عرض – هبة شكري

نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا بتاريخ 10 يناير 2021، تحت عنوان ” استنادًا إلى آراء مقربة من الرئيس الأمريكي: كيف قام ديفيد فريدمان بإعادة تشكيل الصراع؟“، أعدّه “ديفيد م. هالبفينغر” مدير مكتب نيويورك تايمز في القدس والمسؤول عن تغطية إسرائيل والشرق الأوسط. وتناول التقرير الدور الذي لعبه السفير الأمريكي لدى إسرائيل “ديفيد فريدمان” والذي أهّله ليصبح واحدًا من أكثر المبعوثين الأمريكيين تأثيرًا على مدار التاريخ.

أشار التقرير إلى أن فريدمان -الذي يبلغ من العمر 62 عامًا- قام بعملية إصلاح جذري لسياسة البيت الأبيض تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مثلما كان يطمح بمنح رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” وأنصاره من اليمين الإسرائيلي، مقدمًا قائمة أمريكية غير محدودة من الهبات السياسية في ظل تولي الرئيس “دونالد ترامب”. وأشار التقرير إلى تأكيد “جاريد كوشنر”، صهر ترامب الذي كان مشرفًا على فريق البيت الأبيض المختص بشؤون الشرق الأوسط، على إعداد فريدمان أجندة طموحة للغاية، وإشادته بما تم تحقيقه من إنجازات عديدة كان يصعُب تحقيقها.

وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى رفض رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مقابلة فريدمان، فضلًا عن اتهام الجماعات اليهودية الليبرالية لفريدمان بمحاولته القضاء على خيار حل الدولتين. ورأت الصحيفة أن تنحية كل مبادئ العدالة والإنصاف عززت خطوات الإدارة الأمريكية في المضي قدمًا لتبني سياسات كانت تقاومها الإدارات السابقة.

وأفاد التقرير أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في عام 2017 ونقل السفارة إليها من تل أبيب كان مخالفًا للسياسة الأمريكية التي استمرت لعقود، خاصة في ظل عدم حصول إسرائيل على أية تنازلات في المقابل؛ حسبما ذكر منتقدوا تلك الخطوة التي كانت بمثابة خطوة البدء. 

C:\Users\cuttie\Desktop\merlin_179246448_6ed8b5b2-3515-41a7-964d-78a3146071ac-jumbo.jpg

فقد حول فريدمان السياسة الراسخة التي كانت تعامل المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة بوصفها عائقًا للسلام وعدم قانونيتها وحظرها على المسؤولين الأمريكيين، إلى إعلانها جزءًا من إسرائيل، وأكد لسكانها أنه لن يتم إخلاؤها أبدًا، وأن الولايات المتحدة لم تعد تعدهم سارقين لتلك الأراضي.

واستطرد التقرير أن فريدمان كان مدافعًا قويًا عن المستوطنات ومتبرعًا لها قبل دخوله المجال الدبلوماسي، حيث حرص على زيارتها وقام بإلغاء مصطلح “محتلة” من وثائق وزارة الخارجية. وهو ما دفع بكوشنر لتقديره مساهمًا في تحول السياسة الأمريكية بشكل كبير نظرًا لتبنيه نهجًا مختلفًا وتصريحه بالعديد من التصريحات التي ساهمت في هذا التحول، فعلى سبيل المثال؛ قام البيت الأبيض بوقف المساعدات المالية للفلسطينيين، وحاول إفشال وكالة اللاجئين الخاصة بهم، وشجب زعمائهم وطرد مبعوثيهم من واشنطن.

فضلًا عما سبق، تبنت خطة ترامب للسلام “صفقة القرن”، موقف الحكومة الإسرائيلية فيما يخص كافة القضايا الرئيسية العالقة تقريبًا، ففي الوقت الذي كان على الإسرائيليين أن يقبلوا بأقل من دولة فلسطينية حقيقية، كان على الفلسطينيين القبول بكل شيء تقريبًا.

وذكر التقرير أنه بالنظر إلى السنوات الأربع التي قضاها فريدمان، عبر فريدمان عن ابتهاجه بالطريقة السياسية والموقف الذي لا رجعة فيه الذي تبنته الإدارة وتغييرها لمسار الصراع. وفي هذا السياق، أكد في حوار أجراه مع الصحيفة أنه لا مجال للتراجع عما تم إنجازه، معبرًا عن سعادته بما تم تحقيقه. 

واستطرد، إن” لارا فريدمان”التي تعد من أشد منتقدي السفير المنتهي عمله وتدير مؤسسة الشرق الأوسط للسلام، تقول إن بعض مسؤولي إدارة باراك أوباما السابقين والذين يطالبون بالتراجع عن بعض سياسات ترامب اقترحوا على إدارة جو بايدن التسامح مع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بل وحتى منحه الضوء الأخضر، إذًا ففريدمان لديه كل الأسباب التي تجعله فخورًا بما فعل، وفقًا لقولها. 

وبالرغم من ذلك، فريدمان لم يحصل على كل ما يريد، لقد دفع نتنياهو بقوة لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، حتى أنه خاض محادثات الضم بين رئيس الوزراء وشركائه في الائتلاف، لكنه أكد سعادته الغامره بالنهج الذي تسير عليه الأمور؛ فبدلًا من الضم، نجحت إسرائيل في الحصول على صفقات تطبيع مع أربع دول عربية، وفي الوقت الذاته فقد تم تعليق الضم فقط ولم يُلغ.

