تأتي القمة الجديدة الـ 41 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربي في ظل تحولاتٍ ومشهد إقليمي ودولي مختلف عن القمة الأربعين الأخيرة التي عُقدت في 10 ديسمبر 2019 بالرياض وحتى عن بدايات العام الماضي. فأولويات القمم السابقة يُضاف إليها هذه المرة قضايا جديدة تستحوذ على اهتمام كبير من جانب دول الخليج.

ومن بين هذه الأولويات، تجيء ضرورة مواجهة التهديدات الإيرانية القائمة بالفعل إلى جانب المخاطر الجديدة القادمة من طهران. فعلى الرغم من تعدد الملفات المطروحة على مائدة القادة الخليجيين المشاركين في القمة الحادية والأربعين اليوم الثلاثاء 5 يناير في مدينة العُلا الواقعة شمال غربي المملكة العربية السعودية، إلا أن ملف الأمن الإقليمي والتهديدات الجدية المستجدة من جانب إيران يظل أحد أبرز القضايا المشتركة بين هذه الدول. 

لماذا يُطرح ملف التهديدات الإيرانية بقوة هذه المرة على طاولة نقاشات القادة الخليجيين في “العُلا”؟

 لا تزال إيران تشكل تهديدًا أمنيًا بارزًا لدول الخليج العربية في الوقت الحالي، وينتاب ليس فقط منطقة الخليج العربي، بل العديد من دول منطقة الشرق الأوسط الأخرى قلقٌ من احتمال توسّع الدور الإيراني في المنطقة بعد رحيل إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، التي كبحت بشكل ملحوظ جماح التحركات الإيرانية في المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية من خلال فرض حُزم متتالية وغير مسبوقة من العقوبات الاقتصادية طالت العديد من مناحي الحياة الاقتصادية في الداخل الإيراني.

وقد نتج عن هذه العقوبات إجمالًا تراجعٌ في حجم النفوذ الإيراني العسكري في منطقة الشرق الأوسط ومدى سيطرة طهران على الجماعات الموالية لها والتي تعمل بالوكالة عنها في المنطقة.  وقد ظهرت هذه النتائج جلية في إعلان “حزب الله” اللبناني العام الماضي تقليصَ رواتب أعضائه وتسريح بعضهم.

مخاطر شاملة

1- استعادة النشاط الإيراني في المنطقة بعد إعادة التفاوض على الاتفاق النووي:

المركز العربي للبحوث والدراسات: تمدد النفوذ الإيراني في سوريا .. (سياسياً –  اقتصادياً – عسكرياً)

مع فوز المرشح الديمقراطي “جو بايدن” بانتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر الماضي، بدأت التساؤلات تُثار بشأن إعادة التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى الذي تم التوصل إليه عام 2015، وهو أمرٌ يعني لدول الخليج العربية الكثير.

وفي هذا الإطار، أشار سفير الكويت لدى السعودية، الشيخ علي الخالد، إلى الأهمية البالغة للدورة الـ41 للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات، وأن الأجواء التي تأتي بالتزامن معها القمة تعكس روح المسؤولية والإيمان بضرورة تعزيز التضامن الخليجي في مواجهة التحديات المشتركة وإحلال السلام والاستقرار لصالح دول وشعوب مجلس التعاون.

وفي ظل الرغبة الإيرانية، إلى جانب ميل الإدارة الأمريكية الجديدة تحت رئاسة جو بايدن، إلى إعادة التفاوض على الاتفاق النووي وما يستتبعه من رفع للعقوبات عن طهران، لا يُتوقع أن يكون كليًا، تُطرح بقوة مسألة “مستقبل التحركات والنفوذ الإيراني في المنطقة خلال الأعوام المقبلة” أمام القادة الخليجيين داخل قاعة “مرايا” في مدينة العلا شمال غربي المملكة العربية السعودية خلال هذه القمة. 

ويعود السبب في ذلك إلى احتمال توسع النفوذ الإيراني في المنطقة إذا ما تحسن اقتصادها وحصل النظام الإيراني على المزيد من الأموال المجمدة واستعاد القدرة “الكاملة” مرة أخرى على دعم الجماعات الموالية له في المنطقة.

2مخاطر توصل إيران إلى سلاح نووي وزيادة طهران نسبة تخصيب اليورانيوم لـ 20%

وإلى جانب مسألة النفوذ الإيراني، تأتي تهديداتٌ أخرى قادمة من طهران من المتوقع أنها سوف تُناقَش على جدول أعمال القادة الخليجيين، من بينها الملف النووي الإيراني ذاته الذي لا يزال يمثل خطورة ليس فقط لدى دول الخليج بل للمنطقة ولدول العالم. 

