يُقصد بعسكرة المياه استخدام المياه كسلاح استراتيجي لبسط النفوذ وتعزيز الأهداف السياسية والعسكرية بالتلاعب في إمدادات المياه، لتحويلها إلى سلاح يُستخدم في صراع لا علاقة لها به، سواء من قبل الفواعل الدولية (الحكومات) أو من غير الدول (كحالات التنظيمات الإرهابية). واللجوء لهذا السلاح ليس جديدًا ويعود تاريخه إلى ما قبل الميلاد، لكنه عاد إلى المشهد مجددًا مع تصاعد النزاعات في الشرق الأوسط منذ بداية العقد الماضي، واستخدم من قبل كافة الأطراف المتنازعة، ما تسبب في تفاقم الأزمات الإنسانية في مناطق الصراع، خاصة مع تفشي وباء فيروس كورونا بالنظر إلى أن الماء أحد أهم أدوات مكافحته وفقًا لتوصيات الجهات الصحية الدولية والمحلية. 

ونركز هنا على نموذجين مختلفين أحدهما لفاعل دولي (تركيا) والآخر لفاعل من غير الدول (ميليشيا الحوثي) وكيف حولّا المياه إلى أداة لتنفيذ أجندتهما الاستعمارية التوسعية على حساب السكان المحليين.

تركيا تفرض حصارًا مائيًا على الحسكة السورية

سبع عشرة مرة تترك فيها تركيا أهالي محافظة الحسكة شمال شرق سوريا يرزحون تحت العطش عبر حجب مياه محطة ضخ “علوك”، منذ أن غزت قواتها مدينة رأس العين الحدودية شمالي الحسكة، في أعقاب هجومها العسكري على القوات الكردية في 9 أكتوبر 2019 خلال عملية نبع السلام، والتي أسفرت أساسًا عن تدمير المحطة بقذائف المدفعية قبل أن يتم إعادتها للخدمة جزئيًا –20% فقط من طاقتها- بإشراف دولي.

وهكذا تحولت المياه إلى سلاح تكتيكي في يد أنقرة موجه إلى أكثر من 1.2 مليون نسمة يعيشون في الحسكة وريفها وبلدات تل تمر والحول وأبو راسين والقرى والتجمعات المجاورة، ويعتمدون كليةً على محطة “علوك” للحصول على المياه النظيفة، بما في ذلك عشرات الآلاف من النازحين في مخيم “واشوكاني” وسجناء تنظيم داعش الإرهابي وعائلاتهم في مخيم “الهول” (يعيش فيه 67 ألف شخص ويحصلون على 50% من مياههم من علوك)، بما يمثل انتهاكًا للاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تضمن حق كل إنسان في الحصول على مياه صالحة للشرب بوصفها أحد حقوق الإنسان الأساسية، ويشكل جريمة حرب مكتملة الأركان، فوفقًا للقوانين الدولية فإن كل جريمة تستهدف المدنيين تعتبر جريمة حرب قانونيًا.

وترمي أنقرة من تلك السياسة إلى تحقيق عدة مكاسب سياسية وعسكرية منها: 

  • تمرير صفقة “المياه مقابل الكهرباء والنفط” من خلال مساومة الإدارة الذاتية للأكراد على المياه مقابل زيادة مخصصات الكهرباء وضخ النفط للمناطق التي تحتلها تركيا في شمال شرق سوريا (تغطي 1100 كيلومتر مربع أي 680 ميلًا مربعًا) في التفاف صريح على الاتفاقية الموقعة عام 2019 بإشراف روسي، والقاضية بتشغيل محطة مياه علوك المغذية للحسكة مقابل تغذية مديني تل العين ورأس أبيض المحتلتين من تركيا بـ 10 ميجاواط من الكهرباء. 
  • تقليب الرأي العام وخلق حالة من الغضب بين صفوف السكان المحليين ضد الإدارة الذاتية للأكراد بإظهار فشلها في تأمين الخدمات الأساسية.
  • تعزيز سياسة تغيير التركيبة الديمغرافية للمنطقة وتعريبها عبر دفع السكان إلى النزوح الجماعي وتفريغ المنطقة التي ترغب أنقرة في أن تصبح موطنًا لنحو 3 مليون لاجئ سوري عربي في تركيا.
الغازي التركي يامر عمال محطة "علوك" بتوقيف المحطة ومغادرتها - خبر24 ـ  xeber24

وتسببت السياسة التركية في اندلاع أزمة إنسانية بالمحافظة بعد انتشار أمراض الكلى والأمعاء على نطاق واسع بين السكان؛ إذ اضطر السكان غير القادرين على تحمل تكاليف شراء المياه من صهاريج التجار إلى استخراج مياه الآبار غير النظيفة. 

