عرض – هبة شكري

نشر جهاز الأمن الداخلي بالولايات المتحدة بالتعاون مع برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن الأمريكية  دراسة تحت عنوان ” التمويل الدولاري لداعش:  تحليل المكون المالي لتنظيم الدولة الإسلامية داخل الولايات المتحدة”، أعده الباحثون “لورينزو فيدينو” ، “جون لويس” و ” أندرو ماينس”.

وركزت الدراسة على المكون المالي لتنظيم الدولة الإسلامية داخل الولايات المتحدة في الفترة ما بين 2013، بعد اعتقال أول عضو في التنظيم في أغسطس 2020 ، فيما تشمل الدراسة تحليلا للمعلومات الخاصة بأعضاء التنظيم المتهمين داخل الولايات المتحدة بارتكاب جرائم وفقاً للقانون الأمريكي، والذين يبلغ عددهم 209أشخاص.

ولوحظ في الدراسة أن الغالبية العظمى من أنصار تنظيم الدولة في الولايات المتحدة لم يتركوا خلفهم بصمة مالية كبيرة، حيث ركز أغلبهم على السفر إلى الخارج للانضمام إلى داعش، أو القيام بهجمات محليا أو تقديم أشكال أخرى من الدعم للتنظيم. وبشكل عام، جمع أغلبهم مبالغ صغيرة من المال وذلك على الأرجح من خلال تكتيكات بسيطة للغاية.

ارتكزت الدراسة على تحليل طرق جمع أنصار داعش المتمركزين في الولايات المتحدة الأموال لأنشطتهم سواء من خلال السفر إلى الخارج للانضمام إلى التنظيم، حيث حلل فريق من باحثي برنامج التطرف كافة المعلومات حول الأفراد الذين تم اعتقالهم أو إدانتهم في الولايات المتحدة بسبب أنشطة مرتبطة بتنظيم الدولة، أو إرسال الأموال إلى الخارج لدعم التنظيم أو عناصره، أو تنفيذ هجمات باسم التنظيم. إذ تسعى الدراسة لكشف كيفية نقل هذه الأموال بهدف إمداد صناع القرار بكافة المعلومات التي تسهم في تفادي خطرالإرهاب الجهادي في أمريكا وخارجها.

وخلصت الدراسة إلى بعض الملاحظات التي تم إجمالها في التالي:

  • اعتمدت الغالبية العظمى من أنصار داعش على المدخرات الشخصية في سبيل تمويل أنشطتهم، وشغل العديد منهم وظائف وضيعة وذلك نظراً لأن معظم نفقاتهم، سواء شراء تذاكر طيران أو أسلحة أو حتى إرسال مبالغ صغيرة إلى زملائهم من أنصار داعش في الخارج، لم تتجاوز البضعة آلاف من الدولارات.
  • انخرط البعض في أنشطة إضافية لجمع الأموال لتكملة مدخراتهم، إذ شارك 49 شخصا (23.4٪) في التكتيكات القانونية بينما شارك 14 (6.7٪) في تكتيكات غير قانونية. وبالنسبة للجزء الأكبر ، فإن الطرق التي استخدم بها أنصار داعش الأمريكيون أساليب غير قانونية لجمع الأموال كانت بدائية.
  • في أربع حالات فقط تم تحديد صلة بين الأنشطة المتعلقة بالإرهاب والجرائم العنيفة وتجارة المخدرات، حيث اتضح أن قلة قليلة من أنصار داعش في الولايات المتحدة لديهم خلفية إجرامية، وهوما يعد تناقضاً صارخاً مع الديناميكيات التي لوحظت في أوروبا.
  • يميل مؤيدو تنظيم الدولة في الولايات المتحدة إلى تجنب استخدام المؤسسات المصرفية لنقل الأموال، وبدلاً من ذلك ، تحولوا إلى خدمات تحويل الأموال ولم يلجأوا إلى العملات المشفرة إلا في حالات نادرة.
  • اعتماد معظم الأعضاء في جمع الأموال التي يحتاجونها لأنشطتهم المتعلقة بداعش على روابط القرابة أو الصداقة الموجودة لديهم مسبقا، أما البعض الآخر فقد اعتمد على الأفراد المتوافقين معهم في الفكر والذين التقوا بهم بعد التطرف.
  • تمت معظم التبادلات المالية داخل شبكات الدعم في الولايات المتحدة، كما التقى أنصار داعش عبر شبكة الإنترنت وتبادلوا الأموال لتسهيل سفر بعضهم البعض إلى سوريا.
  • كانت المبادلات المالية المباشرة مع أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية الأجانب نادرة، وفي حالة واحدة فقط كانت هذه التبادلات تهدف إلى دعم الهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية.
  • لا يوجد ما يشير إلى إنشاء كيانات خيرية أو استخدامها لتمويل الأنشطة المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.
  • بالرغم من الحجم الصغير للبصمة المالية لأنصار داعش في الولايات المتحدة يعد بشرى سارة للسلطات الأمريكية، لكن على الصعيد الآخر فإن ذلك يمثل تحديًا للمحققين، الذين غالبًا ما يعتمدون على العمليات المالية للكشف عن المتهمين بالإرهاب وللكشف عن الأدلة في الملاحقات القضائية ضدهم.