وبحسب الصحيفة، يعتقد فريدمان أن إسرائيل ستواصل العمل، وعبر عن أمله في أن يكون قد ساعد على تحديد الأمر داخليًا. وعندما سئل عما إن كانت هناك ضرورة للتفاوض حول الحدود، قال إن ذلك محبذ لكنه ليس إلزاميًا، ويمكنهم العمل أحادي الجانب، إذ إن في بعض الأحيان يكون من الضروري المضي قدمًا.

C:\Users\cuttie\Desktop\merlin_156904875_bcfa5611-ef9c-4d90-bab4-94d1e8d78451-jumbo.jpg

وأضافت نيويورك تايمز، أن فريدمان ابن الحاخام بنورث وودمير بنيويورك ينسب نجاحه لمعرفته العميقة وآرائه القوية، وفوق كل ذلك لكونه قريبًا من الرئيس ترامب. ففي الوقت الذي استقال فيه عدد من المقربين من ترامب بسبب أحداث الكونجرس لم يمدح فريدمان أو يشجب أحدًا، بل تحدث عن “الصمود في وجه الضغوط غير المسبوقة”.

وفي الإطار ذاته، عمل فريدمان كمحامٍ لترامب عن قضايا الإفلاس، وهو ما جرأه على تجاوز الإجراءات. فبعد وصوله إلى إسرائيل عام 2017 فور تلقيه دعوة لحضور حفل توحيد القدس (احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967)، اتصل به مسؤول بوزارة الخارجية وأبلغه بعدم الذهاب كي لا يُغضب الفلسطينيين، فأعطاه فريدمان رقم هاتف وأبلغه بعدم الحضور حال وجهه صاحب الرقم بذلك، وعندما سأل المسؤول في الخارجية عن صاحب الرقم، أجابه أنه رقم الرئيس الخاص.

وأكد التقرير أن علاقة فريدمان المقربة بالرئيس وحديثه الأسبوعي معه بالإضافة إلى اللقاءات الشهرية، منحته قوة للمضي في أجندته، وكذلك فإنه قام باستغلالها لتخفيض سقف مطالب الفلسطينيين. حيث رأى فريدمان إن الإدارات السابقة كافحت من أجل جلب الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات وانتظار موافقتهم على المحادثات قبل التحرك نحو الأمام، ما أعطاهم فيتو على العملية وشجعهم على التقدم بمطالب غير منطقية.

وأضاف أن تدفق اللاجئين إلى إسرائيل لن يحدث أبدا وكذلك تقسيم القدس، مؤكدًا أن إسرائيل لن تتخلى عن أجزاء من أرضها التوراتية، كما رأى أن البيت الأبيض وفر الجرعة الضرورية من الواقعية في نفسية الفلسطينيين حول ما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه.

ووفقًا لـ”حسام زملط”، المبعوث الفلسطيني في واشنطن فإن إحساس فريدمان بإنجازاته كان وهمًا، كما رأى أنه بعيدًا عن تعزيز النفوذ الأمريكي في الصراع، فقد خفض فريدمان الآمال إلى الصفر تقريبًا، فضلًا عن تدمير خيار حل الدولتين.

وشبّه التقرير اقتحام الكونجرس الأمريكي بسلوك فريدمان، إذ اعتبره نفس المنطق ونفس السلوك، ورأى أنه سيتعين على إدارة بايدن أن تعيد إصلاح العلاقات الأمريكية الفلسطينية وعملية السلام. وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى اعتبار فريدمان أن خطة ترامب للسلام، من خلال تحديد متطلبات الشفافية المالية وحقوق الإنسان والمعايير الأخرى للفلسطينيين للحصول على دولة، هدية للشعب الفلسطيني من شأنها تحسين حياتهم، وادعائه أن علاقات إسرائيل الدافئة مع الدول العربية من شأنها أن تفتح مخيلة الفلسطينيين لما يمكن أن يكون. فضلًا عن إصراره على أن إدارة ترامب لم تسع أبدًا إلى مساعدة حملات إعادة انتخاب نتنياهو، على الرغم من اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان قبل أسبوعين فقط من أول حملة تصويت خلال الانتخابات الإسرائيلية.

فضلًا عما سبق، فقد رفض فريدمان شكاوى الإدارات الأمريكية السابقة من توسع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وقال إن قيام الولايات المتحدة بالعزف على هذه القضية لادعاء الفضيلة بأننا نعتقد أن الفلسطينيين يجب أن يكون لديهم المزيد ليس له معنى بالنسبة له، ورأى أن ذلك يمكن أن يلحق الضرر بالتحالف الأمريكي الإسرائيلي، معتبرًا أن ما تفعله إسرائيل داخل المستوطنات أو خارجها هو قرار داخلي.

ووفقًا للتقرير، أبدى فريدمان قلقه من عودة إدارة بايدن إلى وجهة النظر المقبولة دوليًا والتي تقر بعدم قانونية المستوطنات، كما أعرب عن خشيته من معارضة بعض سياسات ترامب لمجرد أنها مرتبطة به فقط. وأكد فريدمان أن خطة السلام تتميز بكونها حلًا واقعيًا للدولتين يؤيده عموم الجمهور الإسرائيلي.

واختتم التقرير بالإشارة إلى ما صرح به فريدمان حول اعتزامه إخلاء مقر إقامته الفاخر في هرتسليا، والذي تم بيعه للملياردير الجمهوري “شيلدون أديلسون”، وتخطيطه للقيام بتقسيم وقته بين منازله في القدس ونيويورك وفلوريدا. 

واستطرد التقرير، أن فريدمان لم يخطط للحصول على الجنسية الإسرائيلية بعد، إذ صرح بأنه سيبقى أمريكيًا فقط لمدة أربع سنوات على الأقل، وأعرب عن رغبته في منح نفسه الفرصة الكاملة للعودة إلى الحكومة.


Scroll Up