وفي مواجهة الحرب التركية، تبحث الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عن حلول بديلة من خلال التخطيط لتنفيذ مشاريع تمد المواطنين بالمياه، ومن ذلك وتشمل حفر 100 بئر متصلة بمركز إعادة التوزيع في خربة حماة شمال غرب الحسكة، تنفيذ مشروع بقيمة 5 ملايين دولار لسحب المياه من نهر الخابور وتخزينها في بحيرة الهيم الاصطناعية قرب الحسكة، وهو مشروع سيلبي احتياجات المدينة من المياه، لكنه يحتاج إلى وقت ليكتمل. 

وفي تل تمر اتجهت الإدارة الذاتية إلى تزويدها بالمياه من آبار قرية عين العبد بريف البلدة، بالتزامن مع تنفيذ مشروعين آخرين لتأمين حاجة تل تمر من مياه الشرب هما؛ حفر آبار مياه في قرية كلبيستان شرق، وحفر آبار في قرية الصالحية شرق.

حصار حسكة المائي ليس الأول الذي تمارسه أنقرة ضد مناطق أطماعها في سوريا، فقد سبقه حصار عفرين قبل أن تخضع للسيطرة التركية؛ إذ عمدت القوات التركية إلى قصف سد “ميدانكي” -الواقع على نهر عفرين ويؤمن 15 مليون متر مكعب سنويًا من المياه لعرفين وقراها وبلدة أعزاز– ثلاث مرات ومن ثم السيطرة عليه، وقصف محطة تصفية مياه الشرب في محيط بلدة شران شمال شرقي مركز مدينة عفرين، والسيطرة على محطة التعقيم وضح المياه في قرية “ماتينا” وضح حصة مياه عفرين إلى الأعزاز وريفها.

يأتي ذلك ضمن ممارسات تركية متعددة تسببت في تفاقم أزمة المياه بسوريا التي تعاني أصلًا من الجفاف كونها تقع ضمن منطقة الجفاف الشديد الذي ضرب المشرق العربي عام 2006 وتسبب في عمليات نزوح داخلي وأزمات اقتصادية، وشملت إغلاق بوابات عبور مياه نهر الفرات إلى سوريا مخلفة انخفاض كبير في منسوب المياه بلغ 200 م3/ث في أبريل 2020، أي أقل بمقدار 300 م3/ث عن الكمية المنصوص عليها في اتفاق 1987 الذي ينظم عملية تدفقات المياه من تركيا إلى سوريا، والذي سقط واقعيًا بعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على شمال سوريا عام 2012، فمنذ ذلك الحين انخفض منسوب نهر الفرات على الجانب السوري تدريجيًا.

انخفاض كبير في منسوب مياه نهر الفرات مما يهدد بكارثة... والسبب تركيا - موقع  عربي أمريكي

وخفضت تركيا المياه المتدفقة إلى سد “تشرين” من 690 م3/ث إلى 226 م3/ث، ما أدى إلى تراجع مناسيب بحيرة السد، وهذا بدوره أثر في توليد الطاقة الكهربائية، التي تمد محطتي الفرات وتشرين في مناطق شمالي وشرقي سوريا.

ومن الجدير بالذكر أن عمليات عسكرة المياه في الصراع السوري انصرفت إلى كافة الأطراف، بل وسبقت الممارسات التركية ذاتها، وكانت البداية من استيلاء مقاتلو المعارضة على سد “تشرين” لتوليد الطاقة الكهرومائية الواقع على نهر الفرات في منطقة منبج ضمن محافظة حلب في نوفمبر 2012، ثم استهداف الحكومة السورية منشأة مياه عين الفيحة بوادي بردي في ديسمبر 2016 وقطع المياه عن دمشق ما ترتب عليه نزوح داخلي، وفي نفس الشهر أغلق تنظيم داعش الإرهابي قناة مياه رئيسية من سد التقبة (الواقع في محافظة الرقة جنوب منبج) إلى حلب. واستغل التنظيم المياه كآلية تمويل بعدما حوَّل بنك الائتمان إلى مصلحة الضرائب تجمع المدفوعات من الشركات والأفراد مقابل الكهرباء والمياه والأمن.

الحوثيون يفرضون العطش على سكان تعز

يُعد اليمن من أفقر دول العالم مائيًا، فهو أحد البلدان التي لا يوجد بها أنهار أو بحيرات ما يجعل إمدادات المياه موسمية وتعتمد على الطقس، وشكلت نسبة المياه العذبة في البلاد 10٪ فقط من المتوسط ​​الوطني للدول المجاورة الأخرى مثل السعودية وعُمان. 