فيما يخص تمويل الإرهاب، اعتبرت الدراسة أن المصطلح واسع بطبيعته ويمكن أن يشير إلى العديد من الديناميكيات المتداخلة. إذ يمكن أن يشير إلى وسائل حصول الجماعات الإرهابية على الموارد للحفاظ على نطاق واسع من أنشطتها، من شراء الأسلحة ودفع الرواتب لمجنديها أو الحفاظ على هيكل بيروقراطي يشبه الدولة. وعلى المستوى الجزئي، فيشمل تمويل الإرهاب الأنشطة التي ينخرط فيها الأفراد أو الشبكات الصغيرة لتقديم الدعم المالي لمجموعة إرهابية أو لأعمالهم المتعلقة بالإرهاب.

وأضافت، أن تمويل الإرهاب ظاهرة مرنة ومتغيرة باستمرار، حيث اقتصر تحليلها على الجماعات والأفراد المدفوعين بالأيديولوجية الجهادية، لكن هناك ضرورة لإدراك التغير الذي طال تمويل التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية. فقبل عام 2001 ، وصل تمويل تنظيم القاعدة، التي حملت راية الجهاد الدولية في تسعينيات القرن الماضي حتى عام 2000، إلى حوالي 30 مليون دولار سنويًا، وفقًا للجنة 11 سبتمبر، إذ جاء معظم التمويل من أفراد أثرياء مقيمين في منطقة الخليج العربي بالإضافة إلى الجمعيات الخيرية التي عملت على جمع التبرعات من المتبرعين، سواء بعلمهم بأنشطتها أو دون علمهم، هذا بالإضافة إلى استخدام التحويلات البرقية إلى البنوك الأمريكية، حيث مولت القاعدة  نفقات السفر والتدريب والمعيشة لمختطفي الطائرات في 11 سبتمبر، وقدرت تكلفة العملية بأكملها حوالي 500000 دولار .

واعتبرت الدراسة أن انخفاض مستوى الاهتمام بتنظيم للقاعدة ساهم في تزايد تجميع أعضائها للأموال ونقلها، تزامناً مع محدودية تدخل جهات إنفاذ القانون والاستخبارات في الولايات المتحدة. وعلى مستوى الدولي، ففي أعقاب هجمات 11 سبتمبر ظهر تمويل الإرهاب كقضية رئيسية على الصعيدين المحلي والدولي. وهو ما فع صناع السياسة بتوجيه النداءات لتطبيق خطوات عملية لخنق تدفق الأموال إلى الإرهابيين كأحد التكتيكات الأولى لمنع الهجمات المستقبلية. فكما صرح الرئيس جورج دبليو بوش في 23 سبتمبر 2001 “المال هو شريان الحياة للعمليات الإرهابية”.

