على امتداد الزمن كان لمصر تجربة رائدة وربما غير مسبوقة في التعايش بين الأديان المختلفة، وعرفت قبل دول كثيرة قيم التسامح وقبول الآخر وطبقتها بشكل طبيعي قبل ظهور مواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان، ويرجع ذلك إلى طبيعة الشعب المصري المتسامحة ونسيج شعبها المترابط الذي لم يعرف تاريخه حروباً أهلية أو صراعات ذات صبغة دينية، وعاشت الكنيسة بجوار المسجد لقرون من الزمان حتى أن المستشرقين تحدثوا عن صعوبة التفرقة بين المسلم والمسيحي في مصر سوى أن الأول يذهب إلى المسجد والآخر إلى الكنيسة.

بالتأكيد مرت أيام صعبة على دولة المواطنة المصرية وربما كان أصعبها فترة الاحتلال العثماني لمصر، والتي شهدت ما سمى بالخط أو الموشح الهمايوني الذي صدر في فبراير سنة 1856 في عهد السلطان عبد المجيد والذي تردد الأبواق التركية أنه تضمن إصلاحات وحقوقا للأقباط بينما الحقيقة كانت عكس ذلك، فقد وضع قيودًا على بناء الكنائس والأديرة في مصر وربطها بموافقة الباب العالي في تركيا، وقد تُرجم هذا الخط المقيد بإجراءات إدارية تفصيلية وضعها وكيل وزارة الداخلية العزبي باشا عام 1934 والمعروفة بشروط العزبي باشا العشرة، وكانت أقرب إلى منع بناء الكنائس منها إلى إتاحة البناء بل وإهمال ما تهدم حتى تنتهي الكنائس من مصر.

ومع ظهور جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية عام 1928 تسللت عبر عناصرها أفكار التطرف والتعصب الديني إلى المجتمع المصري، والذي اتخذ أكثر من شكل مثل التحرش العقائدي بالأقباط والهجوم على الكنائس والذي ظهر بشكل سافر خلال عام حكمهم لمصر والذي شهد لأول مرة في التاريخ هجومًا واقتحامًا للمقر الباباوي فى العباسية، ثم شهد إسقاط حكمهم عقب ثورة 30 يونيو عمليات إرهابية تستهدف قتل المسيحيين وتفجير الكنائس، وقد أعطت الجماعة الأوامر إلى ميليشياتها المتواجدة في المحافظات لتمارس ما تدربت عليه من إجرام وإرهاب لحرق أكثر من 80 كنيسة في ‏محافظات ‏مصر، ‏خصوصًا في الصعيد، وخلق بؤر توتر بين المواطنين، كما شجعت عناصرها المتطرفة ‏على تنفيذ ‏عمليات ‏مسلحة ضد الأقباط، وقد ظلت المنظمات الحقوقية الدولية لسنوات تنتقد أوضاع الأقباط في مصر في ظل الانتهاكات والهجمات الإرهابية التي استهدفت الكنائس وكانت هناك إشارات لمسألة التمييز ضد الأقباط فى تولى المناصب العامة.

إلا أن تلك الحالة اختلفت وتغيرت تمامًا مع بداية عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي حيث قرر أن يكون أول حاكم مصري يذهب بنفسه إلى قداس عيد الميلاد لتهنئة الأقباط بالعيد من داخل الكاتدرائية، وثاني رئيس جمهورية يتبرع من ماله الخاص لبناء أول كاتدرائية في العاصمة الإدارية الجديدة بعد الرئيس جمال عبد الناصر الذى تبرع لبناء الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وفي المقابل ضرب البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية المثل في الانتماء للوطن وتقدير حجم المخاطر، التي تحيق به بقوله (وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن) لافتا إلى أن حال الوطن لا يمكن أن يستقيم إلا بمشاركة كل أبنائه في البناء، وأن عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي يشهد تمكينًا وتأسيسًا حقيقيًّا لدولة المواطنة.

وجاء الدستور المصري الصادر في عام 2014 ليؤكد على منع التمييز بين المواطنين وضمان مساواة الجميع أمام القانون حيث نصت المادة (53) من الدستور على أن المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو العرق أو اللون أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي أسباب أخرى، وأقر الدستور أيضًا أن التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون، فضلًا عن النص دستوريًا على التزام الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وهو ما يتفق مع المواثيق والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها مصر والخاصة بالحقوق المدنية والسياسية.