وكان للتغيرات المناخية قولها في ترسيخ الوضع المائي الأليم على الأراضي اليمنية بطول البلاد وعرضها، فقد تزايد معدل الجفاف وانخفض معدل هطول الأمطار بشكل كبير خلال العقود الثلاثة الماضية، وأمام شح المياه السطحية لجأ العديد من الأهالي لحفر آبار جوفية بشكل غير قانوني لاستخدامها في الزراعة؛ إذ تستهلك الزراعة –التي يعمل بها أقل قليلًا من نصف اليمنيين– حوالي 90% من مياه اليمن منهم 45٪ لزراعة القات (وهو نبات مخدر يمضغه كثير من اليمنيين بدلًا من القمح).

وعانت مدن وقرى كثيرة الشح المائي خاصة في فصل الشتاء، بحيث استطاعت 55% فقط من الأسر اليمنية الوصول إلى مياه شرب آمنة، وتقلصت هذه النسبة إلى 35% في المناطق الريفية.

وكان للتغيرات الديمغرافية والاقتصادية تأثيراتها السلبية على الوضع المائي في البلاد حيث أدى ارتفاع النمو السكاني من حوالي ثمانية ملايين نسمة عام 1980 إلى 27 مليون نسمة حاليًا، والتحول من الزراعة المستدامة إلى المحاصيل النقدية، إلى الضغط على مصادر المياه الشحيحة أساسًا. وتسبب السحب الجائر من الآبار إلى بلوغها مستويات غير مستدامة، بحيث أصبحت المياه أكثر ندرة وأعلى سعرًا.

علاوة على ذلك، فإن الإهمال العام لأنابيب المياه والسدود ساهم في خسارة كبيرة للمياه وتسبب في تلوث العديد من طبقات المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي. وقد جعلت المستويات المرتفعة للفقر والجهل من الصعب للغاية على مؤسسات الدولة تخطيط وبناء وصيانة بنية تحتية دائمة وفعالة للصرف الصحي قبل الحرب. 

وتاريخيًا، تسبب انعدام الأمن المائي في تفاقم الصراعات القبلية، تجلت أحد مظاهرها عام 1999 حينما وقعت اشتباكات بين قريتي المرزوح والقردة على نبع مياه بالقرب من تعز، حيث اعتقد أهالي المرزوح بأحقيتهم الحصرية في مياه النبع كونه يقع على أراضيهم، فيما اعتقد أهالي القردة بأحقيتهم فيه يناء على حكم قضائي من 50 عامًا، وقد أسفر النزاع عن 6 قتلى و60 مصابًا وتدخلت الحكومة بـ 700 جندي لوقف القتال. 

وتقدر بعض التقارير أن 70% إلى 80٪ من النزاعات في المناطق الريفية تدور حول المياه، وتقول وزارة الداخلية اليمنية أن 4000 شخص يموتون كل عام في خلافات عنيفة على الأرض والمياه، وربما العدد أكبر من هذا.

ثم جاءت الأزمة اليمنية عام 2015، لتفاقم الكارثة وتضاعف الأعباء على كاهل 27 مليون يمنيًا باتوا يرزحون الآن تحت ويلات التشرد والجوع والعطش والمرض؛ بعدما استغل كل أطرف النزاع أزمة الشح المائي كسلاح تكتيكي في الحرب الممتدة لإضعاف خصومهم، متسببين في كارثة إنسانية بكل المقاييس؛ إذ تسببت الحرب في توقف المشروعات الحكومية الاستراتيجية وعلى رأسها تحلية مياه البحر، وخروج الآبار المرتبطة بشبكة الكهرباء العامة عن الخدمة، وفي الوقت نفسه، ارتفاع تكلفة استخراج المياه بمضخات تعمل بالديزل لارتفاع أسعار الوقود بشكل كبير. 

كذلك أدى التدمير الكامل للبنى التحتية للصرف الصحي والمياه العذبة إلى نفاد المياه في البلاد حاليًا، ويفتقر حوالي 14 مليون يمني –نصف السكان تقريبًا- إلى الوصول إلى مياه نظيفة. علاوة على وفاة نحو 14 ألف طفل سنويًا تحت سن الخامسة بالأمراض الناجمة عن نقص المياه وسوء التغذية، وارتفاع العجز المائي إلى مليار متر مكعب سنويًا، اعتماد 90% من السكان على صهاريج المياه لتأمين احتياجاتهم اليومية.