واستطردت الدراسة، أنه منذ ذلك الحين، أصبح وقف تمويل الإرهاب أحد الأركان الأساسية لاستراتيجيات المجتمع الدولي لمكافحة الإرهاب، واعتمدت الولايات المتحدة على هذا الركن بشكل أساسي، حيث استثمرت الدولة موارد هائلة لتضييق الخناق على تمويل الإرهاب.

وفي غضون أسابيع من الهجمات، اتخذت الحكومة الأمريكية خطوات رئيسية لمعالجة المشكلة محليًا، حيث أدى الشعور بالإلحاح المستمد من هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى قيام جميع الجهات الفاعلة في مجال الأمن القومي داخل حكومة الولايات المتحدة المشاركة في مكافحة الإرهاب من خلال إنشاء وحدات مكرسة لتتبع تمويل الجماعات الإرهابية. وقد أدى التعاون المتزايد بين الوكالات الأمريكية المختلفة إلى تحسن نظام مكافحة الإرهاب داخلها بعد 11 سبتمبر. إذ ترتب على ذلك تزايد تبادل المعلومات بين وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون، وتعزيز التعاون بين المؤسسات المالية الخاصة.

وألمحت الدراسة إلى أن مكافحة تمويل الإرهاب كان يتم بشكل عشوائي ومفكك قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الحكومة الأمريكية لعبت دورًا رئيسيًا في دفع الدول الفردية إلى اعتماد أنظمة داخلية لتتبع تمويل الإرهاب وتعزيز آليات التعاون الدولي في هذا المجال. وأشارت في هذا الصدد، إلى  قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1373، الذي أنشأ نظامًا عالميًا لتجريم تمويل الإرهاب وتجميد الأصول واعتماد آليات تنظيمية.

وعلى الرغم من الخطابات والجهود الملموسة من جانب العديد من الساسة، إلا أنه اتضح أن الوقف التام لتدفق الأموال المستخدمة في تمويل الإرهاب كان مجرد وهم، حيث لجأ الإرهابيون إلى عدد لا يحصى من الطرق لجمع الأموال وتحريكها، ولا سيما بمبالغ قليلة، وبعض تلك الطرق يكاد يكون من المستحيل اكتشافها. علاوة على ذلك، أدركت السلطات أن التحقيقات في تمويل الإرهاب معقدة للغاية، إذ يصعب إثبات الأدلة في الولايات القضائية الأجنبية خاصة في موضوعات “إثبات النية”، أي إثبات أن فردًا أو منظمة على علم بأن الأموال التي حولها كانت بغرض تمويل أعمال إرهابية. في الوقت ذاته، أدت الملاحقة الحثيثة لممولي الإرهاب أحيانًا إلى بعض حالات الإخلال بالعدالة، لا سيما في الأيام الأولى بعد أحداث  11 سبتمبر، حيث وُجهت تهم جنائية إلى بعض الأفراد والمنظمات أو جُمدت أصولهم بناءً على أدلة واهية.

على الرغم من التحديات والحوادث العرضية، فإن النظام الذي تم وضعه بعد عام 2001 لمكافحة تمويل الإرهاب، والذي تم تعديله وتحسينه بمرور الوقت، قد أسفر عن نتائج جوهرية على الصعيدين المحلي والدولي. لكن كما هو متوقع، غيرت الجماعات الجهادية تكتيكاتها بسرعة، فلجأوا إلى جمع التبرعات من المؤيدين الأثرياء والجمعيات الخيرية واستخدام الخدمات المصرفية الرسمية. وبشكل عام، فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، تنوعت مصادر التمويل لتشمل مجموعة واسعة من الأنشطة القانونية وغير القانونية. ثم تحول الإرهابيون من الاعتماد على إجراءات الصرف غير الرسمية إلى أنظمة الدفع من خلال شبكة الإنترنت.

