انتهى ماراثون انتخابات البرلمان المصري الثاني بعد ثورة 30 يونيو 2013 التي مثل إجراؤها تحديا أو اختبارا للدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة في ظل الظروف الاستثنائية التي جرى فيها الماراثون خاصة ما يتعلق بتداعيات جائحة كورونا التي أجبرت دولا على تأجيل الانتخابات، وأجبرت دولا أخرى على تغيير الطريقة التي تجرى بها الانتخابات كما حدث بالولايات المتحدة لتخرج انتخابات يتم التشكيك بنتائجها كما لم يحدث من قبل في أية انتخابات أمريكية. انتهاء الماراثون وعبر أربعة أشهر تقريبا وفي كل ربوع مصر دون مشاهد سلبية اعتادت عليها انتخابات ما قبل عام 2013 يمثل في حد ذاته نجاحا للدولة المصرية يضاف إلى نجاحاتها في التعامل مع تحدي الإرهاب وجائحة كورونا. ومع ذلك فإن هناك من يحاول اختزال المشهد الانتخابي في نجاح حزب مستقبل وطن في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان بغرفتيه مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ضاربا بعرض الحائط التغيرات الايجابية التي حدثت في المشهد برمته سواء أثناء الانتخابات أو حتى في النتائج النهائية لها. ذلك أن حزب مستقبل وطن حصل على 463 مقعد من مقاعد البرلمان (147 في الشيوخ و316 في النواب) وذلك بنسبة 51.7% من البرلمان بغرفتيه (49% شيوخ، 53% نواب)، بينما توزعت 433 مقاعد (48.3% من البرلمان) على الأحزاب الأخرى (16 حزب في الشيوخ، و12 حزب في النواب) والمستقلين الذين حصلوا على 180 مقعدا (95 شيوخ، 85 نواب) بنسبة 20% من مقاعد البرلمان بغرفتيه، وبذلك يصبح المستقلون هم الكتلة الأكبر في البرلمان بعد حزب مستقبل وطن. 

حزب الأغلبية ليس بالقائمة فقط

حزب مستقبل وطن لم يحصل على أغلبيته اعتمادا على القائمة فقط. نجاح الحزب في الانتخابات على المقاعد الفردية فاق نسبته التي حصل عليها عند تشكيل القائمة. ففي مجلس النواب حصل الحزب على 171 مقعد من إجمالي 316 مقعد حصل عليها في المجلس وذلك بنسبة 54%. أما نسبته في القائمة التي شكلها لخوض الانتخابات فكانت 51%، بينما مثلت المقاعد التي حصل عليها في الفردي نسبة 61% من إجمالي عدد مرشحيه في النظام الفردي، وهي نسبة كبيرة احتل بها المرتبة الأولى في نسب النجاح في النظام الفردي، وهي نسبة تعادل 154% من نسبة نجاحه في الانتخابات الفردية عام 2015 التي كانت قد بلغت 24%. أما في مجلس الشيوخ فقد نافس الحزب على 93 مقعد من إجمالي 100 مقعد في النظام الفردي، نجح منهم 88، وذلك بنسبة 94.6%. مفاد ذلك أن الحزب استطاع خلال خمس سنوات من تكثيف تواجده في الشارع والتواصل معه مستهدفا الوصول إلى ما وصل إليه في انتخابات 2020، بعدما كان قد حل في المرتبة الثالثة في انتخابات 2015 وكانت التوقعات حينئذ تشير إلى أن تواجد الحزب وقدرته على تحقيق نتائج أفضل قائمة وواضحة.

نسبة نجاح الحزب في النظام الفردي وإن كانت تعتمد على توسيع القاعدة الشعبية فإنها أيضا وبما لا أهمية ترجع إلى نجاح الحزب في اختيار مرشحيه في كل الدوائر وقدرته على الدفع بوجوه جديدة، ولم يكتف كما كان يحدث في عقود سابقة بالمراهنة على مرشحيه القدامى ولا حتى على أعضائه داخل البرلمان الذين خسر بعضهم مقعده في الانتخابات رغم دورهم الواضح في مجلس النواب وتواجدهم الإعلامي. علاوة على ذلك فالمؤكد أن الحزب كون “ماكينة” انتخابية جيدة للغاية تجيد إدارة المرشح وحملته الانتخابية، ومن ثم كان دعم الحزب واضحا في تأمين حظوظ أفضل لمرشحيه الذي كان الكثير منهم لا يمتلك الإمكانيات الكافية لحملة انتخابية بالشكل الذي حدث لكل مرشحي حزب مستقبل وطن. 

