استهل العالم الجغرافي المصري “جمال حمدان” كتابه “القاهرة الكبرى: دراسة في جغرافية المدن” بسؤال: “هل العواصم هي أكبر وخير ما يمثل جسم وروح بلدها بوصفها بوتقة تنصهر بداخلها عناصر الدولة وأقاليمها؟”، لم يتردد الكاتب كثيرًا قبل الإجابة على السؤال بالإيجاب، والقول بأن تاريخ القاهرة يؤهلها تمامًا لأن تمثل الدولة المصرية؛ باعتبارها الوزن الحضاري، والنفوذ السياسي لعاصمة بعمر أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، والإشعاع الفكري والقومي للأمة المصرية.

ولكن بالنظر إلى الكيان الحضاري، والجغرافي، والمعماري الحالي، الذي يستمر بالتقلب مما حدا بتراكم الكثير من المشكلات الحضرية، والسكانية، والبيئية؛ يبدو أنه تراءى للقيادة السياسية الحالية أن واقع القاهرة لا يمثل الجوهر المصري الحقيقي الذي يلبي طموحات المصريين إزاء المستقبل.

ستحاول السطور القادمة التعرض للتحديات التي تراكمت على الطابع الحضاري “المتروبوليتان” الخاص بالعاصمة المصرية، بمدينة القاهرة (كما سيتم عرضه بالتفصيل لاحقا). ثم محاولة الاقتراب من وضع القاهرة الجديد على الخريطة التنموية المصرية.

مسائل القاهرة

تتسم القاهرة كونها العاصمة لأقدم حضارات العالم، وعاصمة لمدة 1300 عامًا أو أكثر (منذ إنشاء مدينة الفسطاط على يد عمرو بن العاص، وليس منذ أن بناها جوهر الصقلي في 969 ميلاديًا)، بالعديد من المشكلات المتشابكة التي يتصف بعضها بالفرعي وآخر بالمركزي. لا يسع المجال للحديث عن جميعها، لذا يمكن عرض أبرز هذه المسائل كالتالي:

أولا: المسألة السكانية

تعد القاهرة أحد العواصم الكبرى في العالم، كونها تتخطى عدد العشرة ملايين نسمة، وهي تحتل المركز السابع على العالم من حيث الكثافة السكانية.

وحسب نشرة المجلس القومي للسكان لعام 2020، فقد تضاعف عدد سكان القاهرة ثلاثة أضعاف بداية من عام 1980، حتى وصل عدد سكان القاهرة إلى 21 مليون نسمة في 2020. ومن المتوقع يصل عدد سكان القاهرة الكبرى في عام 2025 إلى أكثر من 23 مليون، وفي عام 2030 إلى حوالي 26 مليون، وفي عام 2035 إلى أكثر من 30 مليون.

ويتبع المسألة السكانية عدد كبير من المشكلات المتعلقة بحالة البنى التحتية للمدينة من منشآت ومنظومات صرف صحي ونطاقات التزايد السكاني التي تتبع نهجًا رأسيًا وليس أفقيًا، ومعدل إمكانية الوصول غير المتوازنة داخل القاهرة زمنيًا ومكانيًا، إذ يصل معدل سير المركبات في القاهرة في وقت الذروة وساعات المساء إلى 19 كم في الساعة، وهو معدل بطيء للغاية نتج عنه ميل المصريين إلى استخدام مركبات أصغر في الحجم وأيسر في التنقل وسميت بـ “التوكتوك”.

ثانيا: المسألة البيئية

من البديهي أن يترتب على الكثافة السكانية في القاهرة ظهور مشكلات أخرى، مثل انتشار ظاهرة تلوث الهواء، وانتشار القمامة. أصبحت تحتل القاهرة مراتب متقدمة على قائمة المدن الأكثر تلوثًا في العالم. وحذّرت وزارة البيئة المصرية من نسبة تلوث الهواء الذي يحيط القاهرة من الشرق والجنوب والغرب. 

وحسب دراسة نشرها البنك الدولي (نوفمبر 2019) قدرت أن تلوث الهواء في القاهرة الكبرى حاليًا يكبد الاقتصاد المصري ما يعادل 1.35% من إجمالي الناتج المحلي سنويا (هذا باحتساب الخسائر على الصحة في القاهرة الكبرى فقط).