وأردفت الدراسة، أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية أحدث ثورة في العديد من جوانب الإرهاب الجهادي، بما في ذلك التمويل، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ التنظيمات الجهادية، إذ تمكن التنظيم من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي بين سوريا والعراق ( خاصة في عام 2014 الذي قُدر فيه حجم الأراضي المسيطر عليها ما يعادل مساحة بحجم بريطانيا العظمى تقريبًا)، ونجح في إنشاء جهاز شبيه بالدولة يعمل بكامل طاقته لحكم التنظيم. لذا، فمن أجل الحفاظ على جهوده العسكرية وأجهزته الحاكمة، احتاج التنظيم إلى جمع أموال على نطاق لم يكن من الممكن تصوره من قبل لجماعة جهادية. حيث يُعتقد أن تنظيم الدولة الإسلامية، في ذروته، كان يعد  “أغنى منظمة إرهابية في التاريخ”. ففي حين أنه من المستحيل رصد المبالغ بشكل دقيق، إلا أن التقديرات تشير إلى أن صندوق حرب داعش يصل إلى 6 مليارات دولار .

ووفقًا لوزارة الخزانة الأمريكية، استمد تنظيم الدولة الإسلامية الغالبية العظمى من إيراداته من مصدرين رئيسيين للتمويل ألا وهما، ابتزاز وفرض الضرائب على السكان المدنيين في العراق وسوريا وتهريب وبيع النفط بالإضافة إلى المنتجات النفطية. كما اعتمد التنظيم على عدة تكتيكات إضافية لجمع الأموال، من نهب البنوك في الأراضي التي استولى عليها إلى تبرعات المؤيدين في جميع أنحاء العالم وإجرائه لعمليات خطف مقابل الفدية فضلاً عن عمليات تهريب الآثار.

ومن ثم، احتلت مسألة تقليص مصادر دخل الدولة الإسلامية إحدى أولويات المجتمع الدولي القصوى، وتم الاعتماد على استراتيجيات مبنية على الضربات الجوية التي تستهدف مصافي النفط وخطوط الأنابيب والبنية التحتية للتنقيب. بالإضافة إلى ذلك، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على النفط المتدفق من الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وفي أعقاب عمليات استهداف مصادر التنظيم النفطية، قام برفع الضرائب على السكان الخاضعين لسيطرته.

بحلول عام 2015، تصاعدت المخاوف بشأن تنظيم الدولة الإسلامية بشكل كبير، خاصة عندما بدأت الدول الغربية تعاني من موجة غير مسبوقة من الهجمات على أراضيها. ففي الفترة ما بين يونيو 2014 و 2019 ، وصل عدد الهجمات التي نفذها التنظيم  أوروبا وأمريكا الشمالية إلى ثمانين هجومًا، وكان معظم تلك الهجمات بسيطة نسبيًا في تخطيطها، وفي بعض الحالات لم تكلف شيئًا على الإطلاق. حيث أن العديد من الجناة لم يسافروا، وقاموا بدعم أنشطتهم عبر دخلهم الشخصي، ونفذوا الهجمات باستخدام الأدوات اليومية مثل السيارات وسكاكين المطبخ وغيرها.

وفيما يخص التعبئة المحلية للتنظيم داخل الولايات المتحدة، ذكرت الدراسة أنها تعد أصغر نسبيًا من تلك الموجودة في معظم دول أوروبا الغربية ولكنها غير مسبوقة من منظور تاريخي. فمنذ عام 2011، وجهت السلطات الأمريكية اتهامات إلى 209 أفراد بارتكاب أنشطة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية. ويقدر عدد الأمريكيون الذين  سافروا أو حاولوا السفر إلى سوريا والعراق للانضمام للتنظيم حوالي 300 أمريكي، ويعد المكون المالي عاملاً هاماً للغاية للتعبئة.

وبشكل عام، يعتمد التقرير على مجموعة معلومات تم تجميعها من خلال تحقيقات استمرت لعدة سنوات واعتمدت على عشرات الآلاف من الصفحات من الوثائق الخاصة بالقضايا في المحاكم الأمريكية، بالإضافة إلى البيانات الصحفية الصادرة عن وزارة العدل والمقابلات مع متخصصي الأمن القومي، فضلاً عن المقالات الإخبارية التي تقدم بشكل جماعي صورة مفصلة لكل فرد في هذا التقرير. إجمالاً، قام معدو الدراسة برصد ملاحظاتهم حول النشاط المالي في الولايات المتحدة لدعم الدولة الإسلامية حتى 31 أغسطس 2020 ويواصلون تتبع النشاط المالي لمؤيدي الدولة الإسلامية المتمركزين في الولايات المتحدة.

