عرض – فردوس عبد الباقي

شهدت العلاقات الصينية الأمريكية كأحد أهم العلاقات الثنائية في العالم تدهورًا كبيرًا في عام 2020 حول قضايا عديدة، منها توجيه اتهامات بشأن انتشار فيروس كورونا المستجد، وتطور الحرب التجارية بينهما، والتنافس التقني خاصة حول شبكة الجيل الخامس، وقضايا أخرى مثل الحقوق في إقليم شينجيانج وهونج كونج. في هذا الإطار نشر مجلس العلاقات الخارجية تقريرًا لمجموعة من الخبراء يوضح هذه الأبعاد ويقدم نظرة حول ما سيتعين على الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن القيام به لمواجهة كل هذه التحديات.

سياسة ترامب تجاه الصين وُجدت لتبقى

رأى التقرير أن ما وضعه ترامب من أسس للسياسات تجاه الصين استهدفت الاستمرار، فعلى سبيل المثال قام مسؤولو الإدارة بعد الانتخابات الرئاسية بمجموعة من الأمور التي تعكس هذه التوجهات في قضايا مثل تايوان والتبت والفصل المالي وبحر الصين الجنوبي. قد تكون إجراءات اللحظة الأخيرة تمثل عائقًا أمام إدارة بايدن، لكن هناك توقعات بأن يستمر فريق بايدن بالعمل عليها حتى لا يتم اتهامه بالتساهل مع الصين. على سبيل المثال الاستمرار في فرض رسوم جمركية بقيمة 370 مليار دولار، وإحياء الحوار الأمني ​​الرباعي مع أستراليا والهند واليابان؛ ورفع مستوى العلاقات مع تايوان، ومعاقبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانج.

لكن من ناحية أخرى، قد تسعى إدارة بايدن لتحقيق بعض المكاسب عبر سد الثغرات التي أحدثها ترامب في العلاقات التقليدية للولايات المتحدة، مثل إعادة الانضمام إلى المؤسسات والاتفاقيات الدولية، والشراكة مع الحلفاء الأوروبيين، وإعادة بناء الإطار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والصين، وسيظل الاختبار الحقيقي لإدارة بايدن ليس المائة يوم الأولى، بل ما سيفعله في الفترة الرئاسية ككل. 

كوفيد-19 سرّع من التراجع

أوضح التقرير أن ترامب عمل على صرف الانتباه المحلي عن حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد والاحتجاجات التي أثارها مقتل جورج فلويد من خلال التأكيد على وجوب محاسبة الصين على الوباء واتهام منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع بكين. ساهمت المعلومات المضللة من كلا الجانبين في زيادة انعدام الثقة بينهما، وزيادة نسبة النظرة السلبية الأمريكية للصين إلى 73% وفقًا لأحد استطلاعات الرأي، كأعلى مستوى منذ 2005.

أما على الجانب الصيني، فقد أدى الاحتواء السريع لانتشار الفيروس لترسيخ معاداة الولايات المتحدة خاصة بعد استخدام ترامب لعبارة “الفيروس الصيني”، وظهرت الأصوات التي تنادي بضرورة تقليل الاعتماد المتبادل مع الولايات المتحدة، وكان هناك رد فعل قومي عنيف، إذ كانت آراء الجمهور الصيني تجاه الولايات المتحدة في مايو 2020 أكثر سلبية بشكل ملحوظ مما كانت عليه قبل عام.

القمع في هونج كونج قضية مستمرة

يشير التقرير إلى أن ما لحق بالحريات في هونج كونج من أضرار في 2020 وما تركه من أثر على علاقات الصين الخارجية لن يتم التراجع عنه بسهولة في المستقبل القريب، وباتت الصين مدركة إلى أن ما تقوم به سيكون مكلفًا. لكن لن يكون التحول الذي يشهده الإقليم بمثابة نهايته كمركز مالي عالمي، فقد ساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي مع الصين، حتى إن ساهم في عرقلة الآمال الديمقراطية لمعظم سكانه. سيكون على بايدن تحديد كيف يمكنه الرد على اتهامات البعض في هونج كونج بأنه ضعيف تجاه الصين.

