أصبح اعتماد العالم علي البلاستيك للاستخدامات التجارية ضخما للغاية، وعلى مدى ما يقرب من 60 عام تقريبا تم إنتاج أكثر من 8.3 مليار طن متري من المواد البلاستيكية متعددة الاستخدام ورخيصة الثمن وغير قابلة للتلف تقريبًا، وكل هذه الخصائص تجعلها مفيدة ومكون أساسي في مجموعة هائلة من التطبيقات التي أصبح لا غني عنها اليوم وتشمل تغليف المواد الغذائية المعقمة والأدوات المنزلية ولعب الأطفال ومكونات وسائل النقل المختلفة والمنسوجات ومعدات الحماية الطبية. لكن طبيعتها غير القابلة للتدمير تأتي بتكلفة أخطر بيئيًا، بل ويتوقع العلماء أنه إذا لم يتم تغير سلوكنا المستهلك بشدة للمواد البلاستيكية سيزاد الرقم ليصبح 12 مليار طن متري من النفايات البلاستيكية بحلول 2050، وتقدر المواد البلاستيكية العائمة في المحيطات وحدها بحوالي 5 تريليون قطعة من البلاستيك تطفو على محيطات العالم، يتحلل معظم هذه المواد ببطء شديد في البيئة في حدود عدة مئات من السنين حيث يتسببون في وباء عالمي من النفايات البلاستيكية، لا تزال عواقبه على صحة الإنسان والنظام البيئي خطيرة للغاية.

العالم واستخدامات البلاستيك

يشمل ما يصفه الناس عمومًا بكلمة “بلاستيك” سبعة أنواع رئيسية من المواد تلك المستخدمة في صنع الزجاجات وأكياس القمامة وأكياس التغليف وأكياس التسوق والحاويات وشبكات الصيد والأجزاء غير المعدنية للعديد من الأجهزة المنزلية والإلكترونية، والتي  تعرف باختصاراتها – علي سبيل المثال: PETE و LDPE و PVC و PP و HDPE .

إن تحلل البلاستيك يستغرق وقتا طويلا وبرامج إعادة التدوير كانت تعالج هذه الفجوة، ولكن هذا الأمر الآن لا يحقق إلا القليل، لقد ألقيت كميات هائلة من البلاستيك في المحيطات وفي البيئات الأخرى، فبحسب تقارير وإحصاءات للأمم المتحدة صدرت عام 2019 فإن كل يوم يلقى ما يعادل شاحنة نفايات محملة بالبلاستيك في المحيط بما يساوي 13 مليون طن سنويًا، حتى وصل التلوث إلى نسب وبائية بلغت أكثر من 100 مليون طن من البلاستيك خلال العقود الماضية فقط، ، يأتي ما بين 80 و90% منها من مصادر على الأرض، كما أن العالم يشهد شراء نحو مليون زجاجة مياه بلاستيكية كل دقيقة، بينما يصل استخدام الأكياس البلاستيكية التي تستعمل مرة واحدة إلى 5  تريليون وحدة كل عام. كما  يوجد 13 ألف قطعة من القمامة البلاستيكية في كل كيلومتر مربع من المحيطات حول العالم؛ وبتقديرات الأمم المتحدة فإن صناعة 4 زجاجات بلاستيكية تنتج مستوى من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بما يعادل السفر لمسافة ميل واحد في سيارة بنزين متوسطة الحجم، وهناك 9% فقط من البلاستيك يعاد تدويره ، رغم أن البلاستيك المتحلل يتحول إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة توجد في كل مكان، من أعماق البحار إلى قمم الجبال إلى مياه الشرب، وهو ما يؤثر بشكل سيئ للغاية على النظام البيئي في البر والبحر.

