استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم الأربعاء 16 ديسمبر الجاري، الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان”، ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة. وأجريت جلسة مباحثات ثنائية بقصر الاتحادية، تناولت كافة جوانب العلاقات بين البلدين، وكذلك التشاور والتنسيق تجاه مختلف القضايا محل الاهتمام المشترك.

وترتبط دولتا مصر والإمارات بعلاقات راسخة تكللت بزيارات متبادلة بين قياداتها بلغت نحو 22 زيارة منذ 2014، بهدف تعزيز العلاقات الثنائية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وبناء على ذلك، نستعرض في هذا التقرير شكل العلاقات الاقتصادية بين القاهرة وأبو ظبي خلال الخمس سنوات الماضية.

الإمارات داعم أساسي للاقتصاد المصري منذ اللحظة الأولى

قدمت دولة الإمارات العربية حزمًا من المساعدات العينية والمادية والعديد من الاستثمارات المباشرة خلال السنوات التي تلت ثورة 30 يونيو، وهو ما عزز التعاون بين البلدين؛ إذ خصصت نحو 3 مليارات دولار ضمن حزمة مساعدات خليجية لمصر بلغت 12 مليار دولار. كما وقعت الإمارات مع مصر اتفاقية مساعدات بقيمة 4.9 مليار دولار، لدعم برنامج القاهرة التنموي في تلك الفترة من أجل تنفيذ عدد من المشاريع لتطوير القطاعات والمرافق الخدمية.

وعلاوة على ذلك، قدمت الإمارات منحة بلغت قيمتها مليار دولار مع توفير كميات من الوقود لمصر بقيمة مليار دولار أخرى، فضلًا عن المشاركة في تنفيذ عدد من المشروعات التنموية في قطاعات اقتصادية أساسية في مصر، تتمثل أهمها فيما يلي:

  • بناء 25 صومعة لتخزين القمح والحبوب بهدف المساهمة في تحقيق الأمن الغذائى المصري.
  • إنشاء أكثر من 50 ألف وحدة سكنية في 18 محافظة وتشييد 100 مدرسة.
  • استكمال مجموعة من المشروعات في مجالات الصرف الصحى والبنية التحتية.
  • توقيع اتفاقية لتدريب أكثر من 100 ألف شاب وفتاة لتأهيلهم وتدريبهم علي أحدث البرامج الفنية والتقنية وفقاً لاحتياجات ومتطلبات مختلف القطاعات الصناعية.

وفي مارس 2015، شاركت الإمارات في المؤتمر الاقتصادي المصري تحت عنوان “دعم وتنمية الاقتصاد المصري.. مصر المستقبل”، وأعلنت دعم مصر عن طريق تخصيص 4 مليارات دولار، بواقع إيداع مبلغ ملياري دولار في البنك المركزي، وتوظيف مليارين آخرين لتنشيط الاقتصاد عبر مبادرات اقتصادية.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل كانت الإمارات خير ساند للاقتصاد المصري عقب قرار تعويم الجنيه في نوفمبر 2016؛ إذ قررت شركة شركة موانئ “دبي السخنة” وهي أحد كبار الشركات التي تمتلك موانئ على مستوى العالم، فى اتخاذ قرار تاريخي بالبدء من أول يوم فى شهر فبراير 2016، بإلغاء التعامل بالدولار على الخدمات الأرضية المقدمة لأصحاب ومستلمي البضائع، والتعامل بالجنيه المصري بدلًا من العملة الأمريكية، كما قدمت الإمارات العربية المتحدة وديعة مالية قدرها مليار دولار لدى البنك المركزي المصري لمدة 6 سنوات لدعم سوق الصرف .