وساهم احتلال الحوثيين لمدينة الحديدة في تضيق الخناق على الشعب اليمني، نظرًا لاحتوائها ميناء الحديدة الذي يعمل كنقطة مركزية يتم من خلالها استيراد ما يقرب من 70% من الإمدادات التجارية والإنسانية لليمن، بما في ذلك الأغذية والمياه والأدوية. كما أسفرت هجماتهم على المدينة عن تدمير خزانات المياه وأضرار بالغة بالآبار الارتوازية الأساسية، في مناطق الدريهمي وحيس والتحيتا الجنوبية.

وفي تعز تجلى الوجه القبيح للمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في أبهى صوره، فلم يكفيهم ما لحق بالمدينة –التي اختيرت كعاصمة ثقافية لليمن عام 2013- من دمار جراء القصف بالأسلحة والصواريخ والألغام التي زرعوها في كل مكان لتقتل وتشرد الأبرياء، وراحوا يحرمون أكثر من 4 ملايين نسمة من المياه ضمن حصارهم للمدينة الاستراتيجية الواقعة في جنوب شرق البلاد والذي اقترب من إتمام عامه السادس، والمصنف واحدًا من الأطول والأكثر سوءًا وكارثية في تاريخ الحروب كونه عقابًا جماعيًا وانتهاكًا لحقوق الإنسان وللقوانين الدولية والإنسانية.

الحوثيون يقتلون تعز ببطء - عالم واحد - العرب - البيان

وكسياسة عقابية، قامت ميليشيا الحوثي بمنع المدنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحكومة من الوصول إلى آبار المياه خارج قراهم وإمدادات المياه التي توفرها منظمات الإغاثة، إذ سيطر الانقلابيون التابعون لإيران على 80% من الآبار في المدينة، وعطلوا تلك التابعة للمؤسسة اليمنية للمياه التي كانت تنتج 18 ألف متر مكعب يوميًا من المياه تقدر بحوالي 51% من احتياجات السكان البالغة 35 ألف لتر يوميًا، بحيث أصبحت غير قادة إلا على إنتاج 3 آلاف متر مكعب فقط أي 8.6% فقط من احتياجات السكان بنسبة عجز تصل إلى 144%. 

أيضًا منع الحوثيون وصول المياه من الآبار شرق تعز إلى السكان، واستهدفت قناصتهم خزانات المنازل وقصفوا مشاريع المياه عمدًا وخربوا البنى التحتية للمياه، وصادروا المياه من المدنيين عند نقاط التفتيش التي نصبوها حول المدينة. 

ويحدث هذا كله في مدينه هي الأفقر مائيًا في هذا البلد الجاف، فقبل الحصار كانت المياه تخرج من الصنبور مرة واحدة فقط كل 40 يومًا في أحسن الأحوال، وتقضي بعض النساء أربع إلى خمس ساعات يوميًا في جلب المياه، كما أن هناك فتيات لم يحصلن على التعليم أبدًا لأنهن يقضين كل أيامهن في جلب الماء، ويرجع ذلك إلى طبيعة المحافظة الجبلية وندرة أمطارها الموسمية واستنزاف خزاناتها الجوفية بسبب كثافتها السكانية.

وهكذا اتحدت الأزمة السياسية مع التغيرات المناخية لتنتج أسوأ أزمة إنسانية معاصرة على الأراضي اليمنية مع تفشي وباء الكوليرا بين السكان، وفي حين كانت الكوليرا متوطنة في اليمن قبل الصراع، ارتفع عدد الحالات بشكل حاد، حيث بلغ حتى الآن أكثر من 2 مليون شخصًا، ونحو 4 آلاف وفاة، في 3 موجات متتالية، وفقًا لأحدث الإحصائيات. ليس هذا فحسب، بل تسببت موجات النزوح في الضغط على الموارد بما أدى إلى جفاف مناطق كانت معروفة بتربتها الصالحة للزراعة ومناظرها الخضراء، ولعل أبرز مثال على ذلك تراجع صادرات الرمان من صعدة بأكثر من الثلث بسبب نقص مياه الري للزراعة. 

وتشكل مناطق الفقر المائي بيئة خصبة لتجنيد المقاتلين في صفوف الحوثيين وبالأخص الأطفال منهم، حيث تجتذبهم الميليشيا بالمرتبات المرتفعة والمزايا الأخرى بعدما فقدوا وظائفهم في العمل بالزراعة نتيجة نقص المياه، خاصة أن 85% من اليمنيين يحصلون على قوتهم من القطاع الزراعي.

Scroll Up