الدول الأكثر مسؤولية عن التلوث البلاستيكي

99 % من البلاستيك يتم تصنيعه من المواد الكيميائية المشتقة من النفط، والغاز الطبيعي، والفحم، وكلها موارد ملوثة وغير قابلة للتجديد، إذا استمرت معدلات الإنتاج الحالية للبلاستيك، فإنه بحلول عام 2050، يمكن أن تشكل صناعة البلاستيك نحو 20٪ من إجمالي استهلاك النفط في العالم.

وكشفت دراسة جديدة أن الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول مساهمة في التلوث البلاستيكي الساحلي، حيث يمكن أن تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثالثة في العالم، حسب التقديرات الحديثة، واحتلت الدول الآسيوية مثل الصين وفيتنام مراكز متقدمة عن الولايات المتحدة، وفي دراسة قديمة  صنفت الولايات المتحدة في المرتبة 20 من بين البلدان التي أساءت إدارة معظم النفايات البلاستيكية في عام 2010. وفحص الباحثون بيانات عام 2016 ونظروا في كيفية معالجة النفايات بعد شحنها إلى الخارج، ووجدوا أن حصة أمريكا من النفايات البلاستيكية التي تتم إدارتها بشكل سيئ قفزت بنسبة تصل إلى 400% مقارنة بعام 2010.

ووفقًا للدراسة التي أجريت بالاشتراك مع علماء من جامعة جورجيا، ومنظمة Ocean Conservancy غير الربحية، ومجموعات بحثية أخرى. يكون الأمريكي في المتوسط مسئولاً عن أكثر من 280 رطلاً من النفايات البلاستيكية كل عام مقارنة بنحو 120 رطلاً للأوروبي، كما أرسلت الولايات المتحدة أكثر من نصف إجمالي المواد البلاستيكية القابلة لإعادة التدوير إلى دول أخرى، حيث بلغ ذلك ما يقرب من مليوني طن متري تم شحنها إلى الخارج.

النفايات البلاستيكية في العالم العربي

في الدول العربية تقدر كمية النفايات بنحو 200 مليون طن في السنة، تشكل فيها المواد العضوية ما نسبته 50 – 60 %، وتتباين كمية المواد البلاستيكية في هذه النفايات، حسب معدلات الدخل وطبيعة المجتمعات، فنسبتها في مصر تتراوح بين 3 و12 % من مجمل النفايات المتولدة، بينما تبلغ في السعودية ما نسبته 5 إلى 17 %، وفي الجزائر ولبنان نحو 12% ،  فإذا افترضنا أن نسبة المواد البلاستيكية إلى مجمل النفايات التي يتم التخلص منها في العالم العربي هي في حدود 10 %، ومع إهمال ما يجري استرجاعه بالتدوير، حيث لا تزيد نسبة تدوير مجمل أنواع النفايات عربياً عن 4 %، نجد أن كمية النفايات البلاستيكية التي ستجد طريقها إلى مكبات النفايات والبيئات الطبيعية في الدول العربية هي في حدود 20 مليون طن في سنة 2020 وحدها على سبيل المثال.

وفيما تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً في مساهمتها بتلويث المحيطات بالنفايات البلاستيكية، بنسبة 27.7% ، تليها إندونيسيا بنسبة 10.1 %، يأتي الدول العربية مجتمعة  في المرتبة الثالثة عالمياً بنسبة 8.6 %. وتحتل مصر منفردة المرتبة الأولى عربياً، والسابعة عالمياً، بنسبة 3 %، تليها الجزائر في المرتبة الـ13 عالمياً، بنسبة 1.6 %،  ثم المغرب في المرتبة الـ18 عالمياً، بنسبة 1%.

