على عكس فجائية البيانات الخليجية الصادرة فجر الخامس من يونيو 2017، والتي أعلنت فيها مصر والدول الخليجية (السعودية – الإمارات – البحرين)، قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر؛ جاءت اجتماعات قمة مجلس التعاون الخليجي الـ 41، اليوم الثلاثاء لتحمل قبل يوم من انعقادها وعلى نحو غير مفاجئ إعلان المملكة العربية السعودية فتح الحدود والمجال الجوي أمام قطر بعد غلقه يونيو 2017.

في خطوة عدتها الدوائر السياسية المعنية في المنطقة والغرب بداية لحلحلة الأزمة والنزاع الخليجي ونقله من مرحلة الجمود، ليوائم التغيرات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة الملتهبة الممتدة من باكستان حتى المغرب العربي.

وقطعت مصر والسعودية والإمارات والبحرين، العلاقات مع قطر بعد اتهامها بدعم وإيواء وتمويل التنظيمات الإرهابية وتهديد الأمن القومي العربي، وتعزيز بذور الفتنة والانقسام داخل المجتمعات العربية، وفق مخطط مدروس يستهدف وحده الأمة العربية ومصالحها.

سياقات القمة الخليجية 41 والإعلان السعودي:

إلا أن الإعلان السعودي بفتح الحدود والمجال الجوي أمام قطر، أمس الاثنين 4 يناير، كان غير مفاجئ لعدة اعتبارات وسياقات، دفعت بتوقع مشهد اليوم، ووصول الوفود الخليجية المشاركة في اجتماعات القمة الـ 41 لمجلس التعاون الخليجي، وترأس الوفود شخصيات توارت عن الظهور في مثل هذه الاجتماعات طيلة أربع سنوات كأمير دول قطر تميم بن حمد، ومن هذه الاعتبارات والسياقات:

  • اتجاه قطر للفكاك من قبضة مواقف الرباعي العربي، وذلك من خلال محاولة التسلل وشق مصفوفة الرباعي عبر البوابة السعودية، وظهر ملمح هذا الاتجاه مبكراً في أكتوبر 2019، حين أجرى وزير الخارجية القطري، محمد عبد الرحمن آل ثان، زيارة سرية للسعودية، نقلتها في تقرير سابق صحيفة “وول ستريت جورنال”.

 التقى فيها الوزير القطري مسؤولين سعوديين رفيعي المستوي، وقدم عرضاً لإنهاء مقاطعة الرباعي والتقرب من الموقف السعودي مقابل تعهدات قطرية بقطع العلاقات مع تنظيم الإخوان المسلمين.

لكن الزيارة باءت بالفشل ولم تثمر عن شيء حقيقي يُضاف للمناورة القطرية وتكتيكاتها للالتفاف على مطالب الرباعي، لكنها عبّرت عن نهج قطري يستعد لقبول تصورات ثنائية لحلحلة الأزمة ودفعها بعيداً عن الجمود.

  • اتجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوحيد الصفوف أمام إيران، حيث مثلت إدارة الرئيس ترامب، أكبر تحدي أمريكي لطهران منذ أزمة الرهائن الأمريكيين (1979-1981)، وذلك بانتهاج الإدارة الأمريكية سياسة “الضغط القصوى” لعزل إيران، عبر العقوبات الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية، وتوجيه الضربات العسكرية القاصمة لميليشيات إيران في العراق وسوريا، ولاسيما الثلاثي الميليشياوي الذي يرتهن علناً بالقرار الاستراتيجي لطهران “كتائب حزب الله العراقي – حركة النجباء – عصائب أهل الحق”، فضلاً عن اغتيال قائد فيلق القدس وثاني أقوي رجل في إيران قاسم سليماني.

