في أعقاب اغتيال العالم النووي الكبير محسن فخري زادة انصب الاهتمام العالمي علي الرد الإيراني المتوقع علي واقعة الاغتيال ، وهذا الاهتمام بالطبع له ما يبرره سواء بسبب الرمزية الكبيرة للرجل الذي يوصف بأنه أبو البرنامج النووي الإيراني فضلاً عن دوره في البرنامج الصاروخي ، أو بسبب مبادرة المسؤولين الإيرانيين ومنذ اللحظة الأولي بتحميل إسرائيل مسؤولية استهداف زادة ، وهذا يعني بالتالي أن الرد يجب أن يوجع إسرائيل ، وهو أمر له أبعاد خطيرة .

إن استهداف إسرائيل لا يتأتى إلا عبر تسخين إما جبهة لبنان أو جبهة غزة ، وفي الحالتين لابد من إجراء حسابات دقيقة لأن هاتين الساحتين تفوق تعقيداتهما بكثير التعقيدات الموجودة في ساحات النفوذ الإيراني الأخرى كالعراق واليمن . ومن جانبها حرصت إسرائيل أن توفر كل المقدمات التي تؤدي لاستنتاج أنها من وراء الاغتيال لكن دون إعلان مسؤوليتها عن هذه العملية بشكل رسمي ، ومن ذلك مثلاً حديث نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي عن إنه لا يستطيع الكشف عن كل إنجازاته في الأسبوع الذي قُتِل فيه زادة ، وتغريد باراك راڤيد الصحفي الإسرائيلي بالقول إن فخري زادة كان مطلوباً لسنوات عديدة من قِبَل الموساد ، وساعدت الإدارة الأمريكية في تعزيز هذا الاستنتاج بصور مختلفة ، والهدف بطبيعة الحال هو إحراج إيران بالقول : ها هي شواهد ضلوع إسرائيل في اغتيال العقل المدبر للبرنامج النووي فماذا أنتِ فاعلة ؟ وهذه الورطة التي وجد المسؤولون الإيرانيون أنفسهم فيها دَفَعَت بعضهم للحذر لاحقاً من اتهام إسرائيل علي اعتبار أنه احتمال لم يتأكد بعد.

إذن هناك مبرر للاهتمام بالرد الإيراني للأسباب المذكورة وكذلك لأن هذا الرد إن اتسم بالتهور قد يؤدي إلي ضربة عسكرية أمريكية مضادة ، إذ يستطيع ترامب في حال استهداف جنوده في العراق مثلاً أن يتحرر من نصيحة أركان إدارته بعدم مهاجمة إيران ، وهو ما كان يفكر فيه فعلاً بعد صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي تحدث عن مضاعفة إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب . لكن بموازاة هذا الاهتمام بالتداعيات الخارجية لواقعة الاغتيال من المهم الالتفات أيضا إلي التداعيات الداخلية الإيرانية التي غابت عن كثير من التحليلات السياسية ، ويمكن مناقشة هذه التداعيات الأخيرة من ثلاثة جوانب أساسية . الجانب الأول هو إدراك النظام الإيراني أن هناك طرفاً داخلياً يساعد الخارج في استهداف منشآتها النووية ومحطاتها الكهربائية و مصانعها وعلمائها ، وطالما ظل هذا الطرف مجهولاً فسوف تتوالي الخروقات الأمنية . بوسع إيران بالطبع أن تتهم منظمة مجاهدي خلق بتسهيل مهمة إسرائيل كما صرح كمال خرازي الأمين العام لمجلس الأمن القومي ، لكن مجاهدي خلق لاهي بالقوة التي تروج لها إيران ، ولاهي وحدها الجهة التي لها خصومة مع النظام الإيراني القائم فهناك أكثر من قومية من القوميات المكونة للشعب الإيراني لها أيضاً خصوماتها ، فهناك عرب الأحواز وجبهة تحريرهم وهناك المعارضة الآذرية المقيمة في جمهورية أذربيجان والمتطلعة إلي تكوين ما يسمي بأذربيجان الكبرى بما فيما تلك الإيرانية ، وبخلاف ذلك فإن هناك بقايا المسلحين الذين نقلتهم تركيا من سوريا لناجورنو كاراباخ والذين يبيعون أنفسهم لمن يدفع الثمن ، والذي يريد قص أجنحة إيران لن يتورع عن دفع الثمن . والقصد أن إيران سيكون عليها أن تبحث عن عدوها في الداخل وهذه مسألة صعبة قد تلجئها لتشديد قبضتها الأمنية والتضييق علي الحقوق و الحريات -ما يخلق مزيداً من المشاكل مع الإدارة الأمريكية الجديدة .

الجانب الثاني هو الخلاف بين المؤسسات الإيرانية حول سياسة الرد علي الاغتيال ، وذلك كما حدث بإقرار كلٍ من مجلس الشوري ومجلس صيانة الدستور قانوناً يقضي بالتحلل مما تبقي من التزامات إيران النووية ما لم يتم تخفيف العقوبات خلال شهرين ، ومعارضة رئيس الجمهورية والحكومة في المقابل هذه الخطوة لما يوجد بها من تصعيد كبير . بطبيعة الحال فإن مثل هذا الخلاف بين الجناحين التشريعي والتنفيذي يتكرر من وقت لآخر ، وهو يخدم فكرة تعدد الألسنة التي تتكلم بها إيران ويعطيها مساحة للمناورة والضغط علي الخارج . لكن النقطة هي أنه مع اهتزاز مصداقية النظام تبدأ في الظهور تناقضات أخري لم يتعود الرأي العام الإيراني علي مناقشتها في العلن .نحن نعلم أنه في شهر مايو الماضي اشتكي المنسق العام للجيش الأدميرال حبيب الله سياري من تضخم دور الحرس في الشأن العام ، ثم ما لبث أن سُحب الخبر من موقع وكالة إرنا الإيرانية لأن التنافس القديم بين الجيش والحرس هو في الأصل تنافس مكتوم ، فهل تغير الأمر وهل يتعزز هذا التغيير ؟ .

تقودنا مسألة المصداقية هذه إلي الجانب الثالث والأكثر خطورة علي الإطلاق وهو أثر الاغتيال( والخروقات الأمنية الداخلية بشكل عام ) علي العقيدة العسكرية للنظام الإيراني . إن مقدمة دستور الجمهورية الإسلامية وتحت عنوان “الجيش العقائدي”  تنص علي أن القوات المسلحة (الجيش+ الثورة) لا تلتزم فقط بحماية وحراسة الحدود لكنها تلتزم أيضاً بتحمل رسالتها العالمية و”الجهاد من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم ” . مثل هذا الالتزام هو الأساس الذي انبني عليه مفهوم تصدير الثورة وعقّد علاقات إيران مع العالم ، لكن كيف يصمد هذا الالتزام الخارجي إذا كان الداخل الإيراني نفسه مكشوفاً ؟

إن الفترة الممتدة من ديسمبر ٢٠٢٠ وحتي يونيو ٢٠٢١ توجد بها عدة مناسبات إيرانية مهمة : ذكري اغتيال قاسم سليماني في يناير وذكري نجاح الثورة في فبراير وموعد الانتخابات الرئاسية في يونيو ، ويبدو الأمر كما لو أن هذه الانتخابات سوف تكون هي المختبر للتفاعل بين فرص الثورة في استمرار الترويج لنجاحها من جانب ، والتحديات غير المسبوقة التي تواجهها من جانب آخر .

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عددها الصادر اليوم 5 ديسمبر 2020

Scroll Up