السّلاح النووي.. هل بمقدور إيران ذلك؟ | الميادين

فطهران أعلنت مؤخرًا خلال الأيام الأخيرة لرئاسة ترامب أنها سوف تزيد من نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20% في انتهاك واضح لبنود اتفاق عام 2015 الذي لا يسمح لها بأكثر من 3.67%، في الوقت الذي لم تتخط فيه نسبة تخصيب اليورانيوم من قِبل إيران في مرحلة ما بعد الاتفاق وقبل الإعلان المُشار إليه 4.5%. 

 وارتفعت هذه النسبة بعد أن أقر البرلمان الإيراني في شهر ديسمبر الماضي قانونًا بزيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20%، وذلك ردًا على مقتل العالم النووي البارز “محسن فخري زاده” في 27 نوفمبر 2020.

ويطالب هذا القانون الإيراني الجديد الحكومة في طهران بتخصيب اليورانيوم إلى 20% إذا لم يتم تخفيف العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية خلال فترة شهرين اثنين. 

ومن أجل ذلك، أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، اليوم “الخامس من يناير” أن بلاده تجري حاليًا تركيب ألف جهاز للطرد المركزي من نوع (IR2m) وتصنيع أجهزة طرد مركزي من نوع (IR6)، مضيفًا أن طهران تنتج من 17 إلى 20 جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% كل ساعة. 

صالحي: الأوروبيون لم يلتزموا.. والاتفاق النووي لیس طریقًا من اتجاه واحدة |  Page 5 | ایران اینترنشنال

تهديدات خاصة

 وعلى الرغم من هذه التهديدات الإيرانية التي تواجهها دول الخليج العربي بشكل عام، تأتي مخاطر إيرانية تخص كل دولة من هذه الدول على حدة.

1- “الحوثيون” خطرٌ لا يزال قائمًا أمام السعودية:

  لا تزال إيران تدعم “الحوثيين” في اليمن الذين لم ينتهِ خطرُهم حتى الآن تجاه المملكة العربية السعودية، فهم لا يزالون يمثلون تهديدًا أمنيًا لجنوب المملكة العربية السعودية واعتداءاتهم الإرهابية بالصواريخ وغيرها لا تزال مستمرة. وليس هذا فحسب، بل إن “الحوثيين” أصبحوا مؤخرًا تهديدًا للملاحة في جنوب البحر الأحمر، فضلًا عن الخليج العربي نفسه. 

التحالف: خسائر ميليشيا الحوثي تدفعها لاختلاق انتصارات وهمية | أخبار سكاي  نيوز عربية

ولا يكمن الخطر الإيراني تجاه السعودية على حدودها الجنوبية فقط، بل إن الجماعات التي تعمل بالوكالة عن إيران في العراق والقريبة من الحدود الشمالية للسعودية لا يمكن إغفال خطرها على أمن المملكة. 

2 – تهديد إيران للإمارات بعد اتفاق السلام مع إسرائيل والحرس الثوري يستبق القمة باستفزاز الإمارات:

من هو مصمم علم الامارات - الموقع المثالي

وبالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة، فالاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، طنب الكبرى والصغرى وأبوموسى في أرخبيل مضيق هرمز جنوب الخليج، لا يزال قائمًا. 

وقد استبقت إيران القمة الخليجية بزيارة قائد الحرس الثوري، حسين سلامي، يوم السبت الماضي 2 يناير لجزيرة أبو موسى التي احتلتها إيران عام 1971. وأطلق سلامي خلال الزيارة العديد من التصريحات الاستفزازية بشأن الجزر الثلاث وليس فقط ابو موسى. 

 وتُعد التهديدات الإيرانية الأخرى الممثلة في التحركات العسكرية في المنطقة وتهديد عمليات مرور التجارة والنفط قضية أمن إستراتيجي مشترك بين الإمارات والسعودية وباقي دول الخليج. 

وبعد توصل الإمارات وإسرائيل بوساطة من الولايات المتحدة الأمريكية لاتفاق لتطبيع العلاقات في أغسطس 2020، تفاقم الخطر الإيراني تجاه دولة الإمارات بعد تهديدات متكررة من كبار المسؤولين العسكريين والحكوميين الإيرانيين تجاهها. 

 وفي هذا الصدد، قال رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد باقري، في 16 أغسطس الماضي إن نهج طهران تجاه الإمارات سيتغير بعد اتفاقها مع إسرائيل. وصرّح الرئيس حسن روحاني مهددًا الإمارات باستهداف أمنها واقتصادها بشكل مباشر بعد الاتفاق. 

