منذ زمن الحرب الصليبية، خرجت توصيات من روما والعواصم الأوروبية المهمة بحتمية إيجاد نسخة من الإسلام يمكن التعامل معها أو التعاون معها في تنفيذ أجندات الغرب، في إطار حقيقة أن الصراع بين الشرق والغرب بما في ذلك الحروب الصليبية لم يكن يوماً صراعاً دينياً بما في ذلك الحروب الصليبية التي كانت رداً على أزمات اقتصادية داخل أوروبا بالإضافة إلى التطويق العسكري والسياسي لأوروبا عبر الأندلس غرباً والسلاجقة شرقاً، إذ أن حروب الهيمنة بين إمبراطوريات الشرق والغرب قد بدأت قبل ظهور الديانات السماوية الثلاث فيما يعرف بالصراع الدولي بين الأمم.

ونظراً لصعوبة ابتكار تيار إسلامي من الألف للياء في هذا التوقيت الصعب، حيث تدور المعارك الحربية على قدم وساق، قبلت أوروبا التعاون مع بعض الأمراء الفاطميين والأيوبيين والمماليك والتتار المسلمين ضد الدول المسلمة في مصر والشام والأناضول خلال الحملات الصليبية، بالإضافة إلى بعض العناصر العميلة من الطوائف المسلمة.

وكانت رؤية أوروبا أنه يجب أن يظل الشرق منقسم بين جماعات متحاربة، ولاحقاً أعادت بريطانيا صياغة هذا المبدأ بعنوان “الحفاظ على شرق أوسط منقسم وإدارة صراعاته وليس حلها تحت قاعدة لا غالب ولا مغلوب”، وأن يكون هنالك طابور خامس داخل المجتمعات المسلمة يعمل مع الغرب في الصراع الدولي من أجل تنفيذ الأجندات والمصالح الغربية وأن يكون هذا الطابور الخامس بمثابة جماعة وظيفية تعمل لمن يدفع أكثر في الغرب لصالح تلك الأجندات.

وكانت بريطانيا هي أول دولة غربية تفكر في صناعة “إسلام سياسي” أو تيار إسلامي بالكامل موال لها، وذلك حينما طرقت باب العالم الإسلامي عام 1765 عبر موافقة حاكم إمبراطورية مغول هندوستان في الهند على حصول شركة الهند الشرقية البريطانية على صلاحيات تجارية وإدارية إقليم البنغال، وكانت دولة “مغول الهند” في ذلك العصر دولة مسلمة يحكمها سلالة مسلمة من المغول.

ومع توالى السيطرة البريطانية على ولايات وأقاليم شبه الجزيرة الهندية إلى أن أصبحت الأغلبية الساحقة من مساحات شبه الجزيرة الهندية في قبضة البريطانيين وسقطت إمبراطورية مغول هندوستان، كانت بريطانيا قد أدركت ان لعبة فرق تسد الإمبريالية هي الحل لمواجهة المقاومة الهندية للاستعمار، وذلك عبر تقسيم الهنود إلى هندوس ومسلمين، وأنه يجب صناعة “قومية مسلمة” بوجه “القوميين أو الوطنين الهنود” من أجل تعميق الفوارق الدينية بين الطوائف والديانات الموجودة في المجتمع الهندي.

وقد صدرت توصيات من لندن إلى الإدارات البريطانية المختلفة في عموم الهند منذ القرن الثامن عشر بما يلي:

1 – تصميم كتب دراسية تقوي الفروق بين طائفة وأخرى يعتنقان آراء مختلفة.

2 – فرق تسد هو شعار روماني قديم يجب تطبيقه.

3 – فعل كل ما يلزم من أجل الحيلولة دون أن يتبنى الجميع مشاعر مشتركة.

4 – المحافظة على سلطتنا في الهند يستلزم تأليب طرف ضد آخر كل فترة طيلة الوقت.

وقد أدى نشر بريطانيا لبذور العطاء الطائفي في الهند إلى اندلاع حرب أهلية ذات طابع ديني في شبه الجزيرة الهندية وعنونته بريطانيا بـ “تمرد العام 1857”.

المؤرخ نارندرا ساريلا في كتابه “ظلال اللعبة الكبرى.. القصة غير المروية لتقسيم الهند” الصادر عام 2006 كتب أن “جذور الإرهاب الإسلامي الذي يكتسح العالم اليوم مدفون في جذور تقسيم الهند” في إشارة إلى صناعة بريطانيا للإسلام السياسي في شبه الجزيرة الهندية.

Narendra singh sarila, The Shadow of the Great Game: The Untold Story of India’s Partition

وبدعم ومباركة سلطات الاحتلال البريطاني، نظم رجل الدين “السيد أحمد خان” في شمال الهند “المؤتمر التربوي المحمدي لعموم الهند” عام 1886، حيث رفض المؤتمر التعاون مع القوميين الهنود لنيل الاستقلال وقرروا العمل منفرداً كمسلمين، وأنتج المؤتمر حركة اليجار التي أنتجت بدورها الرابطة الإسلامية بزعامة محمد على جناح، التي طالبت باستقلال مسلمي الهند في دولة منفصلة عن باقي شعوب الهند، وهي الدولة التي نعرفها اليوم تحت اسم باكستان، وسجل التاريخ بأقلام بريطانية اسم محمد على جناح باعتباره مؤسس باكستان، ولم تكتف بريطانيا بهذه الحركات ولكن عام 1941 أسست النسخة الهندية – الباكستانية من تنظيم الاخوان المسلمين بعنوان “الجماعة الإسلامية”.

