5. العمل على إعادة الانتشار داخل أفريقيا واستخدام الجزائر كمعبر مهم للتغلغل في منطقة الساحل والصحراء، مما يفهم منه رغبة أنقرة في الابتعاد عن الدوائر التقليدية ذات التنافس الإقليمي مثل منطقة القرن الأفريقي، وتباعًا لذلك الهدف والذي يرتبط به هدف أخر وهو العمل على إعادة توطين الجماعات المسلحة والمرتزقة داخل الساحل والصحراء بعدما فشلت بصورة كبيرة في استخدامهم داخل الساحة الليبية.
  6. الرغبة التركية في تأمين احتياجاتها من الطاقة خاصة الغاز الطبيعي من الجزائر كمسار موازٍ لإخفاقات أنقرة في تحقيق اكتشافات تذكر في شرق المتوسط وتصدع العلاقات التركية مع كل من قبرص واليونان وخروجها من معادلة شرق المتوسط، وبالتالي تستهدف أنقرة في تمديد العمل باتفاقية تزويد الجزائر لأنقرة بالغاز المسال لسنوات إضافية مع زيادة الكميات بنسبة 50%، خاصة في إطار كون الجزائر رابع اكبر مورد للغاز الطبيعي لتركيا، وتعد ثاني أكبر شريك لتركيا في أفريقيا، خاصة في ظل ما تعانيه تركيا من حالة ركود اقتصادي، خاصة وأن الجزائر تعتبر الشريك الاقتصادي الأساسي لأنقرة في منطقة شمال أفريقيا.

وتتمثل الأهداف الجزائرية فيما يلي:

  1. إن المتأمل لسياسات الجزائر تجاه تركيا نجد أنها تعمل على تحقيق قدر من التوازن في التعاطي معها كقوة إقليمية وبين فرنسا خاصة في ظل استمرارية تركيا في إقحام وتوظيف الجزائر في خلافاتها مع فرنسا خاصة فيما يتعلق بملفات الذاكرة وتصفية الخلافات بين أنقرة وباريس فيما يخص مجازر الأرمن والعمل على فتح ملف الماضي الاستعماري لفرنسا داخل الجزائر، وفي ذات الوقت تعمل الجزائر على فك الارتباط بالطرف الفرنسي خاصة في ظل فقدان فرنسا لنفوذها داخل الإطار الإقليمي لذا ساهم ذلك في تسريع ظهور تركيا كمركز قوة بديل لفرنسا.
  2. واتصالًا للسابق؛ فإن المساعي الجزائرية الخارجية في ضوء تفاعلها مع أنقرة تتبلور في تهدئة الأوضاع داخل الساحة الليبية لما تمثله من ضغط متزايد على الحدود الجزائرية وعلى صعيد الأمن القومي الجزائري، وبالتالي الرغبة في بلورة استراتيجية تحد من تفاقم الصراع داخل ليبيا تحقق في النهاية الاستقرار داخل تلك الجارة الهامة التي تربطها حدود تصل لنحو 1000 كم، ولعل هذا الهدف يعود إلى فكرة التلاقي بين الدولتين في توجهما حيال الصراع الليبي والمتمثل في دعم حكومة السراج وكذلك اعتبار طرابلس بالنسبة لهما خط أخمر كما عبرت عنه وزارة الخارجية الجزائرية في بيانها الصادر في السادس من يناير مطلع العام الجاري.
  3. وارتباطًا بما تم ذكره؛ ترغب الجزائر في تحقيق تموضع متباين عما كان عليه الوضع إبان الرئيس “بوتفليقية” تستهدف من خلاله العمل على إعادة التواجد مرة أخرى في الملفات الإقليمية المختلفة، لذا تعمل الجزائر على فك الفلك الذي تدور فيه والقاصر على الجانب الاقتصادي في تعاطيها مع أنقرة والرغبة في تشكيل تحالفات سياسية إقليمية مختلفة، لذا نجد أن الجزائر تستهدف من وراء حالة التقارب مع تركيا إلى فتح باب التشاور لمزيد من التعاون السياسي والأمني.