مخاطر بيئية للتلوث البلاستيكي

إذ تنتشر مخاطر التلوث البلاستيكي على نطاق واسع ومتزايد بشكل سريع منذ حوالي نصف قرن، وتعد البحار والمحيطات التي تغطي 70 % من مساحة الأرض أكثر المناطق المعرضة للخطر، ما يؤثر على النظم الإيكولوجية للمحيطات والبحار جميعها، بما في ذلك الكائنات البحرية والعوالق الحيوانية، وتفيد الدراسات والبحوث بأن أغلب كميّة النفايات البلاستيكية ينتهي بها الأمر إلى مياه البحر والمحيطات، فآلاف الأطنان من بقايا الزجاجات والحقائب والأغلفة والأكياس تستقر في بطون الأسماك والطيور والسلاحف والحيتان.

يؤثر التلوث البلاستيكي البحري على 800 نوعا على الأقل من الحيوانات البحرية في جميع أنحاء العالم، وتشمل هذه الآثار وفيات ناجمة عن الابتلاع، والتجويع، والاختناق، والعدوى، والغرق، والتشابك، الذي تتسبب فيه المخلفات.

وتقتل النفايات البلاستيكية ما يصل إلى مليون طائر بحري و100 ألف من ثدييات البحر والسلاحف البحرية والأسماك في السنة، وعندما تبتلع الطيور البحرية البلاستيك، فإنها تأخذ مساحة في معدتها، مما يتسبب في بعض الأحيان في الجوع، حيث تم العثور على العديد من الطيور البحرية ميتة وبطونهم مليئة بالنفايات البلاستيكية. ويقدر العلماء أن 60 % من جميع أنواع الطيور البحرية قد أكلت قطعا بلاستيكية، وهو رقم مرشح أن يرتفع إلى 99 % بحلول عام 2050، ليس ذلك فحسب وإنما الدراسات كشفت أيضا أن المواد البلاستيكية التي يمكن أن تظل طافية على سطح الماء لعقود أو أكثر، وتبتعد أكثر من 3000 كلم من مكان منشأها، تخلق بيئة جديدة تعيش عليها البكتيريا والطحالب، وأن هذه «المستعمرات» تزيد النطاق الجغرافي للبكتيريا والطحالب، ما يهدد بانتشار أنواع أخطر من الأمراض الغازية.

كما أن الأمر المؤسف أيضا أن البقايا البلاستيكية الظاهرة على السطح ليست سوى جزء صغير للغاية من المخلفات البلاستيكية، أما الجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر فتغوص في القاع وتأكلها الأسماك وغيرها من حيوانات الحياة البحرية وينتهي بها الحال إلى أطباقنا اليومية، وبالتالي بات يشكّل تلوّث البحار بالمواد البلاستيكيّة تهديداً مباشراً على توازن كل من الأنظمة البيئيّة البحريّة من جهة، وصحّة الإنسان من جهة أخرى.

وفي رصد من الجمعيات المهتمة بالبيئة البحرية، وجد أن منطقة البحر المتوسط هي أكثر المناطق تلوثا بالنفايات البلاستيكية، وذلك بعدما عثر في أحد الشواطئ الشمالية في جزيرة سردينيا الإيطالية على حوت ميِّت من فئة تُسمى “حوت العنبر” أو “الحوت المُسَنَّن” وفي بطنه 22 كيلوجرام من النفايات البلاستيكية، وبعد هذه الواقعة أُطلقت حملة نشطة تحت شعار ” لابد من حماية المتوسط” بهدف استصدار قانون يجعل من صيادي البحر طرفا فاعلا في جمع النفايات البلاستيكية وغير البلاستيكية من البحار.