أغدقت بريطانيا بالمال والدعم على حركات “الانفصال الإسلامي” في الهند، وجعلت لهم كيان رسمي وممثلين في بعض المجالس والهيئات ورؤساء لطوائف المسلمين، مقابل ألا يتعاون المسلمين مع حركات الاستقلال الوطنية لباقي الشعوب الهندية.

المفارقة أن مسلمي الهند ينتمون إلى كافة شعوب شبه القارة الهندية، إذ أن مسلمي الهند ليسوا قومية أو عرق أو أمة بل مجرد اتباع لدين بعينه، وبالتالي هم إخوة في العرق والقومية والوطن، بل واللغة في بعض الأحيان، مع كافة شعوب الهند.

السياسي الأسكتلندي رامزي ماكدونالد (1866 – 1937) Ramsay MacDonald، أول رئيس وزراء لبريطانيا من حزب العمال البريطاني الذي ساهم مع اثنين آخرين في تأسيسه عام 1900، قال في كتابه إيقاظ الهند The awakening of India عام 1910 أن زعماء الرابطة الإسلامية قد حصدوا الدعم والإلهام من مسؤولين إنجليز نشروا بذور الشقاق بين الهندوس والمسلمين.

ومع أوائل القرن العشرين أصبحت عملية صناعة باكستان هي الهم الأكبر للإدارة البريطانية للهند، على ضوء حقيقة أن الهند كانت أكبر مستعمرات بريطانيا ومركزها في الشرق، بل إن بريطانيا احتلت مصر عام 1882 من أجل حماية تجارتها ومعابرها للهند بالإضافة إلى بنك أهداف إقليمي وتاريخي يتعلق بحتمية تركيع مصر من أجل تسيد الشرق.

ووجدت لندن في صناعة باكستان أهمية كبرى في صناعة توازنات طائفية تتعلق بالتواجد البريطاني في إيران (فارس وقتذاك) وأفغانستان التي كانت تقع تحت الاحتلال البريطاني، بالإضافة إلى روسيا القيصرية ولاحقاً الاتحاد السوفيتي.

ومع حلول عام 1919 وتأكد سقوط وتفكيك الدولة العثمانية، خرج وزير الحربية والطيران الحربي البريطاني ونستون تشرشل – رئيس الوزراء الأشهر فيما بعد – يقول إنه “مع وجود 20 مليون مسلم في الهند فإن بريطانيا هي أكبر قوة إسلامية في العالم”.

ومع تولى الكولونيل تشرشل رئاسة الوزارة في 10 مايو 1940 ثم اقتراب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 وإدراكه أن بريطانيا اقتصادياً عقب الحرب غير قادرة على الاحتفاظ بكافة المستعمرات، بالإضافة إلى صعود الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً ورغبة واشنطن في تقليص النفوذ البريطاني عالمياً لصالح النفوذ الأمريكي، رأى تشرشل أن شبه جزيرة الهند يجب أن تقسم إلى “هندوستان وباكستان وبرنسستان”، ولكن خسارته المفاجئة في الانتخابات البرلمانية عام 1945 جعلته لا يجلس على مقعد رئاسة الوزراء حينما بدأت بريطانيا في الانسحاب من شبه الجزيرة الهندية.

ولكن تشرشل قبل مغادرته رئاسة الوزراء، قال لخليفته الميجور كليمنت اتلي رئيس حزب العمال: “احتفظوا بقطعة من الهند”، وكان يقصد باكستان على وجه التحديد، وبالفعل فإن الحكومة العمالية برئاسة اتلي رغم عدم تفضيلها تقسيم الهند في بادئ الامر الا أن أتلى ووزرائه بعد دراسة شبكة مصالح بريطانيا العالمية قد وافقوا على فصل باكستان من الهند وإعلان استقلال الدولتين والجلاء من شبه الجزيرة الهندية.

ولقد نفذت باكستان منذ تأسيسها مهما جسام للغرب، باعتبارها دولة وظيفية صنعها الإسلام السياسي لمقاومة حركات التحرر الوطني في الشرق، ولاحقاً المد الشيوعي، وتالياً المد القومي، والحفاظ ورعاية وحراس المصالح الغربية، حيث انضمت باكستان إلى حلف بغداد البريطاني، وفتحت أراضيها للمخابرات المركزية والحربية الامريكية لمراقبة الاتحاد السوفيتي ولاحقاً تحولت باكستان الى قاعدة عسكرية كبرى لإطلاق إرهاب الجماعات الإسلامية ضد الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطى الواقعة تحت سيطرة موسكو وقتذاك ولاحقاً داخل أفغانستان في سنوات صناعة الجهاد الأفغاني وتنظيمات الأفغان العرب بحق السوفييت.

بل كانت باكستان مهمة للغرب لدرجة أن بريطانيا فكرت في تقسيم أفغانستان ما بين باكستان وإيران في ستينيات القرن العشرين على ضوء انتهاء مهام أفغانستان بالنسبة لشبكات المصالح البريطانية قبل أن تقرر الولايات المتحدة الأمريكية استخدام وتفجير أفغانستان بوجه السوفييت في سبعينيات القرن المنصرم.

Scroll Up