 كما خسرت إيران جراء العقوبات الاقتصادية الأمريكية نحو نصف إيراداتها من النفط والسياحة والتجارة والصناعات غير النفطية والخدمات، في أوضاع اقتصادية لم تجابهها طهران منذ أكثر من قرن. وتباعاً انتهجت إيران سياسات أكثر عدائية تجاه المصالح والأهداف الأمريكية، ما ظهر في:

  • –        القصف المتكرر للسفارة الأمريكية في بغداد، والتي كان آخرها موجة قصف بأكثر من 21 صاروخ في 20 ديسمبر 2020.
  • استهداف السعودية والمنشآت النفطية الحساسة من جهتي الغرب والجنوب عبر وكلاء في العراق واليمن. وظهر ذلك في استهداف منشآت أرامكو بصواريخ كروز في مايو وسبتمبر 2019، ونوفمبر 2020.
  • تعميق العلاقات الثنائية بين الدوحة وطهران، إذ كانت طهران من أولى العواصم التي عبرت عن دعمها للدوحة في نزاعها مع الرباعي العربي، وفتحت أجوائها أمام حركة الطيران القطري. كما زار امير قطر تميم بن حمد، إيران في يناير 2020، وقدم دعماً مالياً لضحايا الطائرة الأوكرانية التي اسقطتها الدفاعات الجوية الإيرانية مطلع عام 2020.

 فضلاً عن زيادة التبادل التجاري بين العاصمتين وكذلك التنسيق في إدارة الصراع في سوريا والعراق، وعبرت أزمة الرهائن القطريين في العراق، واتفاقات البلدات الأربع في سوريا عن هذا الإطار التنسيقي المتنامي بين العاصمتين، ما شكل تهديداً للمصالح الأمريكية على اختلاف اداراتها “ترامب – بايدن”، فهناك توافق شبه نادر بين الإدارتين بضرورة احتواء إيران، وتأمين الممرات الملاحية في الخليج العربي أمام حركة السفن المدنية والعسكرية.

  • زيارات المسؤولين الأمريكيين لكل من السعودية وقطر، حيث زار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو السعودية في نوفمبر 2020، وبحث في الرياض جهود مكافحة الإرهاب وردع إيران، وتطرق طبقاً لتقارير صحفية ملف الأزمة الخليجية. وتلى ذلك زيارة صهر الرئيس ترامب ومستشاره، جاريد كوشنير، للسعودية وقطر مطلع ديسمبر 2020، ضمن جولته لحلحلة الأزمة وتنفيذ المقاربة الأمريكية التي يصفها موظفو الخارجية تحت إدارة بومبيو بأنها الأكثر واقعية للمنطقة.

تجدر الإشارة إلى تضافر الجهود الكويتية الدبلوماسية مع الجهود والمساعي الأمريكية لإنهاء الجمود في ملف الأزمة مع قطر. إذ كان وزير الخارجية الكويتي، الشيخ أحمد الناصر، أول من أعلن عن فتح الحدود والأجواء السعودية مع قطر.

من هذه السياقات الثلاثة، وإدراك السعودية بضرورة توحيد الصف الخليجي أمام إيران وتنامي انتهاكاتها في المنطقة واستهدافها على نحو مباشر للأهداف السعودية الحيوية عن طريق وكلاء ميليشياويين من اتجاهين استراتيجيين؛ عُقد اجتماع قمة مجلس التعاون الخليجي اليوم الثلاثاء، في قاعة مريا بمدينة العلا السعودية. وجاءت بيان الوفود المشاركة مقتضبة، وسط غياب لكلمة من أمير قطر.

لتظهر تساؤلات حول مدى جدية هذه الدورة الخليجية المنعقدة في نقل الأزمة من جمودها، ودفعها بقطر للالتزام بمطالب الدول التي قُدمت قبل أربعة سنوات؟ ولاستنباط إجابة هذا السؤال يجب أولاً الوقوف على الدور الإقليمي لقطر وأبعاده في ظل الأزمة وقبلها.

أدوار هدامة.. واصطفاف مهدد للأمن القومي العربي

جاءت مطالب دول الرباعي العربي في 13 نقطة، ولكن يمكن اختصارها في ستة مبادئ حاكمة تجاه العلاقات مع قطر، وهي كالاتي:

1 – الالتزام بمكافحة التطرف والإرهاب بكافة صورهما ومنع تمويلهما أو توفير الملاذات الآمنة.

2- إيقاف أعمال التحريض وخطاب الحض على الكراهية أو العنف.