فيما يتعلق بتكتيكات جمع الأموال، ذكرت الدراسة أن الغالبية العظمى من أنصار التنظيم في الولايات المتحدة تركوا خلفهم بصمة مالية صغيرة، سواء ركزوا على السفر إلى الخارج للانضمام إلى داعش، أو تنفيذ هجمات محليًا أو تقديم أشكال أخرى من الدعم للتنظيم. إذ جمع معظم أنصار داعش الأمريكيين مبالغ صغيرة من المال وغالبًا من خلال تكتيكات بسيطة للغاية. واعتمد الغالبية العظمى منهم على المدخرات الشخصية لدفع التكاليف الصغيرة المطلوبة لأنشطتهم.

ثم تناولت الدراسة تكتيكات جمع التبرعات القانونية، حيث أشارت إلى معظم داعمي داعش الأمريكيين لم يكونوا في حاجة إلى الانخراط في أنشطة جمع أموال إضافية للحصول على أموال لتعزيز خططهم المتعلقة بالإرهاب، إلا أن البعض فعل ذلك. فقاموا بالمشاركة في أنشطة قانونية أوغير قانونية. وعلى الرغم من أن تمويل الإرهاب يشكل دائمًا جريمة فيدرالية ، إلا أن هناك العديد من أنشطة جمع الأموال التي تستهدف الإرهاب والتي ليست في حد ذاتها غير قانونية بطبيعتها.

وفي هذا الصدد، رصد معدو الدراسة 49 حالة (23.4٪) استخدم فيها مؤيدو التنظيم من الأمريكيين، الوسائل القانونية للحصول على الأموال بالإضافة إلى المدخرات الشخصية من أجل تقديم الدعم لتنظيم الدولة الإسلامية أو الحفاظ على أنشطتهم الخاصة لدعم المجموعة.

وكمثال على التكتيكات القانونية، سلطت الدراسة الضوء على عدة صور في هذا السياق، منها التبرعات، التي تعد التكتيك الأكثر لدى أنصار داعش الأمريكيون. إذ جاءت التبرعات في الغالب من داخل شبكات الدعم الموجودة مسبقًا للأفراد، وفي حالات قليلة، من شبكات الدعم الجديدة التي شكلها الأفراد مؤخرًا عبر الإنترنت. وجاء التكتيك الثاني متمثلاً في بيع الأصول، حيث قام بعض أنصار تنظيم الدولة الإسلامية المتمركزين في الولايات المتحدة ببيع أصول على وجه التحديد للمساعدة في تمويل أنشطتهم المتعلقة بالإرهاب. وتباينت أنواع الأصول المباعة، لكنها كانت تهدف دائمًا إلى المساعدة في تمويل السفر إلى الخارج للانضمام إلى الدولة الإسلامية. أيضاً، لجأ البعض إلى التقدم للحصول على حد ائتمان جديد وحصلوا عليه لتمويل تكاليف تذاكر الطائرة للانضمام إلى داعش في الخارج. كما استخدمت حالة واحدة تعويضات بناء على دعوى قضائية تم رفعها داخل الولايات المتحدة من قبل الأشخاص الذين تضرروا من انهيار جسر بالمسيسيبي عام 2007. بينما قام البعض بالاعتماد على استرداد ضريبة الدخل.

أما بالنسبة لتكتيكات جمع التبرعات غير المشروعة، فاستند عدد من أنصار داعش الأمريكيين إلى تكتيكات غير قانونية لدعم أنشطة الجماعة أو أنشطتهم الخاصة. إذ لجأ البعض إلى الاحتيال في المساعدات المالية الممنوحة من الدولة، بالإضافة إلى البيع غير المشروع للأسلحة النارية و تجارة المخدرات والاختلاس، فضلاً عن الاحتيال المصرفي، حيث بلغت الأموال التي تم الحصول عليها عن طريق الاحتيال من المؤسسات المالية الأمريكية أكثر من 85000 دولار.