وإلى جانب ذلك، هددت وسائل إعلام إيرانية دولة الإمارات، كان من بينها صحيفة “كيهان” المتشددة التابعة للمرشد علي خامنئي والتي هددت قائلة إن أبو ظبي باتت “هدفًا مشروعًا وسهلًا للمقاومة”، في إشارة إلى الميليشيات الموالية لطهران في المنطقة.

ج – المخابرات الإماراتية تعتقل خلية إيرانية 

 وربما برزت إحدى دلائل هذه التهديدات الإيرانية للإمارات حين كشفت تقارير عبرية عن أن أجهزة المخابرات الإماراتية اعتقلت مؤخرًا خلية إيرانية كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضد سياح إسرائيليين في دبي وأبو ظبي. وبحسب التقارير، فقد اختارت هذه الخلية الإيرانية دولة الإمارات بعد اتفاق تطبيع العلاقات الأخير مع إسرائيل.

وقالت وسائل إعلام عبرية من بينها صحيفة “جيروزاليم بوست” إن دول الخليج والولايات المتحدة في حالة تأهب قصوى وسط مخاوف من إمكان تنفيذ النظام الإيراني هجمات إرهابية في الإمارات أو غيرها.

د- إيران تهدد البحرين: 

وبحرينيًا، تنشأ لدى المملكة نفس المخاوف سابقة الذكر من إمكان قيام النظام الإيراني بتنفيذ هجمات داخل البلاد بعد التوقيع على اتفاقية سلام مع إسرائيل في سبتمبر الماضي.

سرايا الأشتر - بيان رقم 11

 ولكن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب فقط عند الحديث عن البحرين؛ ذلك لأن إيران تعمل على تقديم الدعم لعدد من الأحزاب والجماعات للإضرار بأمن البحرين حتى من قبل توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل، مما يفاقم معه خطورة التهديد الإيراني تجاه مملكة البحرين. وقد أطلقت تطهران تصريحات تهديدية مماثلة تجاه البحرين. 

هـ- الكويت تواجه مخاطر مشتركة مع باقي دول الخليج:

ولا يمكن إغفال التهديد الإيراني نفسه للكويت؛ حيث إن الكويت تواجه هي الأخرى مخاطر إيقاف الملاحة أو الإضرار بها في الخليج العربي من جانب إيران، وهو أمر تشترك فيه مع الإمارات والسعودية. 

 كما لم تتوقف تهديدات إيران عند الإمارات أو السعودية، بل تخطتها إلى الكويت مؤخرًا، خاصة بعد مقتل قائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، في ضربة جوية قرب مطار بغداد الدولي العراقي في 3 يناير 2020. 

فبحسب تقارير إعلامية زعمت جماعة موالية لإيران في العراق أن الطائرة الأمريكية التي استهدفت سليماني انطلقت من الكويت.

وعلاوة على ذلك، تحاول طهران زعزعة الأمن الداخلي في الكويت من خلال العملاء والخلايا الجاسوسية. وقد أعلنت الكويت أكثر من مرة عن ضبط واعتقال جواسيس وإرهابيين تابعين لإيران و”حزب الله” أكثر من مرة. وكان أشهر هذه الخلايا هي “خلية العبدلي” التي تمكنت الأجهزة الأمنية الكويتية من القبض على عناصرها في أغسطس 2015.

وختامًا، وعلى أي حال، فإن القمة الجارية الآن في مدينة العُلا السعودية، سوف تنظر جديًا وتضع على قائمة أولويات جدول أعمالها ليس فقط إجراءات مواجهة فيروس كورونا واستعادة النمو الاقتصادى، بل وضرورة مواجهة احتمالات تفاقم الخطر الإيراني في المنطقة خلال الأيام المقبلة بعد التطورات الأخيرة من قبيل رحيل ترامب عن البيت الأبيض، استعادة الاتفاق النووي مرة أخرى، واتفاقات السلام بين بعض الدول الخليجية الأخيرة وإسرائيل التي اتبعتها تهديداتٌ إيرانية خطيرة. 

وتشترك الدول الخليجية في مواجهة عددٍ من التهديدات القادمة من إيران كما سبق القول، أبرزها السلاح النووي الإيراني، إعادة التفاوض على الاتفاق النووي، حصول إيران مستقبلًا على أموال من الممكن استخدامها في زعزعة استقرار المنقطة، وتهديد أمن الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر. ويُضاف هذا كله إلى التهديدات الإيرانية الأخيرة بعد التوصل إلى اتفاقات سلام بين بعض دول الخليج وإسرائيل. 

Scroll Up