أبرز الملفات يجري الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارة إلى فرنسا على مدار أيام الأحد والاثنين والثلاثاء 5 و6 و7 ديسمبر الجاري. وتبرز أهمية الزيارة بالنظر إلى توقيتها الشراكة الاستراتيجية بعيدة المدى بين البلدين، إذ إنها تأتي في ظل متغيرات أبرز عناصرها أزمة جائحة فيروس كورونا وتبعاتها الكبرى والتوترات في الإقليم وانتخاب الرئيس الديمقراطي جو بايدن في الولايات المتحدة الأمريكية. وتنظر باريس للقاهرة على أنها شريك استراتيجي وضروري للاستقرار في الشرق الأوسط.

وتأتي الزيارة عقب أخرى مماثلة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر يناير 2019 والتي وقع خلالها الزعيمان سلسلة من الاتفاقيات الثنائية، لا سيما في قطاع تطوير مترو الاتفاق. كما أنها تأتي عقب مشاركة السيسي في المؤتمر الدولي الخاص بدعم الشعب اللبناني الذي دعت له فرنسا وعقد افتراضيًا يوم الأربعاء الماضي، حيث ألقى فيه كلمة لدعم الشعب اللبناني.

أبرز الملفات التي يتناولها جدول أعمال الزيارة

من المقرر أن يصل السيسي إلى باريس مساء غد الأحد، حيث سيتناول العشاء مع وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، على أن يعقد مع نظيره الفرنسي ماكرون مباحثات يوم الاثنين في قصر الإليزيه.

ومن المتوقع أن يبحث الزعيمان، التطورات الأخيرة في المنطقة، سواء عملية السلام في ليبيا أو كيفية التعامل مع أردوغان في شرق المتوسط، وكذلك التعاون في مكافحة الإرهاب وتحديدًا تنظيم داعش الإرهابية والجماعات التي تحمل لواء القاعدة سواء في سوريا أو العراق أو إفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن كيفية التحرك والتنسيق والتعاون بينهما والدول الحليفة والصديقة مع هذه الأوضاع في ظل إدارة أمريكية جديدة.

وأشار قصر الإليزيه إلى استمرار الشراكة الفرنسية المصرية ، وأن هناك توافقا في شتى الميادين، وأن مصر دولة محورية شريك لفرنسا في الشرق الأوسط وأفريقيا، وأن العلاقات الثنائية في تطور مستمر على كل الأصعدة، حيث تدخل مصر ضمن الشراكات الاستراتيجية لفرنسا، ودول أوروبا وأمريكا. وأكد أن فرنسا تعمل مع مصر من أجل “عودة الاستقرار” في ليبيا، ما يتطلب “خروج القوات الأجنبية وفي مقدمتها المقاتلون الروس والأتراك ومختلف المرتزقة الموجودين”، كما أن البلدين يريدان جعل البحر الأبيض المتوسط مجالا لتعاون تحترم فيه سيادة الدول المختلفة.

وسيتطرق الرئيسان أيضًا إلى النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والأزمة السياسية في لبنان والوضع في العراق والتحديات المتعلقة بإيران. بالإضافة إلى بحث العلاقات الثنائية وبصفة خاصة في ملفات الطاقة والنقل والصحة والعلاقات الجامعية، والمسائل الدفاعية في الميدانين الجوي والبحري.

ومن المقرر أن يتوجه الرئيس السيسي إلى الحي الجامعي الدولي في باريس، ليضع حجر الأساس للبيت المصري، حيث سيحصل طلبة مصر في فرنسا لأول مرة على بيت جامعي خاص بهم على غرار بقية الدول لأول مرة، فضلًا عن زيارة مجلس النواب والشيوخ.

وتأتي الزيارة في وقت تعمل فيه فرنسا على تفكيك نفوذ جمعيات إسلامية متشددة تحصل على دعم خارجي قوي وتخترق الجالية لتنفيذ أجنداتها، وهو ما يظهر صواب المقاربة المصرية في مواجهة الإسلام السياسي ونصائحها السابقة التي أسدتها للأوروبيين والتي توصي بوقف التساهل إزاء شبكات إخوانية عابرة للدول. ويمكن أن يؤدي التنسيق الثنائي إلى حصول فرنسا على معلومات دقيقة بشأن الروابط التي تجمع هذه الجمعيات بتنظيمات متطرفة تحظى برعاية تركية وقطرية وإخوانية. وتملك أجهزة الأمن المصرية ذخيرة كبيرة من المعلومات الموثقة حول تنقلات قيادات وكوادر إسلامية عابرة للحدود، يمكن أن تقدم أدلة جديدة لفرنسا تساعدها على عدم التراجع عن خطواتها في تقليص نفوذ التنظيمات الإسلامية على أراضيها.