وفي السياق ذاته، سلطت الدراسة الضوء على مرتكبي الهجمات الإرهابية، حيث عانت الولايات المتحدة من أكثر من 20 هجومًا إرهابيًا مستوحياً من الأيديولوجية الجهادية خلال العقد الماضي، وأشارت أن الولايات المتحدة تعد ثاني أكثر دولة مستهدفة في الغرب، تسبقها فرنسا فقط. إلا أن معظم الهجمات في الولايات المتحدة صغيرة إلى حد ما وغير معقدة. باستثناء هجوم ديسمبر 2015 سان برناردينو بكاليفورنيا، وحادث Pulse Nightclub في يونيو 2016 في أورلاندو بفلوريدا ؛ وهجوم دهس شاحنة مانهاتن في أكتوبر 2017. ورأى معدو الدراسة أن في الحوادث الإرهابية التي تمت كان هناك تعكس تأثراً واضحاً للجناة بالأيديولوجية الجهادية بالرغم من عدم إدلائهم بالولاء لأي جماعة.

وبالرغم من مبايعة البعض تنظيم الدولة الإسلامية وادعائهم أنهم بتنفيذ الهجوم نيابة عن التنظيم، وإعلان تنظيم الدولة الإسلامية مسئوليته عن وقوع سبع هجمات على الأراضي الأمريكية. إلا أنه  لا توجد دلائل على ذلك، كما أنه ليس هناك ما يشير إلى أي تمويل خارجي في أي هجوم ناجح.

وفيما يتعلق بتكتيكات الحركة بشأن نقل الأموال، أفادت الدراسة أن أنصار تنظيم الدولة الإسلامية الذين يتخذون من الولايات المتحدة مقراً لهم قاموا بجمع الأموال عبر طرق مختلفة، أجملتها في ستة تكتيكات للحركة يتم استخدامها لتبادل الأموال والأصول. يتمثل أولها في النقل المادي، ففي معظم الحالات، تم نقل الأموال من خلال النقل المادي والتسليم باليد من أحد مؤيدي داعش إلى آخر. وفي الغالبية العظمى من الحالات، كانت المبالغ المعنية صغيرة جدًا. كما اعتمد البعض على التحويلات المالية، حيث تم لرصد ثماني حالات فقط من أنصار داعش المتمركزين في الولايات المتحدة باستخدام نظام مصرفي منتظم لنقل الأموال. هذا بالإضافة إلى استخدامهم خدمات تحويل الأموال أو القيمة غير المصرفية، إذ لجأ 24 شخص من ضمن العينة التي أجرتها الدراسة إلى أستخدام  خدمات عبر شركتيWestern  Union  و MoneyGram . وألمحت الدراسة إلى افتقار استخدام التحويلات القائمة على العملات المشفرة ، واعتماد أنصار التنظيم على اللجوء لأسهل أساليب حركة الأموال المتاحة وأكثرها شيوعًا. إلا أنها رجحت أن أن يتحول الداعمون الأمريكيون للجماعات الإرهابية مثل الدولة الإسلامية إلى العملات المشفرة في المستقبل.ولجأ انصار التنظيم أيضاً إلى غسيل أموال، ونقل المعدات لأفراد التنظيم.

وفيما يخص شبكات الدعم المالي، حدد معدو الدراسة أربع فئات كالتالي:

1) عدم وجود شبكات دعم :

لم يتلق غالبية مؤيدي داعش المقيمين في الولايات المتحدة ولم يقدموا أي دعم مالي من أو إلى متآمرين آخرين. حيث كان بعضهم بالفعل جزءًا من شبكات صغيرة من أنصار الدولة الإسلامية، لكنهم لم يتبادلوا أي أموال أو أصول مع أعضاء الشبكة الآخرين. جدير بالذكر أن الأفراد الذين يخططون بمعزل عن الآخرين يميلون إلى أن يكونوا أكثر صعوبة في العثور والاعتراض بالنسبة للسلطة الحاكمة.