3 – الالتزام الكامل باتفاق الرياض لعام 2013 والاتفاق التكميلي وآلياته التنفيذية لعام 2014 في إطار مجلس التعاون الخليجي.

4 – الالتزام بمخرجات القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عقدت في الرياض في مايو 2017 .

5 – الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو دعم الكيانات الخارجة عن القانون.

6 – الإقرار بمسؤولية دول المجتمع الدولي في مواجهة كل أشكال التطرف والإرهاب بوصفها تمثل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

كانت تلك المبادئ الست الحاكمة للعلاقات مع قطر، ويمكن القول بأنها مبادئ تحاول إحباط الدور الوظيفي للدوحة التي تلاقت فيها المخططات التركية والإيرانية والإسرائيلية على حد سواء، في تفتيت منظومة الأمن الإقليمي وتهديد الأمن القومي العربي، واستباحة جناحه الشمالي، بل واحتلال أراضي عربية وإحداث عمليات ديموغرافي كبير تبقي على جذور الصراعات الطائفية والعرقية قائمة في المنطقة.

وفي هذا الصدد جاءت الاستجابة القطرية لمطالب الرباعي العربي بـ:

  • الاستمرار في دعم الفواعل العنيفة من غير الدول، داخل دول مصفوفة الرباعي العربي، وحول مجالها الحيوي، ولاسيما في ليبيا واليمن والعراق وسوريا والصومال والصحراء المغربية. إذ تشير إحداثيات النشاط القطري في هذه المناطق بوجود اجندة تعي الجغرافيا السياسية وتقوض على نحو غير مسبوق الأمن القومي للدول العربية، بفتح المجال ممهداً للانخراط التركي والإيراني. ولعل التنسيق بين الدوحة وأنقرة في ملف القاعدة العسكرية التركية في الصومال نموذجاً لهذا النمط الهدام والساعي لتقويض ركائز الأمن القومي العربي.
  • استمرار إيواء العناصر الإرهابية المطلوبة لدى الرباعي العربي، حيث تعد الدوحة من أكبر ثلاث عواصم تقدم الملاذ الآمن للعناصر المارقة والمنضوية تحت لواء جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، وقد احتفظت الدوحة بالقيادات الأكثر تطرفاً في الجماعة، بدرجة يمكن وصف الدوحة بأنها مأوي “شرعيي” الجماعة الإرهابية.
  • تقديم الدعم الإعلامي للتنظيم الإخوان وأجندته، وذلك عن طريق توفير منابر إعلامية وصحافية ذات نطاق إقليمي وعالمي لسردية التنظيم تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية، ولاسيما الدينية منها والتي تعمل على تأجيج العنف والطائفية.
  • استمرار تمويل الجماعات الإرهابية، المنضوية ضمن مشروعي الإسلام السياسي بنسختيه السنية والشيعية، حيث نشرت صحيفة “ذا ناشيونال” تقريراً استقصائياً تبين فيه تمويل قطر لجماعة الحوثي في اليمن للحصول على مكونات للطائرات بدون طيار من الصين وأوروبا. وأشارت “ذا ناشيونال” إلى أنه باستخدام شركة واجهة في قبرص أعادت تدوير الأموال من تجارة الذهب في وسط أفريقيا، تم سداد المدفوعات إلى المزودين الأوروبيين. كما بدأت شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا تحقيقا جديدا في نوفمبر2020، وتكشف من خلاله تورط مسؤولين قطريين في عرقلة سير العدالة، وترهيب مطالبين بالتعويض في قضية تمويل بنك قطري جماعة “جبهة النصرة” الإرهابية. يأتي هذا بعد عدة أسابيع من كشف قيادي في جبهة النصرة (معتقل بالعراق) عن قيام جهات خارجية قطرية بدعم التنظيم الإرهابي بشكل منتظم.
  • تثبيت وجود قاعدة عسكرية لتركيا في قطر، حيث نقل جنود اتراك لأول مرة لقطر منذ أكتوبر العام 2015، بعدما دشنت انقرة أول قاعدة عسكرية لها بالخليج، وتخطط تركيا بموافقة من قطر بالتواجد العسكري طويل الأمد، كما ترددت تقارير صحافية مؤخراً عن سعي أنقرة لافتتاح قاعدة عسكرية جديدة لها في قطر، بما يهدد الأمن القومي العربي، ويضع تركيا التي تنخرط في خمسة جبهات، في قلب الجزيرة العربية بما يحفز سياسات التنافس الإقليمي الحاد، ويهدد الأمن والسلم الإقليميين. وقد استقبلت القاعدة العسكرية التركية العديد من زيارات المسؤولين الأتراك من عدة أجهزة “الرئاسة – الخارجية – الاستخبارات – القوات المسلحة”. وقد أنفقت تركيا 39 مليون دولار على القاعدة التي تم افتتاحها عام 2016 وهي قادرة على استقبال 3 آلاف جندي إضافة إلى قوات بحرية وجوية وقوات كوماندوس. ومع تدشين القاعدة الجديدة سيكون بمقدور تركيا نشر مزيد من الجنود والعتاد والأسلحة في قطر. وقال وزير الدفاع التركي عام 2018 إن القاعدة التركية في قطر ستلعب دورأ في الحفاظ على الاستقرار في منطقة الخليج وغيرها من المناطق.