مستقبل وطن وتحريك المياه الراكدة.

ما حققه حزب مستقبل وطن إنجاز حقيقي يحسب للحزب، ولكنه في الوقت نفسه حجر كبير ألقي في المياه الراكدة للحياة الحزبية أو بالأحرى جرس إنذار من العيار الثقيل للحياة الحزبية والسياسية في مصر. فإنجاز الحزب في الخمس سنوات الماضية يؤكد وجود واتساع حالة الفراغ التي تعاني منها الحياة الحزبية، ليس فقط بسبب شكلانية الأحزاب الموجودة (ما لا يقل عن 104 حزب) وعدم تواجدها في الشارع، ولكن حتى على مستوى تراجع واختفاء بعض الأحزاب التاريخية مثل حزب الوفد وحزب التجمع أو الأحزاب الجديدة التي كان يعول عليها مثل حزب المصريين الأحرار أو المصري الديمقراطي. والسؤال الأن هل يكون ما حققه حزب مستقبل وطن دافعا لهذه الأحزاب لتدارس التجربة وعلاج أوجه القصور لاستثمار ما حققته سابقا والبقاء في معادلة الحياة الحزبية المصرية، أم تشهد الانتخابات المقبلة بعد خمس سنوات تراجعا جديدا لتلك الأحزاب وربما استخراج شهادة وفاة البعض منها. إضافة إلى ذلك لابد من التساؤل أيضا عما إذا كان ما حققه حزب مستقبل وطن يمكن أن يكون عاملا إضافيا لإقناع الأحزاب الأخرى بضرورة التخلص من حالة التشرذم الكبيرة فيما بينهم والالتئام في حزب أو حزبين كبيرين للحفاظ على حظوظ توجهاتهم وإثراء للحياة الحزبية والسياسية في مصر، أم تظل حالة التشرذم وتغليب المصالح الحزبية والشخصية الضيقة هي السائدة، ثم يحمل البعض المسئولية لحزب مستقبل وطن ويكيلون له كل الاتهامات المعلبة كما سماها رئيس مجلس الشيوخ، وتكون المحصلة مزيدا من النجاحات للحزب ومزيدا من الإخفاقات للأحزاب التاريخية وأحزاب ما بعد يناير 2011. 

دماء جديدة في مجلس النواب

ما حققه حزب مستقبل وطن لم يكن التغير الوحيد الذي شهدته انتخابات 2020. فالتغيير الذي شهدته تركيبة مجلس النواب بين الأحزاب والمستقلين تغيير كبير لم تألفه الانتخابات المصرية من قبل. فإضافة إلى استمرار الحالة الإيجابية المتمثلة في تواجد عدد لا بأس به من الأحزاب داخل البرلمان وهي الحالة التي بدأت منذ انتخابات 2015 بينما كان البرلمان سابقا حكرا على الحزب الوطني ومعه حزبين أو ثلاثة بتمثيل ضعيف للغاية، فإن الأعضاء الجدد في مجلس النواب من الأحزاب والمستقلين يمثلون على الأقل ثلاثة أرباع المجلس. فنسبة الأعضاء السابقين سواء من خاضوا الانتخابات وخسروا مقاعدهم أو من أحجم عن الترشح تمثل 76%، وهو ما يعني أن ذلك المجلس سيكون مختلفا كلية عن المجلس السابق، وهو أمر لم تعرفه الانتخابات المصرية من قبل، إذ ظلت كثير من الوجوه الحزبية والمستقلة في مجلس النواب لدورات عديدة حتى بدا وكأن من يدخل المجلس لا يكاد يخرج منه. برلمان 2021ـ 2026 به الكثير من الوجوه مختلفة والكثير منهم من الشباب وجميعهم بدون خبرة برلمانية سابقة، والكل يبحث عن كتابة صفحة مضيئة في مشواره البرلماني تؤهله للاستمرار في المجلس وألا يكون مصيره مثل بعض الشخصيات اللامعة التي خسرت مقعدها بصرف النظر عن الحزب الذي تمثله. وهنا تبدو محطة التغيير الثانية الأهم في انتخابات 2020، وهي أن الناخب وعلى عكس ما يشاع بات حريصا على متابعة أداء نوابه وبات قادرا على محاسبتهم في ظل توافر كل الضمانات لحرية ونزاهة وشفافية الانتخابات. وهو الأمر الذي يعني أن الساحة المشهد البرلماني مفتوح على تغيرات إيجابية حقيقية يمثل الناخب ضلعا أساسيا فيها واضعا الأحزاب السياسية واللاعبين السياسيين أمام تحد حقيقي.