تعميق التنافس التكنولوجي

تصاعدت المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين هذا العام خاصة في ظل تضييق وزارة التجارة الأمريكية الخناق على شركة هواوي عبر فصل الشركة عن موردي أشباه الموصلات المهمين، وتوسيع القيود المفروضة على التكنولوجيا الأمريكية، مما تسبب في أضرار كبيرة لأعمال شبكة الجيل الخامس بعد فرض عدد من الدول الأوروبية قيودًا على مشاركة الشركة في شبكات الاتصالات الخاصة بها. لم يقتصر الأمر على هواوي، إذ حظرت إدارة ترامب تطبيقات “تيك توك” و”وي شات” الصينية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتقييد وصول المطورين الصينيين إلى متاجر تطبيقات الهاتف المحمول الأمريكية.

تعمل بكين على الابتعاد عن ضغوط واشنطن وأعلنت عن استراتيجية جديدة للحفاظ على النمو الاقتصادي وتقليل اعتمادها على الأسواق الخارجية والتكنولوجيا عبر تشجيع الشركات الصغيرة على الدخول في مجال صناعة الرقائق المحلية واستكشاف المصادر المفتوحة للتقنيات التي يمكن أن تكون خارج نطاق قوانين مراقبة الصادرات الأمريكية، وأصدرت الحكومة أيضًا مبادئ توجيهية لزيادة تأثير الحزب الشيوعي الصيني داخل الشركات.

توقع التقرير أن المنافسة التكنولوجية ستكون أحد العناصر المحدد للعلاقات الثنائية، فلن يختفي الصراع بينهما في هذا المجال هذا العام حتى إن أصبحت السياسة التكنولوجية لبايدن أكثر تعددية لكنها مستمرة في التنافس مع الصين. على جانب آخر، لن تتخلى بكين عن جهودها لزيادة قدرات الابتكار المحلية وتقليل النفوذ الأمريكي. 

دبلوماسية “الذئب المحارب” الصينية تضر بعلاقاتها

تم توجيه تهديدات لسلامة الكنديين المقيمين في هونج كونج بعد إعلان كندا استقبال المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية كلاجئين، وتم انتقاد الصحفيين البريطانيين الذين كتبوا عن انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ، والهجوم على المسؤولين الحكوميين حول العالم بسبب نشر معلومات مضللة حول جائحة كورونا.

بعد استخدام شعارات “مجتمع المصير المشترك”، بات السلوك الصيني في 2020 يعتمد بشكل واضح على دبلوماسية “الذئب المحارب” تعبيرًا عن الصرامة في مواجهة العالم، وذلك بسبب الخطاب الذي كان يوجهه ترامب للصين تحت شعار “أمريكا أولًا”. 

اعتمدت الصين على قوة خطابها بما يجعل العالم قادرًا على الاستماع لها، بالإضافة إلى الاعتقاد بأن اتباع الدبلوماسيين للهجة القومية الصارمة تؤكد هذا التوجه للبلاد لإجبار الآخر على احترامها، ومن ثم القدرة على الضغط بقوة أكبر بما يحمي الحزب الحاكم وحتى لا ينهار كما حدث للحزب الشيوعي السوفيتي، إذ رأى الرئيس الصيني شي جين بينج في أحد خطاباته أن السبب أنه لم يقاتل بما فيه الكفاية. 

لكن يرجح التقرير أن هذه الدبلوماسية لها عواقب سيئة، إذ يبدو أن الدول التي تتعامل مع الصين غير خائفة، وتحولت المواقف تجاهها في دول مثل أستراليا والهند والولايات المتحدة إلى السلبية بشكل حاد، وهو ما يجعله أمرًا مكلّفًا للغاية حتى إن كان عبارة عن ردود دفاعية على الانتقادات الموجهة لها.

Scroll Up