عُقدت الجلسة الإجرائية لمجلس النواب الجديد أمس الثلاثاء برئاسة النائبة فريدة الشوباشي، أول سيدة تترأس مجلس النواب ، كأكبر الأعضاء سناً بعد صدور قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعوة المجلس للانعقاد.

وأدى النواب القسم الدستوري للبدء في ممارسة مهامهم، كما تم انتخاب رئيس المجلس  –المستشار حنفي جبالي، والوكيلين –المستشار أحمد سعد الدين ورجل الأعمال محمد أبو العينين، وانتخاب رؤساء اللجان النوعية وعددها 25 لجنة.

وعلى الرغم من أن المجلس المنقضية مدته القانونية قد أقر 877 قانوناً خلال خمس سنوات إلا أن المجلس الجديد أمام تحدٍ كبير يتمثل في إنجاز مجموعة من القوانين التي لم يقرها المجلس السابق، أو تعديلات بعض القوانين المهمة التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

قانون الإدارة المحلية:

يعد قانون الإدارة المحلية من أكثر القوانين التي شهدت مناقشات وجلسات حوار مجتمعي خلال انعقاد مجلس النواب السابق، وقد شارك في هذه الجلسات والمناقشات عدد من المحافظين، وأعضاء مجالس محلية سابقين، وخبراء ومتخصصين وكل من له علاقة بالقانون. وقد بلغ عدد الجلسات بلجنة الإدارة المحلية إلى أكثر من 70 جلسة حوار مجتمعي ومناقشة، ولكن الصيغة التي خرج بها مشروع القانون لم يتم التوافق عليها، حيث قوبلت بعض مواد القانون بالرفض، أولها تبعية المجتمعات العمرانية الجديدة التي تتبع وزارة الإسكان وليس الإدارة المحلية، الأمر الذي يتطلب تخطيطاً عمرانياً جديداً وفصلاً لحدود المحافظات قبل إقرار القانون.

وتمثلت نقطة الخلاف الثانية في نظام انتخابات المجالس المحلية، حيث ينص القانون على أن يتم انتخاب أعضاء المجالس المحلية بواقع 25% للنظام الفردي و75% لنظام القائمة، أما النقطة الثالثة فتتمثل في رفع سن تعيين المحافظين والنواب من 30 إلى 35 سنة، وهو ما رآه بعض النواب وممثلي الأحزاب السياسية أنه يتعارض مع السياسة الحالية للدولة التي تركز بشكل كبير على تمكين الشباب، وأخيراً كان الخلاف حول تعريف العمال والفلاحين واشتراط عدم ترشح حملة المؤهلات العليا لمقاعد العمال والفلاحين، وهو ما يتعارض مع السياسة الحالية بتمكين الأكفأ.

قانون الأحوال الشخصية:

على الرغم من تقدم عدد من نواب المجلس السابق والمجلس القومي للمرأة وعدد من الجهات الحكومية بمقترحات تعديلات بعض مواد قانو الأحوال الشخصية، وتقدم الأزهر بمشروع قانون عكف على صياغته لمدة عام كامل بعد الاستماع لآراء كل الأطراف، إلا أن القانون لم يخرج للنور، ورفع بعض الأفراد قضايا ضد مجلس النواب للتعجيل بإقرار القانون نظراً للمشكلات التي يمرون بها. وقد أرجع وكيل لجنة التضامن بالبرلمان السابق تأخير إقرار القانون إلى ضيق الوقت في ظل طلب بعض النواب طرح مشروع القانون للحوار المجتمعي والمناقشات الموسعة وتأخر جهات إبداء الرأي مثل الازهر الشريف والمجلس القومي للمرأة ووزارة العدل والمجلس القومي للأمومة والطفولة في إرسال تعليقاتهم للمجلس.

بذلك، فإن المجلس الجديد أمام مسؤولية واضحة بسرعة مناقشة وإقرار قانون الأحوال الشخصية باعتباره من القوانين التي لا تقبل التأجيل لأنه يمس الأسرة التي تمثل اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، على أن يعالج القانون الجديد مشكلات الأسرة، وأن يراعي حصول المرأة على كامل حقوقها، وأن يضمن رعاية الأطفال بشكل يحترم آدميتهم، وأن يحدد الحقوق والواجبات المترتبة على الطلاق بشكل عادل بين الطرفين.

قانون الاستثمار:

على الرغم من إقرار قانون الاستثمار في 2017، إلا أنه تم تعديله بعد عامين تقريباً لتقديم مجموعة من الحوافز للمستثمرين تضمنت تقديم الدولة أراضٍ بالمجان لبعض الأنشطة الاستراتيجية وفقاً للضوابط القانونية، وتحمل الدولة جزءاً من تكلفة التدريب الفني للعاملين، ورد 50% من قيمة الأرض المخصصة للمشروعات الصناعية في حالة بدء الإنتاج خلال عامين من تاريخ تسليم الأرض للمستثمر، ولكن يبدو أن التعديلات التي أجريت على القانون بعد عامين فقط من إقراره لم تؤتِ ثمارها المنشودة، وسيكون تعديل قانون الاستثمار أحد أولويات المجلس الجديد من أجل جذب مزيد من الاستثمارات ذات رؤوس الأموال الكبيرة.

قانون الإيجار القديم:

استمر الجدل حول مشروع قانون الإيجار القديم ما يزيد عن عامين، فبعد أن أرسلت الحكومة مشروع القانون لتتم مناقشته في جلسات مجلس النواب، تم تأجيل مناقشة القانون بسبب خلافات في الرأي بين الأعضاء، حيث اقترحت الأغلبية البرلمانية أن يتم الاكتفاء بمشروع القانون المقدم من الحكومة وتطبيقه على الأشخاص الاعتبارية دون تطبيقه على الأشخاص العاديين، وهو ما عارضته لجنة الإسكان التي رأت أن تمرير القانون على الأشخاص الاعتبارية فقط تشوبه عدم الدستورية.