الموقف المصري.. زيف الوعود أمام الخبرة التراكمية للقاهرة

منذ أن بدأت الحديث عن الوساطة الأمريكية – الكويتية لحلحلة الأزمة، جاء الرد المصري عليها مطلع ديسمبر 2020، حيث أعلنت وزارة الخارجية المصرية تقديرها لاستمرار الجهود المبذولة من جانب أمير الكويت ودولة الكويت لرأب الصدع وتسوية الأزمة. بدوره، أوضح وزير الخارجية المصري سامح شكري خلال لقاء تلفزيوني في ذات الشهر، أن مصر على استعداد للتعامل بصورة إيجابية نحو كل ما يحقق التضامن العربي ويزيل التوترات.

ويمكن تفنيد الموقف المصري ضمن نمطين:

  • الحرص على إبقاء التضامن العربي، بما يحقق الاستقرار ويعالج التصدع في العلاقات بين الدول العربية انطلاقاً من الإدراك بأهمية توحيد الجهود العربية لمواجهة الصعود التركي الإيراني بالمنطقة، وتقاسم الثنائي السابق لعدة اهداف تصبو جميعها في تطويع المنطقة العربية ضمن مشاريعهم التوسعية التي باتت توظف الدين وتيارات الإسلام السياسي بشكل منهجي وباعث على شحن المواجهات الدينية والطائفية من غرب الصين للمغرب العربي، من القرن الإفريقي وصولاً لشمال أوروبا.
  • ضرورة التزام قطر بالمبادئ الستة، وفصل ارتباطاتها الاستراتيجية بينها وبين أنقرة وطهران، وأن يتم بلورة اتفاق يكون اتفاق شامل ويراعي كافة العوامل التي أدت إلى هذه الأوضاع وأن يضمن لمصر ودول الرباعية أن يكون هناك تقدير لأهمية وتكريس المبادئ الخاصة بالعلاقات حتى ما بين الإخوة في عدم التدخل في شؤون الداخلية.

وعليه، فإن القمة الخليجية التي عقدت في مرايا، أكبر مبنى زجاجي عاكس في العالم، كما عكست صور القادة الخليجيين، على مساحة 9740 متراً من الزجاج، فإنها ماتزال غير قادرة على عكس نوايا حقيقية لمن تسبب بسياساتها في تهديد الأمن القومي العربي كما لم يحدث من قبل خمسة عقود كاملة.

فحديث الجغرافيا السياسية أصدق قولاً من حديث التغيير النهج الإعلامي الذي يبدو أن الدوحة قدمته، إذ تظل الخلافات الأساسية عالقة وأكثر عمقاً في وجدان الدول المشاركة، فالارتباط مع تركيا وإيران على النحو الذي قدمته قطر وأفرز نحو أكثر من ألف جماعة مسلحة تنشط بطول وعرض المنطقة أكثر فداحة من أن يتم تداركها في قاعة جاءت بتصميمها من المستقبل، لتضع أسس لمستقبل قريب يعج بالتحديات أكثر من الفرص.

Scroll Up