قانون بناء الكنائس

انتهى الجدل حول مسألة بناء الكنائس بصدور قانون ينظم بنائها بشكل صريح وواضح لأول مرة في التاريخ، حيث صدر القانون رقم 80 لسنة 2016 والذي أسقط للأبد الخط الهمايوني وأصبحت هناك قواعد محددة لبناء الكنائس وقدر رحبت به الكنيسة المصرية الأرثوذكسية وكل الطوائف المسيحية بالقانون الجديد، كما أنشأت الحكومة لجنة لتقنين أوضاع الكنائس في مصر برئاسة رئيس الوزراء ووزراء العدل، والتنمية المحلية، ووزير شؤون المجالس النيابية، والمهندس محمد هشام درويش رئيس قطاع التشييد والبناء بوزارة الإسكان- مسؤول ملف الكنائس، ومسئولي الجهات المعنية ويبلغ عدد الكنائس والمباني التي تمت الموافقة على توفيق أوضاعها منذ بدء عمل اللجنة وحتى نوفمبر2020 حوالي 1738 كنيسة ومبنى تابعًا تتبع الكنيسة الأرثوذكسية والطائفة الإنجيلية.

تجديد الخطاب الديني

أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي ندءًا للمؤسسات الدينية لتجديد الخطاب الديني وزيادة التوعية فيما يخص مواجهة الأفكار المتطرفة، وعلى إثر ذلك قام الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف بعدة أنشطة ومؤتمرات، وتم إصدار وثيقة القاهرة للمواطنة وتجديد الخطاب الديني وشملت الوثيقة، التأكيد على مشروعية الدولة الوطنية وترسيخ مفهوم المواطنة المتكافئة، وبيان أن مصالح الأوطان لا تنفك عن مقاصد الأديان وتعزيز مفاهيم الوحدة الوطنية، تنظيرا وتطبيقا وتحويلها إلى واقع وثقافة مجتمعية راسخة، والتأكيد على احترام الآخر المختلف عقائديًا، أو فكريًا، وعلى ترسيخ أسس العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد، والعمل على نشر السلام العالمي.

تولي الأقباط المناصب العليا

تم اختيار العديد من الشخصيات القبطية لشغل المناصب القيادية وكان آخرها انتخاب النائبة فيبي فوزي جرجس لوكالة مجلس الشيوخ لتصبح أول سيدة تتولى ذلك المنصب بعد إعادة تشكيل المجلس في ضوء التعديلات الدستورية الأخيرة، وفوز عدد من الأقباط على القائمة الوطنية في انتخابات مجلس النواب فضلًا عن تولى شخصيات قبطية لمنصب المحافظ بأكثر من محافظة وتولى عددًا منهم مناصب قيادية أخرى في الدولة.

إجازة الحج للقدس

ولأول مرة في تاريخ مصر، قضت المحكمة الدستورية العليا بالسماح للموظفين المسيحيين بإجازة شهر لزيارة بيت المقدس في القدس وبراتب كامل أسوة بالقرار المتبع مع الموظفين المسلمين أثناء تأديتهم فريضة الحج وقضت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 71 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، والبند رقم 1 منها والذي يتضمن قصر نطاق تطبيق أحكامهما على أداء فريضة الحج للمسلمين دون زيارة بيت المقدس بالنسبة للموظفين المسيحيين .

وأصدرت المحكمة حكمها استنادًا إلى أن التنظيم الذي تضمنه النص المطعون فيه لم يتضمن تقرير الحق في إجازة وجوبية للعاملين المسيحيين المخاطبين بأحكام قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، لمدة شهر بأجر كامل ولمرة واحدة طوال حياتهم الوظيفية، لزيارة بيت المقدس، مع عدم احتسابها ضمن الإجازات الاعتيادية المقررة بذلك القانون وقصر منحها على أداء فريضة الحج.

كما استند للنص الدستوري الداعم لعدم التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو العرق أو الدين أو النوع، إلا أنه من الناحية العملية يصعب تطبيقه التزامًا بقرار سابق اتخذته الكنيسة في عهد البابا شنودة الثالث بابا الأقباط الراحل والذي يقضي بحظر سفر الأقباط إلى القدس إلا بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي، دون ذلك يمكن لأصحاب الطوائف المسيحية الأخرى مثل الكاثوليك الاستفادة من الحكم والسفر للقدس في إجازة مدفوعة ولمدة شهر كامل ولمرة واحدة.

منتدى السماحة والوسطية

قررت وزارة الأوقاف إنشاء منتدى السماحة والوسطية بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالوزارة وتعنى بإقامة المؤتمرات والندوات وتأليف وطباعة الكتب والنشرات، التي تدعم فقه التعايش والتواصل الحضاري، وأوضحت الوزارة أن الإدارة ستعمل على نشر مبادئ الوسطية وسماحة الإسلام في مواجهة كل ألوان التشدد والإرهاب، وقد أصدر المنتدى كتابًا بعنوان «حماية الكنائس في الإسلام»، وشارك في تقديمه الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف، والدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، وتتم ترجمته إلى جميع اللغات، والكتاب مقسم إلى عدة فصول لمجموعة من المؤلفين الذين يناقشون قضية بناء الكنائس من مختلف الوجوه الشرعية والفقهية والتاريخية، ويؤكدون أن بناء الكنائس وحمايتها من الواجبات الشرعية التي أقرها الدين الإسلامي احتراماً لكل الشرائع السماوية، وتضمن الكتاب أدلة شرعية على أن حماية الكنائس فريضة دينية والرد على ما تثيره الجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة في الأذهان من مغالطات حول بناء دور العبادة لغير المسلمين، كما قدم الكتاب شرحًا حول إن الإسلام قد أباح لغير المسلمين ممارسة شعائر دينهم فلا تُهدم لهم بيعة أو كنيسة ولا يُكسر لهم صليب بناء على القاعدة العامة في حقوق أهل الذمة، وأن «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» وأن «نتركهم وما يدينون».