أوجه الشراكة بين الدولتين

تنظم علاقات التعاون بين مصر والإمارات من خلال مجموعة من الاتفاقيات والبروتوكولات، تجاوز عددها العشرين اتفاقية منذ التسعينيات وحتى العام الجاري، فعلى سبيل المثال، وقعت الدولتين في فبراير 2018 اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لتحديث العمل الحكومي، بالاستفادة من الخبرات التي تمتعت بها الإمارات على صعيد تميز الأداء الحكومي. ومنذ توقيع الشراكة، تم تنظيم سلسلة من الورش التدريبية الفنية للتميز الحكومي لموظفي الحكومة المصرية بمشاركة 3700 موظف، كما تم تدريب نحو 2400 موظف حكومي مصري على مختلف مجالات تطوير العمل الحكومي، عبر 35 ألف ساعة تدريب.

كما يُعد صندوق “أبو ظبي للتنمية” من أهم شركاء التنمية في مصر حيث يبلغ نصيبه من المساعدات التنموية 530 مليون دولار؛ إذ شارك في تمويل  شركة الزهراء الزراعية ” توشكا”، وفي تطوير منطقة منشأة ناصر. في حين بلغ  نصيب صندوق “خليفة لتطوير المشاريع” من المساعدات التنموية نحو 200 مليون دولار حيث يرتكز نشاط الصندوق في مصر على دعم وتمويل المشروعات متناهية الصغر.

وبالانتقل إلى السياحة، شهد البلدان معدلات تبادل سياحي مرتفعة، حيث بلغ عدد نزلاء المنشآت الفندقية من مصر في الامارات خلال 2018 نحو 612.6 ألف نزيل ما يعادل نسبة 2.4% من إجمالي عدد نزلاء المنشآت الفندقية بالامارات. فيما يبلغ عدد الرحلات الجوية لشركات الطيران الوطنية 80 رحلة أسبوعياً إلى القاهرة.

وأخيرًا، شهدت العلاقات بين مصر ودولة الإمارات عددًا من الزيارات الرسمية الثنائية المتبادلة بين مسؤولي البلدين، حيث استقبل الرئيس “عبدالفتاح السيسي” ولي عهد أبو ظبي نحو 9 مرات منذ توليه الرئاسة في عام 2014 وحتى أواخر العام الماضي، بينما زار الرئيس “السيسي” دولة الإمارات أكثر من 6 مرات، وهو ما يدلل على رغبة الجانبين في ترسيخ العلاقات الثنائية بينهما على كافة المستويات والأصعدة.

الاستثمارات الإماراتية المباشرة في مصر

أعلنت الرئاسة المصرية نوفمبر 2019 تأسيس منصة استثمار مشتركة بقيمة 20 مليار دولار مع الإمارات، بهدف الاستثمار في مجموعة من القطاعات والأصول عبر شركة أبوظبي التنموية القابضة وصندوق مصر السيادي، مثل؛ الصناعات التحويلية والطاقة التقليدية والمتجددة والتكنولوجيا والأغذية والخدمات اللوجستية والمالية والبنية التحتية.

واستضافت مصر فعاليات الدورة الأولى لمنتدى الأعمال المصري الإماراتي للتجارة والاستثمار في الثاني عشر من ديسمبر 2019. وتم خلاله مناقشة فرص الاستثمار الصناعي المتاحة بالسوق المصري خاصة في مجالات الصناعات الهندسية والصناعات الكيماوية وصناعة الورق وصناعات الحديد والصلب وصناعة الأسمنت ومشروعات إعادة التدوير، وبحث إمكانية إنشاء مشروعات مصرية إماراتية مشتركة بدول القارة الإفريقية في مجال إنشاء المراكز اللوجيستية الجديدة وإعادة تأهيل المراكز اللوجيستية المصرية بدول القارة. في حين، شهدت فعاليات المنتدى توقيع مذكرات تفاهم أبرزها مذكرة تفاهم بين مؤسسة الاتحاد لائتمان الصادرات (المملوكة من الحكومة الاتحادية لدولة الإمارات العربية المتحدة) والشركة المصرية لضمان الصادرات.