 2) شبكات دعم موجودة مسبقًا

كشفت الأبحاث حول هذا الموضوع عن الدور المهم الذي يلعبه الدعم الموجود مسبقًا، إذ تلعب الشبكات دورًا في تسهيل وتشكيل السلوك الراديكالي سواء كانت صغيرة مثل مجموعات من الأصدقاء، أو عائلات، أو مجموعات أكبر تمتد عبر اتصالات الأسرة أو الأصدقاء أوالدائرة الاجتماعية القريبة. حيث أن شبكات الدعم الموجودة مسبقًا لها تأثيرات مختلفة على قرارات الأفراد عندما يتعلق الأمر بدعم المنظمات أوالأنشطة الإرهابية . فمن وجهة النظر المالية ، تعد شبكات الدعم الموجودة مسبقًا هي عادة مصادر دعم لمؤيدي تنظيم الدولة الإسلامية في مختلف مراحل حشدهم.

  3) شبكات دعم جديدة

في عدد من الحالات، اعتمد الأفراد أو أرسلوا الأموال إلى مؤيدي الدولة الإسلامية الآخرين الذين التقوا بهم أثناء مسار التطرف أو بعده. وفي كثير من الحالات ، تم إجراء هذه الاتصالات عبر الإنترنت من خلال منصات التواصل الاجتماعي مثل Facebook و Twitter و Telegram. وفي حالات أخرى ، كان الأفراد الذين شكلوا هذه الشبكات مقيمين في الولايات المتحدة ، وهم أفراد متطرفون حديثًا ساعدوا بعضهم البعض ماليًا في جهودهم للانضمام إلى داعش أو دعمها.

لكن في حالات قليلة ، لجأ أنصار تنظيم الدولة الإسلامية المتمركزين في الولايات المتحدة إلى شبكات دعم جديدة عبر الإنترنت مع أفراد في الخارج لتبادل الأموال.

 4) شبكات دعم مباشر مع نشطاء أجانب من الدولة الإسلامية .

خلال الفترة التي أجريت فيها الدراسة، التقى العديد من الجهاديين الأمريكيين عبر الإنترنت بـ “رواد أعمال افتراضيين”، وهم أعضاء مكتملي العضوية في تنظيم الدولة الإسلامية يعملون غالبًا خارج الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة، وساهموا بشكل كبير في تشجيع المعتقدات الراديكالية داخل الولايات المتحدة.

خلصت الدراسة إلى أن تمويل الإرهاب المرتبط بتنظيم داعش في الولايات المتحدة منخفض المستوى بطبيعته. وتميل الطرق التي جمع بها مؤيدو الدولة الإسلامية الأمريكية ونقل الأموال إلى أن تكون بسيطة للغاية. وباستثناء بعض الحالات، تمت معظم المعاملات ذات الصلة داخل الولايات المتحدة بين مجموعات صغيرة من الأفراد المتشابهين في التفكير والذين تجنبوا النظام المصرفي. وبالنظر إلى تلك الديناميات، طرحت الدراسة تساؤلاً حول سبب كون الأنشطة المالية على الأراضي الأمريكية لمجموعة عالمية ومتطورة مثل تنظيم الدولة الإسلامية أدنى بكثير من حيث النوعية والكمية مقارنة بأكبر منافس لها في العالم الجهادي القاعدة  والجماعات الإسلامية المتطرفة الأخرى وأيضاً الجماعات الإرهابية مثل حزب الله وحماس. وفي محاولة للإجابة على هذا التساؤل، أفادت الدراسة أنه من حيث الجوهر، يبدو أنه تاريخيًا قام الأفراد والشبكات الداعمة لتلك المجموعات المختلفة في الولايات المتحدة بجمع مبالغ أعلى بكثير من خلال تكتيكات غالبًا ما تكون معقدة للغاية وغالبًا ما قاموا بنقل الأموال عبر الحدود باستخدام الأساليب المهنية . وبتحليل المشهد الأمريكي، فمن الإنصاف القول أن التنظيم على كافة الجماعات الأخرى، مثل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لكن عندما يتعلق الأمر بجمع الأموال ، فقد تخلف التنظيم.