نقلة نوعية للمرأة في مجلس النواب

أما التغير الثالث الأبرز فهو يتعلق بالمرأة، فهناك جانبا سلبيا وآخر إيجابيا. أما الجانب السلبي فيتمثل في تراجع نسبة ترشح المرأة ونسبة نجاحها في المقاعد الفردية رغم الغلبة الكبيرة والواضحة لمشاركة المرأة في لتصويت في العملية الانتخابية. فقد ترشحت المرأة على المقاعد الفردية بإجمالي عدد 347 امرأة نجح منهم 6 سيدات فقط وذلك بنسبة 1.7%. أما الجانب الإيجابي فهو أن التغيير الذي لحق بنسبة عدد المقاعد المخصصة للانتخاب بنظام القائمة قد أمن للمرأة نسبة معتبرة من المقاعد وهي النسبة المقررة في الدستور (25%)، حيث حصلت المرأة في القائمة على 142 مقعد ليصل إجمالي مقاعدها إلى 148 مقعدا بالانتخاب، بينما كان عدد مقاعدها في برلمان 2015 المنتخبين 75 مقعدا (56 قائمة و19 فردي)، وبذلك تكون نسبة الزيادة في تواجد المرأة بالانتخاب قد تضاعفت تقريبا. أما العدد الإجمالي للمرأة في برلمان 2015 بعد إضافة المعنيات (14 سيدة) فقد وصل إلى 89 سيدة بما يعادل 15% من إجمالي أعضاء مجلس النواب، بينما كانت تلك النسبة في برلمان 2011 حيث سيطرة الإخوان والسلفيين بموقفهم السلبي من المرأة 1.8% فقط وهي النسبة الأقل للمرأة خلال العشرين عاما الماضية. 

انتخابات 2020 بلا عنف ولا دعاية دينية

تمت انتخابات 2020 كما سابقتها في عام 2015 ـ ورغم كل الظروف الاستثنائية المتعلقة بكورونا ـ بلا الملامح السلبية التي كانت القاسم المشترك في كل الانتخابات التي أجريت قبل ثورة 30 يونيو 2013. إذ جاءت انتخابات 2020 لتكرس انتهاء عهد الخروقات الانتخابية متمثلة في أعمال العنف وأحيانا البلطجة أمام اللجان واستخدام الدعاية الدينية سواء في الشعارات الانتخابية أو في استغلال دور العبادة لأغراض انتخابية وكذلك استخدام المقدرات الحكومية لصالح مرشحين بعينهم. فكل تقارير الجهات التي تابعت الانتخابات جاءت خالية تقريبا من تسجيل خروقات من شأنها التأثير على سير العملية الانتخابية كتلك التي كان تذخر بها تقارير تلك الجهات سابقا. أما الحديث المتواتر عن المال السياسي فهو وإن كان حقيقيا فإنه يتغافل عن عمد أن استخدام المال السياسي المجرم بحكم القانون لم يعد لأجهزة الدولة ولا للجهة المنظمة للعملية الانتخابية علاقة به بل إنها حاولت التصدي له، ولكن الأمر يتطلب تغييرا في ثقافة المرشحين والناخبين على السواء، ناهيك عن أنه لا يوجد دليل عملي على أن ما أنفقه المرشحون من أموال قد انعكس بالضرورة في زيادة التصويت لهم. إذ لم يعد ممكنا لهؤلاء المرشحين التأكد من أن من حصل منهم على رشوة انتخابية قد صوت لهم بالفعل، فقد انتهى أيضا عهد البطاقة الدوارة وبطاقات التصويت الملقاة على قارعة الطريق.