أدوات متعددة

تتمثل الأدوات التركية في التغلغل في الداخل الجزائري في الأداة الاقتصادية والتي تجلت فيما يتعلق باتفاقية الصداقة التي وقعت بين أنقرة والجزائر في عام 2006 التي تم من خلالها رفع مستوى التبادل التجاري لنحو 5 مليارات دولار، فضلًا عن جانب الاستثمارات التراكية في الجزائر والتي بلغت قرابة 3.5 مليار دلار وتستهدف أنقرة لزيادتها لنحو 5 مليارات دولار وذلك عبر تعظيم الاستفادة من الشركات التركية المتواجدة في الجزائر والتي يبلغ عددها نحو 800 شركة، حيث تستثمر تركيا في مجال الصناعات النسيجية في منطقة غليزام غرب العاصمة الجزائرية وكذلك في صناعات الحديد والفولاذ والتي تصل لنحو 2.5 مليار دولار، فضلًا عن الاستثمارات في مجال المصانع بنحو 200 مليون دولار، وذلك من خلال الاتفاق على تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة التي شهدت آخر اجتماع لها عام 2002.

إضافة للسابق، فقد عملت أنقرة على تأسيس اللجنة المشتركة التركية الجزائرية وذلك في عام 2012 لتعزيز التعاون بين البلدين، ومن المقرر أن تستأنف اجتماعاتها مطلع عام 2021، وتحقيقًا لذلك فقد تم إطلاق منصة رقمية للتواصل بين المستثمرين ورجال الأعمال من البلدين لتناول فرص الاستثمارات المختلفة داخل الجزائر، علاوة على كونه آلية لبحث إنشاء السوق الحرة بين البلدين، وهو الأمر الذي عبرت عنه السفيرة التركية في الجزائر.

فضلًا عن ذلك تستخدم تركيا الأداة الدبلوماسية في تحقيق أهدافها، وتجلى ذلك بصورة كبيرة في الحصول على قطعة أرض لتركيا لبناء سفارة جديدة بالطراز التركي، وهو أبسط أنواع الغزو الثقافي والفكري في العمق الجزائري، فضلًا عن ذلك هناك تغلغل ثقافي داخل أنقرة يتجلى في اعتزام أنقرة فتح “مركز يونس أمرة” للثقافة التركية في الجزائر، وذلك في ضوء البروتوكولات الموقعة بين الجانبين، ليس هذا فحسب بل عمدت أنقرة إلى توقيع اتفاقية في نهاية عام 2019 تهدف إلى افتتاح أول مدرسة تركيا خاصة في الجزائر تتبع مؤسسة وقف المعارف التركية علاوة على اتفاقيات التعاون العلمي بين الجانبين على خلفية اتفاقيات التوأمة بين عدد من الجامعات الدولتين وتعزيز التعاون في مجال البعثات التعليمية، واستكمالًا للتغلغل الثقافي والعلمي تقوم تركيا بترميم بعض المعالم الآثرية التي تعود للحقبة العثمانية كما هو الحال بالنسبة لــ  “جامع كتشاوة” بالعاصمة إلى جانب قصر ” الباي” بولاية وهران.

أحد الأدوات الأخرى المستخدمة تتمثل في زيادة المنتجات ذات الطابع العسكري والاستراتيجي مع الجزائر، بما يحقق لتركيا فتح مجال واسع أمام تصدير أسلحتها داخل الجزائر، مستغلة بذلك الاهتمام الجزائري بالتسليح وصفقات التسليح والتي برزت بصورة كبيرة في عام 2019 حيث أنفقت نحو 10.3 مليار دولار على شراء الأسلحة وهو ما يقارب بنسبة 44% من إجمالي النفقات العسكرية بالمنطقة. وفي الختام؛  إن الموقف الجزائري الرسمي بات يتسم بقدر من المرونه والانفتاح الملحوظ في تعامله مع تركيا، وذلك مقارنة بالوضع الذي كانت تشهده العلاقات بين البلدين إبان حكم الرئيس الراحل “بوتفليقية”، وذلك في ضوء سياسة خلط الأوراق وتعظيم الاستفادة من المتغيرات الناجمة عن تردي الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، مثلما حدث في المشهد الجزائري.

Scroll Up