التلوث البلاستيكي خطر يكلف الاقتصاد والإنسان

كشفت أبحاث أن التلوث البلاستيكي في محيطات العالم يكلف المجتمع الدولي مليارات الدولارات كل عام، من خلال تأثيره في الموارد التي يستفيد منها الإنسان، وتتأثر بوجه خاص مصايد الأسماك، وتربية الأحياء المائية، والأنشطة الترفيهية سلباً بالتلوث البلاستيكي، مع ما يسببه هذا التلوث من فقدان ما يقدر بما بين 1 – 5% من الفوائد التي يجنيها البشر من المحيطات. وتبلغ قيمة الفاقد من هذه الفوائد، المعروفة باسم قيمة النظام البيئي البحري، ما يصل إلى 2.5 تريليون دولار سنوياً، وفقاً لدراسة نشرت بالمملكة المتحدة في نشرة “التلوث البحري”، فضلا عن أن نحو 80% من القمامة البلاستيكية تتدفق إلى تلك المحيطات من الأنهار، ويعتقد العديد من الخبراء أن التركيز على تنظيف الأنهار هو أفضل طريقة للحد من نفايات القمامة الموجودة في البحار والمحيطات، حيث تشكل الزجاجات 14% من عناصر القمامة، كما تشكل مغلفات الطعام نسبة 12%، وأعقاب السجائر 9%، من ملوثات المياه العذبة، وتشكل حاويات المواد الغذائية التي يمكن التخلص منها نسبة 6% من جميع العناصر، تليها عصي الشرب وأكواب الوجبات الجاهزة، بنسبة 5 و4% على التوالي.

جهود العالم نحو أزمة محققه

يشهد العالم خطوات متصاعدة لمواجهة الإفراط في استهلاك المواد البلاستيكية. ووفقاً لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بعنوان «الحدود القانونية للمواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد والميكروبلاستيك»، كانت 127 دولة قد فرضت إطاراً تنظيمياً يخص الأكياس البلاستيكية، وذلك قبل شهر يونيو2018، ومن بين هذه الدول حظرت 27 دولة استهلاك أو إنتاج نوع أو أكثر من المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وسيزداد عدد الدول مع دخول الحظر الأوروبي على بعض هذه المنتجات حيز التنفيذ بحلول سنة 2021.

وفي العالم العربي، بدأت بعض الدول بفرض حظر على تصنيع وتداول واستيراد الأكياس البلاستيكية مع تفاوت في التطبيق. وقد تكون التجربة المغربية الأشمل والأنجح في هذا المجال، حيث يتم فرض الحظر بشكل كامل تقريباً، مع توفير بدائل من أكياس مصنوعة من مواد ورقية، وفي مصر انفردت محافظة البحر الأحمر بتطبيق حظر محلي على الأكياس والمنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد. أما في العراق، فاقتصر الحظر على استيراد الأغذية المغلفة بمواد بلاستيكية معاد تدويرها. وفي لبنان، توجد بعض المبادرات المحلية لحظر استهلاك الأكياس البلاستيكية. أما في سوريا وقطر وعُمان والصومال، فتوجد بعض القيود على استخدام المواد البلاستيكية التي تكون على تماس مباشر مع الأغذية، من دون وجود حظر تام. وتعد البحرين آخر الدول العربية التي فرضت حظراً على الأكياس البلاستيكية حتى الآن، وكان ذلك في شهر يونيو 2019.

كل هذه المبادرات الدولية من أجل تقييد إنتاج وتداول واستهلاك المواد البلاستيكية لا تزال أقل من المطلوب، بالمقارنة بملايين الأطنان كل عام التي لا تؤثر على البيئة البحرية والبرية فحسب وإنما تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على صحة الانسان.

المصادر

  1. https://theconversation.com/most-plastic-recycling-produces-low-value-materials-but-weve-found-a-way-to-turn-a-common-plastic-into-high-value-molecules-148506?utm_medium=email&utm_campaign=Latest%20from%20The%20Conversation%20for%20October%2027%202020%20-%201769417153&utm_content=Latest%20from%20The%20Conversation%20for%20October%2027%202020%20-%201769417153+CID_1a20bdd83903e5cfe7a7209687de7fab&utm_source=campaign_monitor_uk&utm_term=Most%20plastic%20recycling%20produces%20low-value%20materials%20%20but%20weve%20found%20a%20way%20to%20turn%20a%20common%20plastic%20into%20high-value%20molecules
  1. https://annabaa.org/arabic/environment/19271
Scroll Up