تأتي عوادم السيارات المنبعثة أثناء الزحام المروري كمصدر أول للتلوث في القاهرة، يليها حرق المخلفات الصناعية والزراعية مثل حرق قش الأرز. ولذلك كان لزامًا على الدولة أن تبتكر الحلول لمواجهة مشكلة الزحام المروري، ومواجهة حرق قش الأرز.

ثالثا: المسألة الحضرية 

المركزية الطاغية لمدينة القاهرة كونها العاصمة، باتت نقمة على المدينة بعد تحولها إلى مركز جاذب للهجرة الداخلية بين المصريين، فظهرت الهجرة العشوائية من الريف إلى القاهرة على مدى 30 عامًا بين 1976 حتى 2006، كان هذا المد الثلاثيني عاملا قويا في ظهور العشوائيات، وانتشار ما يسمى بـ “تريف المدن”.

وكان أيضًا عاملًا في التركز الرأسي لطبقات اجتماعية محدودة الأجر نسبيا في مركز العاصمة، بينما هربت الطبقات الغنية إلى ضواحي القاهرة، ولجأت أخرى إلى إقامة فضاءات مجتمعية مُسيّجَة هربًا من الاحتكاك مع الطبقات الدنيا. وبذلك تحولت القاهرة إلى مدينة هجينة، غير متماسكة مجتمعيًا نتيجة تبني عدد من المجموعات البشرية منظومات قيمية مختلفة عن الأخرى، بين قيم الريف، وقيم الحضر.

رابعا: المسألة السياسية للعاصمة

ويقصد بالمسألة السياسية، أي أن القاهرة تحتل مكانة سياسية مركبة ومعقدة، نتجت عن تركز المؤسسات السياسية الحاكمة، ومختلف المؤسسات في مدينة واحدة تقريبًا. فحدا ذلك بالقاهرة أن تتعدد وظائفها إلى ستة وظائف رئيسة، وهي: السياسية (أي مؤسسات الحكم)، الإدارية (أي الوزارات والجهاز الإداري للدولة)، الاقتصادية (أي سلاسل الامداد والتموين الخاصة بالدولة)، المالية (أي البنك المركزي، والبنوك المالية)، الخدمات (أي مؤسسات البحث والتعليم والصحة والنقل)، الثقافية (كونها تضم أكبر المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية، وأبرز المعالم السياحية الثقافية).

مهام الحفاظ على القاهرة في حدود التنمية المستدامة

يتبين مما سبق أن استمرار الوضع الحالي للقاهرة لن يمكّنها من أن تظل عاصمة تعبر عن روح الدولة المصرية، وأن تلبي طموحاتها التنموية. ولذلك جاء تدخل الدولة من خلال مجموعة من السياسات، يمكن عرضها كما يلي:

أولا: بناء العاصمة الجديدة

تسعى الدولة لتفكيك الطوابع المركبة والمعقدة لمدينة القاهرة، خاصة الإدارية والمالية، عبر إقامة مدينة جديدة تقام على بعد 70 كيلو متر تقريبا من شرق القاهرة، العاصمة الإدارية الجديدة وستضم مؤسسات الحكم الرئاسية والوزارية والتشريعية وكذلك القضائية، وبالتالي سيكون من شأنها أن تشمل الملايين من المصريين، منهم العاملين في القاهرة في الحكومة بمستوياتها الثلاثة، وكذلك المؤسسات المالية الكبرى، وعندها ستحتفظ القاهرة كونها عاصمة سياسية-قومية، وثقافية للشعب المصري. 

ويظهر من النشرات والبيانات الصادرة عن وزارة الإسكان المصرية أن مشروع العاصمة الإدارية هو جزء من مشروع أكبر هو تطوير القاهرة، وهو ما يبرر لهذا التقرير أن يكون بناء العاصمة الإدارية فرعًا من مهام الدولة لتنمية القاهرة بشكل مستدام؛ لضمان الحفاظ على الأصول التاريخية والطبيعية المميزة التي تمتلكها القاهرة، وتسهيل المعيشة فيها من خلال بنية تحتية تتميز بالكفاءة.

ثانيا: تطوير شبكة النقل والطرق في القاهرة

تبين مما سبق ذكره أن العامل الرئيسي لتلوث القاهرة هو انبعاثات عادم المركبات نتيجة الزحام المروري، وكذلك انخفاض مدة الوصول بين الأماكن داخل القاهرة نتيجة الزحام المروري والكثافات السكانية. مما حدا بالدولة للانتباه إلى تطوير شبكة النقل والطرق، وبالتحديد في العاصمة التي احتلت النصيب الأكبر من مجموع مشاريع الطرق والكباري في مصر التي تم تنفيذها أو الجاري تنفيذها (أكثر من 350 مشروعا من أصل 1787 مشروعا على مستوى الجمهورية: المصدر موقع خريطة مشروعات مصر).