وهدف مشروع القانون الجديد إلى تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر من حيث تحديد القيمة الإيجارية العادلة، وضمان عدم إغلاق الوحدة المؤجرة لحماية الثروة العقارية، ومنع توريث الوحدات المؤجرة إلا في حالات محددة، ولكن لم يحظً تعديل قانون الإيجار القديم بفرصة الموافقة عليه وإقراره من البرلمان السابق، لذلك فهو أحد أولويات المجلس الجديد لإنهاء حالة الجدل الناشئة عن تصدير أصحاب العقارات المظلومية الدائمة والتضرر من القانون القديم.

قانون التعليم:

على الرغم من البدء في تطبيق نظام التعليم الجديد منذ العام الدراسي 2018/2019، إلا أن تعديلات قانون التعليم لم تحظً بالقدر الكافي من الاهتمام خلال فترة انعقاد مجلس النواب السابق، الأمر الذي يستوجب سرعة مناقشة المجلس الجديد لهذا القانون وإقراره قبل تحديد موعد امتحانات الثانوية العامة لهذا العام، ويرجع ذلك إلى أن قانون التعليم بشكله القديم يلزم الوزارة بأن يكون الامتحان موحداً وهو ما يتعارض مع طريقة التقييم في نظام التعليم الجديد.

وكانت الحكومة قد وافقت على التعديلات التي تقدمت بها وزارة التربية والتعليم التي تضمنت أن يكون امتحان الثانوية العامة إلكترونياً بدايةً من العام الدراسي 2020/2021، على أن يبدأ العمل بنظام التقييم التراكمي بدايةً من طلاب الصف الأول الثانوي في العام الدراسي 2021/2022. إضافة إلى ما سبق، فقد تضمنت التعديلات إمكانية أن يخوض الطالب الامتحان في نفس المادة أكثر من مرة، ونقل الطلاب للصف الدراسي الأعلى إذا رسبوا في مادة أو مادتين على الأكثر.

قانون التخطيط العام:

يسعى قانون التخطيط العام إلى تنظيم عملية التخطيط في الدولة بالكامل وتنسيق أدوار الجهات المختلفة وتكاملها، ويبدو أن تأخر إقرار قانون التخطيط العام كان سببه الرئيسي عدم إقرار قانون الإدارة المحلية حتى نهاية مدة مجلس النواب السابق، حيث تم تشكيل لجنة مشتركة بين وزارتي التخطيط والتنمية الاقتصادية، والتنمية المحلية للتأكد من وجود اتساق وترابط بين قانون التخطيط العام وقانون الإدارة المحلية.

ويضع مشروع قانون التخطيط العام مجموعة من المبادئ التخطيطية التي تعكس بشكل واضح الاستحقاقات الدستورية المنصوص عليها في دستور 2014، كما يولي القانون أهمية كبيرة لمعالجة أسباب تعثر المشروعات الممولة من الخزانة العامة للدولة، وعدم إدراج مشروعات جديدة دون التأكد من توافر الأراضي اللازمة لتنفيذها وخلوها من أي نزاعات قضائية، وقد حدد مشروع القانون المنهجية التخطيطية المفصلة لإعداد الخطط على المستوى المحلي والقومي والإقليمي مع تحديد دور كل الأطراف بشكل واضح. على ذلك، فإن قانون التخطيط العام هو أحد أهم أولويات مجلس النواب الجديد الواجب الانتهاء منها بشكل سريع.

مجلس الشيوخ يمنح الأفضلية للمجلس الجديد:

لا شك أن وجود غرفة نيابية ثانية تضم عدداً كبيراً من الخبراء والقانونيين يثري الحياة النيابية في مصر ويمنح أفضلية لمجلس النواب الجديد على نظيره المنقضية مدته، فبعد أن كانت مسؤولية اقتراح ومناقشة وصياغة وإقرار القوانين ملقاة على عاتق مجلس النواب فقط، أصبحت المسؤولية بالمشاركة بين المجلسين، حيث أن دور مجلس الشيوخ يتمثل في اقتراح القوانين وإبداء الرأي وتقديم المشورة في مشروعات القوانين، الأمر الذي يسهل من مهمة مجلس النواب في إقرار القوانين بشكل أسرع وصياغة أكثر دقة مما كان الأمر عليه بالنسبة للمجلس السابق.

ويلعب مجلس الشيوخ دوراً آخر يساعد في تحسين أداء الحكومة يتمثل في طلب المناقشة العامة لاستيضاح سياسة الحكومة، والاقتراح برغبة إلى الحكومة، وهي أدوات يغلب عليها طابع التعاون أكثر من جانب الاتهام والمسئولية، وبالتالي فإن مجلس الشيوخ سيساعد بشكل كبير في مشروعات القوانين المقترحة والتأكد من عدم اشتمالها على مواد أو نصوص تخالف الدستور، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تمتع القوانين والتعديلات الجديدة بصفة الاستمرارية بما يقلل من احتمالية تعديلها على المدى القريب. مما سبق، يمكن القول إن مجلس النواب الجديد أمام جملة من المهام العاجلة التي تستوجب العمل في ظروف استثنائية للانتهاء من بعض القوانين التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، ومن شأنها أن تحدد الطريق أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة في رؤية مصر 2030، ولن يتم ذلك بشكل دقيق وفعال وسريع إلا من خلال التعاون مع مجلس الشيوخ الذي استُحدث لهذا الغرض.

Scroll Up