   وستشهد الزيارة توقيع عدة عقود في مجالات عسكرية ومدنية في مجال الطاقة والنقل والطب والتربية والتعليم، وكذلك الشؤون العسكرية، حيث ستتواصل إجراءات تفعيل العقود الموقعة في السابق. كما ستشهد توقيعًا مع وكالة فرنسا للتنمية لدعم المجال الاجتماعي في مصر بمبلغ 150 مليون يورو كقرض ميسر، وكذلك هناك مساعدات فرنسية في المجال الجامعي والتربوي لم يعلن بعد عن حجمها.

ومن شأن الزيارة العمل على ضخ مزيد من الاستثمارات الفرنسية في السوق المصري، خاصة أن هناك شركات فرنسية تعمل فعليا بالعاصمة الإدارية تصل إلى 3 شركات حتى الآن، كما أنه من الضروري خلال الزيارة الترويج للمشروعات القومية لإقامة مشروعات مشتركة وإقامة منطقة صناعية فرنسية بالمنطقة الاقتصادية بمحور قناة السويس.

ومن المقرر أن يلتقي السيسي أيضًا بعدد من المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الوزراء جان كاستكس، ووزيرة القوات المسلحة فلورانس بارلي، ورئيس الجمعية الوطنية ريتشارد فيران، ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، ورئيسة بلدية باريس آن إيدالغو.

شراكة سياسية واقتصادية عميقة

تمتلك القاهرة وباريس علاقات قوية في كافة المجالات، فعلى الصعيد السياسي، تزايدت أوجه التعاون بين البلدين بما يتجاوز الأطر التقليدية القائمة على تعظيم المصالح الاقتصادية والصفقات العسكرية التي شهدت تقدما خلال السنوات الماضية، ويجد كل طرف في الثاني فاعلًا مهمًا وشريكًا سياسيًا وأمنيًا في عدد من القضايا، كما أنهما يتفقان في وجهات النظر بشأن رفض الانتهاكات التركية في شرق المتوسط، والتدخلات السافرة في الأزمة الليبية، وآليات التعامل مع القوى المتطرفة في المنطقة.

أما على الصعيد الاقتصادي، كشف مكتب التمثيل التجاري في فرنسا عن زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2020 مسجلًا 2.5 مليار يورو، على الرغم من أزمة جائحة فيروس كورونا، مرتفعًا من 1.121 مليار يورو عام 2019. وقد أفاد تقرير المكتب بارتفاع حجم الواردات المصرية من فرنسا إلى 785.5 مليون يورو عام 2019 من 534.5 مليون يورو عام 2018. ويعتبر القمح أحد أهم البنود السلعية التي تم استيرادها من فرنسا عام 2019، حيث بلغت قيمة الواردات منه 106.4 مليون يورو، تليه الأدوية والمنتجات الصيدلانية بقيمة 43.4 مليون يورو، ثم الطائرات بقيمة 38.2 مليون يورو.

وتحتل فرنسا المركز الـ 12، من حيث الدول المستثمرة في مصر، بإجمالي رأسمال نحو 7 مليارات دولار وتأتي الصناعة في المقدمة تليها الاستثمارات التمويلية ثم الخدمية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتأتى الاستثمارات الزراعية في المرتبة الخامسة ثم السياحة وأخيرا القطاع الإنشائي بالمرتبة السابعة وفقا للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.

وتعمل نحو 165 شركة فرنسية في مصر توظف ما يزيد على 38 ألف شخص، ومن أبرزها توتال للبترول ولافارج هولسيم في مجال الأسمنت، وأورونج للاتصالات، وبنك كريدي أجريكول، وشركة أكسا للتأمين، ولوريال، وسانوفي، وكارفور، وأكور، ولاكتاليس.

ومن أبرز المشروعات التي ساهمت فرنسا في دعمها المرحلتين الثانية والثالثة من الخط الثالث لمترو أنفاق القاهرة، وتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوصيل الغاز الطبيعي للمنازل، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في قطاع الزراعة، ومشروعات تحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي المرحلتين الأولى والثانية، وإنشاء محطة خلايا فوتوفولتية قدرة 26 ميجا وات بكوم أمبو بأسوان، والمساهمة في إنشاء محطة رياح خليج السويس، ومشروع دعم الرعاية الصحية الأولية.

Scroll Up