يضاف إلى أهمية مشاريع الطرق والكباري هو أنها تخلق فرصًا استثمارية جديدة بسبب تسهيل عملية نقل الخدمات والبضائع، وتوفير عملية الربط بين المدن الجديدة على أطراف العاصمة (القاهرة).

ثالثا: الاهتمام بتاريخ المدينة

يُبرهن على عملية اهتمام الدولة بتطوير الطابع الثقافي للقاهرة، هو مشاريع تطوير القاهرة الخديوية (وسط البلد وميدان التحرير) بعد إضافة اللمسات الجمالية والتاريخية على المنطقة، خاصة بعد تأهيل ميدان التحرير على الطراز الفرعوني وتنصيب مسلة رمسيس الثاني في مركز الميدان. 

لتعرج الدولة على تطوير منطقة مهمة ظلت مهملة لعقود وهي منطقة “القاهرة التاريخية”. ويضم المشروع إعادة تأهيل وترميم المنطقة السكنية حول مسجد الحسين، ومنطقة خان الخليلي للحرف اليدوية، وإنشاء جراج ميكانيكي، وتطوير المنطقة بشارع الأزهر، ومنطقة درب اللبانة، ومنطقة باب زويلة، ومنطقة مسجد الحاكم بأمر الله.

وأيضاً تأهيل معماري لمنطقة مسجد الحاكم، على مساحة 52 ألف م2، والذي يشمل إقامة فنادق تراثية إحياءً لوكالات قديمة مندثرة، وإنشاء جراج متعدد الطوابق، وساحة رئيسية، وساحة أنشطة سور القاهرة، ومطاعم وأنشطة سياحية وتجارية.

رابعا: ترميم الصورة الحضرية للعاصمة

ويقصد هنا توجه الدولة المصرية لرفع أي منطقة عشوائيات في القاهرة، إذ تضم عددًا كبيرًا من المناطق العشوائية يبلغ 109 مناطق مقسمة بحسب درجات الخطورة والتخطيط. 

ويبدو أن الدولة لا تتبع نهج تدرج الأولويات في رفع العشوائيات حسب حالتها، ويُدلل على ذلك أن الدولة شرعت في تطور مناطق السيدة زينب التي تأتي تحت مستوى “سكن غير ملائم وغير آمن”، وكذلك اتجهت لتطوير مثلث ماسبيرو الذي يدخل تحت مستوى درجة ثانية “سكن غير ملائم ولكن آمن”. وكذا تبدأ عمليات التحديث والتطوير في مناطق الدرجة الثالثة “سكن مهدد للصحة” خاصة في منطقة المدابغ في حي مصر القديمة. 

ويمكن تفسير ذلك بأن المقصد الاستراتيجي للدولة في عملية التطوير، هو إحياء التراث وترميم الصورة الحضرية للعاصمة، فتصادف أن القاهرة جمعت كل مستويات الحالة السكانية والمعمارية في مناطق تراثية حيوية، يتضح ذلك في تصريح مدير صندوق تطوير العشوائيات المهندس خالد صديق: “هناك آثار ترافق معها عشش ومباني من الصفيح، وهو أمر غير مقبول، وجاري تطوير القاهرة على أساس يحفظ النسيج العمراني”.

الخلاصة

يتبين مما سبق أن الدولة تطمح من الوضعية الجديدة للقاهرة، أن تصبح ركيزة أساسية لهندسة منظومة القيم التي يستحقها الشعب المصري من خلال تنظيم النسيج المعماري والثقافي للقاهرة، وبذلك تصبح عاصمة سياسية-قومية أو أي تؤثر في تشكيل قيم المجتمع المصري سياسيًا وقوميًا، وأن تصبح عاصمة ثقافية تضم في طياتها تاريخ مصر من خلال الحفاظ على أيقونات هذا التاريخ سواء التاريخ المصري القديم، أو العربي-الإسلامي، أو غيرها من مناهل التاريخ.

فكان لزامًا على الدولة تفكيك الطوابع المركبة (الطوابع الستة: الإدارية، والمالية، والسياسية، وغيرها..) عن شخصية القاهرة، والعمل على بناء شخصية جديدة متفردة ومركزة، تلبي طموحات مصر بعد 25 يناير و30 يونيو.

Scroll Up