وينظر إلى الإمارات باعتبارها من أكبر خمس دول مستثمرة في مصر  بإجمالي رصيد استثمار تراكمي يصل إلى 55.2 مليار درهم (15 مليار دولار)، فيما تجاوز عدد الشركات الإماراتية فى مصر حاليا نحو 1165 شركة، ويُمكن عرض تطور الاستثمار الإماراتي المباشر في مصر عن طريق الرسم البياني التالي وبالاعتماد على بيانات البنك المركزي المصري:

الشكل (1): الاستثمار الإماراتي في مصر خلال 5 سنوات

يتبين من الرسم السابق انخفاض حجم الاستثمار الإماراتي في مصر بشكل طفيف منذ العام المالي 2014/2015 وحتى 2016/2017، ليعاود الارتفاع مرة أخرى مسجلًا 1.1 مليار دولار في العام المالي السابق.

ولكن حجم الاستثمار مرشح للزيادة خلال الفترة القادمة بعد إعلان العديد من الشركات الإماراتية عن استثمارات ضخمة في مصر خلال عام 2020، أبرزها استثمارات جديدة لشركة إعمار بقيمة 2.5 مليار دولار، ونحو مليار دولار جديدة لمجموعة الفطيم، واستثمارات تم إعلانها لشركة النويس لإنتاج الطاقة النظيفة بمبلغ 950 مليون دولار، وهناك استثمارات أخرى لشركات مبادلة وموانئ دبي العالمية ومؤسسة الإمارات للاتصالات وغيرها من الشركات والمؤسسات العملاقة.

التبادل التجاري بين مصر والإمارات

تمثل مصر الشريك التجاري السادس عربياً للإمارات والشريك الـ21 عالمياً، فيما تمثل الإمارات الشريك التجاري الثاني عربياً لمصر والعاشر عالمياً، وتتمثل أهم الصادرات المصرية للسوق الإماراتية في أجهزة التليفزيون والأثاث والكابلات الكهربائية والمنتجات الزراعية والمواد العطريـة والمشروبات والخضراوات المجمدة، فينا تضمنت الواردات المصرية من الإمارات أنابيـب نقل النفط والأدوية والبولى بروبلين والبولى إيثيلنى والبولي إيثيلني للاستخدامات الطبيـة والمصنوعات من الحديد والصلب والسكر المكرر.

ويُمكن الاستعانة بالرسم البياني التالي لعرض حجم التبادل التجاري بين الإمارات ومصر منذ 2015 وحتى 2019 بالاعتماد على البيانات الصادرة عن موقع (Trade Map):

الشكل (2): الصادرات والواردات المتبادلة بين مصر والإمارات

من الرسم البياني السابق، يُمكن القول أن صادرات مصر إلى الإمارات شهدت ارتفاعًا ملحوظًا بنحو 86.4% منذ 2015 وحتى 2019؛ إذ سجلت ارتفاعًا من 1.11 مليار دولار إلى 2.07 مليار دولار. كما سجلت الواردات المصرية من الإمارات ارتفاعًا أيضًا ولكن بنسبة أقل تبلغ 19.4% فقط من 1.49 مليار دولار خلال 2015 حتى 1.78 مليار دولار في العام الماضي. وبهذا نجد أن الميزان التجاري بين الدولتين يصب لصالح الاقتصاد المصري حيث تجاوزت قيمة الصادرات المصرية للإمارات قيمة واردتها من هناك عدا عام 2015، وهو ما يُمكن توضيحه من الرسم الآتي:

الشكل (3): الميزان التجاري بين مصر والإمارات (مليار دولار)

يتضح من الشكل السابق أن الميزان التجاري يميل إلى الجانب المصري على الرغم من انخفاض قيمة الفائض التجاري خلال 2019 إلى 0.29 مليار دولار.

في الختام، تعتبر العلاقات الاقتصادية بين الجانبين المصري والإماراتي من العلاقات الراسخة، وهو ما انعكس بصورة جلية في حجم التبادل التجاري والاستثمارات المباشرة والمنح والمساعدات وعدد الزيارات المتبادلة فضلًا عن التبادل السياحي بين الدولتين.