المعارضة في مجلس النواب

آخر الاتهامات المعلبة التي يشهرها البعض في وجه البرلمان الجديد هي أنه سيكون بلا معارضة حقيقية، على الاعتبار أن حزب مستقبل وطن يحوز 53% من مقاعد مجلس النواب، بما يجعل منه ـ طبقا لوجهة نظرهم ـ صورة أخرى من الحزب الوطني الديمقراطي. والحقيقة أن الحكم بوجود معارضة من عدمه في البرلمان لابد أن ينتظر انعقاد البرلمان ومتابعة أداء نوابه أولا بما في ذلك أعضاء حزب مستقبل وطن أنفسهم خاصة وأن الاختلافات الإيديولوجية بين الأحزاب عامة وبين الأحزاب المتواجدة تحت قبلة المجلس ليست كبيرة بالدرجة التي يمكن معها توقع وجود معارضة بالشكل الذي يتوق إليه مطلقو ذلك الاتهام والتي لا تستهدف بالضرورة الصالح العام بقدر ما تستهدف الإعلان عن نفسها كأشخاص وكأحزاب، وتصور أن قوة مجلس النواب وفعالية المعارضة فيه لا تكون إلا من خلال الاستجواب وإسقاط وزير أو الحكومة برمتها هو تصور تقليدي يستند إلى مبدأ المعارضة من أجل المعارضة وتسجيل النقاط وإجادة “الشو الإعلامي” لمغازلة الرأي العام، بينما عمل المجلس ودوره في مراقبة ومحاسبة الحكومة يمتلك آليات أخرى كثيرة سينعكس تفعليها بالإيجاب حتما على أداء المجلس. 

أما اتهام حزب مستقبل وطن بأنه يعيد إنتاج الحزب الوطني، فالحقيقة أن الحزب وإن كان يتبنى توجها داعما للدولة، فإنه ليس حزب الرئيس كما كان الحزب الوطني، كما أن نسبة الحزب في المجلس وإن كانت تؤهله لقيادة المجلس فإنها لا تقترب مما كانت عليه نسبة الحزب الوطني في مجلس الشعب حيث كان يسيطر على المجلس بنسبة لا تقل عن 80% في أحسن الأحوال. كما أن حزب مستقبل وطن هو من سعى لتشكيل قائمة وطنية عريضة تضم معه 12 حزبا لم يفكر في الحصول منها على 80% أو أكثر بل وكان بإمكانه أن يشكل القائمة منفردا، فهو الحزب الوحيد الذي رشح أعضاءه في كل دوائر الانتخابات في النظام الفردي. والأهم من كل ذلك أن الساحة السياسية والتغيرات التي شهدتها مصر خلال العقد الماضي لم يعد بها مجالا أو على الأقل لم يعد مرحبا فيها بالحزب الوطني الديمقراطي أو أي نسخة منه سواء من حيث التوجهات أو الأداء، والكرة قبل كل شئ في ملعب الرأي العام والأحزاب للبناء على ما تم انجازه والحيلولة دون العودة إلى ما كان من سلبيات ثار عليها الشعب المصري ويجب أن يكون طلاقه منها طلاقا بائنا لا رجعة فيه. 

وإذا كان مجلس النواب قد تحمل خلال الفترة من 2015 إلى 2020 الكثير من الضغوط والتشكيك رغم أنه عمل في ظروف غير مواتية، فإن ذلك المجلس نجح بالفعل في تحقيق الاستقرار الذي كانت تتوق الدولة المصرية له في ظل تلك الظروف. المجلس الجديد يعول عليه أن يكون مدخلا للانطلاق لمساعدة الدولة في تحقيق أهدافها الإستراتيجية التي تضمنتها رؤية مصر 2030، وهنا سيتحمل حزب الأغلبية ممثلا في حزب مستقبل وطن المسئولية الأكبر ومعه باقي الأحزاب والمستقلين في المجلس. وبكل تأكيد فإن تحقيق ذلك الهدف يستلزم بالضرورة تكاتفا من الجميع في الإعلام والرأي العام وكافة مؤسسات الدولة وإفساح المجال ليبدأ المجلس عمله بعيدا عن الاتهامات المعلبة سابقة التجهيز دون مزايدات ودون الاكتفاء بالجلوس في مقاعد المتفرجين انتظارا لأخطاء هنا أو هناك يتم استغلالها لتثبيت الاتهامات تماما كما ينتظر ويفعل محور الشر بأبواقه وآلياته المختلفة.

نقلًا عن الأهرام 22 ديسمبر

Scroll Up