إن الافتقار إلى التطور في مشهد داعش الأمريكي من وجهة نظر مالية واضح أيضًا عند مقارنته بالديناميكيات التي لوحظت في الولايات المتحدة في العقود السابقة. ففي الواقع ، في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين ، انخرط العديد من الداعمين المحليين للقاعدة في تكتيكات معقدة نسبيًا لجمع مبالغ كانت أعلى بكثير من تلك التي جمعها أنصار تنظيم الدولة في السنوات الأخيرة.

وذكر معدو الدراسة أن الجهود المالية المؤيدة لتنظيم الدولة الإسلامية تبدو غير معقدة عند مقارنتها بتلك التي تقوم بها حاليًا الجماعات الإسلامية الأخرى العاملة على الأراضي الأمريكية. فحزب الله مثلاً، يمتلك آلية تمويل معقدة تشمل مصادرها الأعمال التجارية المشروعة والأنشطة غير القانونية والتبرعات داخل المجتمع في جميع أنحاء البلاد .كما  قامت حماس بذلك تاريخيًا، فبينما تم تفكيك بعض آليات جمع التبرعات الخاصة بها في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلا أن المجموعة لا تزال قادرة على جمع الأموال في الولايات المتحدة من خلال مصادر مختلفة.

يمكن القول أن الأسباب الرئيسية هي البروز المفاجئ لداعش والطبيعة الشعبية لمؤيديه في الولايات المتحدة. فخلال التسعينيات ، ظهر تنظيم القاعدة، وهي جماعة جعلت التخطيط الدقيق إحدى علاماتها التجارية، من خلال التسلل بصبر إلى عناصرها أو اختيار المتعاطفين المحليين لإنشاء آليات متطورة لجمع التبرعات داخل أمريكا. وبالمثل، طورت مجموعات مثل حزب الله وحماس خططًا طويلة الأمد للاستفادة من مجتمعات الشتات اللبنانية والفلسطينية في الولايات المتحدة لأغراض جمع التبرعات.

من ناحية أخرى ، انتشر تنظيم الدولة الإسلامية على مستوى العالم بشكل مفاجئ نسبيًا في عام 2013، حيث ظهر كواحد من أعنف جماعات الميليشيات التي تقاتل في سوريا. وقبل ذلك الحين ، كانت المجموعة تعمل تحت أسماء مختلفة، مجرد إطلاق نار للقاعدة العاملة في العراق ثم سوريا، ولم تكرس أبدًا الكثير من الجهود لإنشاء شبكات جمع أموال متطورة خارج البلدان التي تعمل فيها، مثل الولايات المتحدة. لكن عندما أصبحت قوة عالمية بشكل مفاجئ، ركزت على جذب المجندين وتشجيع الهجمات في جميع أنحاء العالم ، لكنها لم تخصص الكثير من الموارد لتأسيس وجود مباشر في الغرب.

في الواقع، يمتلك العديد من داعمي تنظيم الدولة الذين يتخذون من الولايات المتحدة مقراً لهم مهارات تكنولوجية متطورة، وهو ما أصبح واضحًا من خلال كيفية عملهم على منصات وسائط اجتماعية مختلفة منذ أيام الحشد لصالح التنظيم. ورجحت الدراسة أن يتجه أنصار تنظيم الدولة الآخرين الموجودين في الولايات المتحدة لاستخدام مهاراتهم التكنولوجية لإيجاد طرق لتمويل الجماعة أو حلفائها. وفي هذا الإطار، تدرك جهات إنفاذ القانون والهيئات التنظيمية والقطاعات المالية جيدًا أن التحدي الذي يمثله الانتهاك لأغراض الإرهاب المتمثل في آليات جمع الأموال والتحويل على شبكة الإنترنت هو أحد أولويات المستقبل القريب، ذلك بالنظر إلى حشد داعش في الولايات المتحدة منذ أن بدأ قبل حوالي سبع سنوات. واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن النظام الأمريكي يحتاج إلى ضبط دقيق لمواكبة الطبيعة المتطورة للشبكات الإرهابية والتطور التكنولوجي.

Scroll Up