بيت العائلة المصرية

قام الأزهر الشريف بإنشاء بيت العائلة المصرية، بالتعاون مع الكنيسة الأرثوذكسية بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 2011 وتجمع فيها ممثلو الطوائف المسيحية وعلماء الأزهر في مصر وعدد من الخبراء والمتخصصين، وكان الهدف منه الحفاظ على النسيج الوطني الواحد لأبناء مصر ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يكون لبيت العائلة الاتصال والتنسيق مع جميع الهيئات والوزارات المعنية في الدولة وتقديم مقترحاته وتوصياته إليها، وعقد المؤتمرات واللقاءات في جميع المحافظات، وخلالها تم التأكيد على القيم العليا والقواسم المشتركة بين الأديان والثقافات والحضارات الإنسانية المتعددة، وبلورة خطاب جديد ينبثق منه أسلوب من التربية الخلقية والفكرية بما يناسب حاجات الشباب والنشء، ويشجع على الانخراط العقلي في ثقافة السلام ونبذ الكراهية والعنف والتعرف على الآخر، وإرساء أسس التعاون والتعايش واقتراح الوسائل الوقائية للحفاظ على السلام المجتمعي وقد لعب دورًا كبيرًا في وأد الفتنة الطائفية، وعمل على حل العديد من النزاعات الطائفية السابقة.

مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة

وتنبهت دار الإفتاء المصرية لخطورة الأفكار الموجودة على الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي والتي تبثها التنظيمات المتطرفة، وأنشات مرصدًا للفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة لخدمة المؤسسة الدينية باعتبارها المرجعية الإسلامية الأولى في مجال الفتوى، واشتبك المرصد مع الفتاوى التكفيرية التي بثتها جماعة الإخوان الإرهابية وأيضا التنظيمات الإرهابية الأخرى وتصدت للحرب النفسية والشائعات والمواقف الدينية الجدلية، لتمثل مرجعية لكل من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل يقطع الطريق على محاولات إثارة الفتنة الطائفية وغيرها من محاولات إثارة الفوضى في الشارع المصري.

وحدة الرصد والتحليل بمكتب النائب العام

تصدت وحدة الرصد والتحليل بمكتب النائب العام، لمحاولات اللجان الإلكترونية الإخوانية إثارة الفتنة الطائفية عبر مراقبتها لنقاشات المسلمين والمسيحيين على السوشيال ميديا، والتي قد تتضمن تهجمًا على الثوابت الدينية للإسلام أو المسيحية ثم قامت باستخدامها في عمليات الشحن الطائفي كأداة لإثارة الفوضى فى المجتمع، وقد قامت الوحدة برصد عدد من تلك الحالات وتعاملت معها بالقانون عبر استدعاء أطرافها وتحذيرهم من تكرار ما قد يثير روح الفتنة والتعصب بشكل قانوني، وهو ما نجح في تقليل خطورة مثل تلك المحاولات وبرهن على عزم الدولة التعامل مع مثل تلك الأزمات بالقانون.

لقد كان لهذه الآليات اثرًا ايجابيًا في دعم توجه الدولة نحو ترسيخ قيم المواطنة وضمان حرية العبادة وعدم التمييز بين المصريين، وإبعاد هاجس إثارة الفتنة والشحن الطائفي، وبالقطع لن تكون نهاية المطاف فما غرسته أدبيات الجماعة الإرهابية في الأذهان من تطرف وعدم قبول للآخر سيظل عالقاً في الأذهان خاصة مع استخدام الإخوان لأدوات التواصل الحديثة وعدم وجود تعاون دولي لوقف ما تبثه قنوات ومواقع الإخوان والمتطرفين خارج مصر، من مواد تشحن المصريين ضد بعضهم البعض وهو ما يزيد من صعوبة مهمة الدولة في التصدي بشكل دائم لتلك الأفكار، رغم توسعها فى الاهتمام بغرس تلك القيم عبر مناهج التعليم وداخل الاسر المصرية من خلال استخدام القوى الناعمة والدراما لتعزيز قيم التسامح ومنع التمييز والتعايش بين المصريين.

Scroll Up