يظل العمق العربي ثابتًا من ثوابت توجهات وأولويات السياسة الخارجية المصرية مع تعاقب الرؤساء والحكومات –عدا فترات تاريخية قصيرة- وفقًا لمعطيات ثابتة تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ والدور والتأثير. بيد أن منهجية سياسة مصر وعلاقاتها مع الدول العربية مرت بتحولات عقب ثورة 25 يناير 2011 –شأنها شأن كل شيء- فقد تراجع الدور والتأثير المصري عربيًا وإقليميًا لصالح الانشغال بتفكيك وحلحلة القضايا الداخلية، تزامنًا مع تآكل النظام العربي بفعل الثورات التي انهارت معها دول، وتفككت معها جيوش، وأفسحت المجال لتدخل قوى إقليمية تسعى للهيمنة. مما حتّم إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية تجاه المحيط العربي وفق متغيرات 2011 الجيوسياسية؛ لاستعادة الدور والتأثير.

انعكاسات 2011

حافظ الرئيس الراحل حسني مبارك على علاقات عربية متوازنة وانخراط محسوب في القضايا العربية وفقًا لاعتبارات الأمن القومي المصري، بدءًا من المشاركة في عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت 1990، واستمرار الدور المصري التاريخي في القضية الفلسطينية وفق مبدأ حل الدولتين وإنهاء الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني. ولكن تراجع الدور المصري عربيًا وإقليميًا في سنوات حكمه الأخيرة.

لم يكن لثورة 25 يناير تأثيرات تُذكر على توجهات السياسة الخارجية المصرية تجاه المحيط العربي بفعل مرور العالم العربي كله في ذلك الوقت بلحظة دقيقة جعلت مصر تفضل الانكفاء على الذات، وهو ما زاد من تقليص الحضور المصري في مختلف القضايا العربية والإقليمية وفي رسم سياسة المنطقة التي كانت قيد التشكل وفق توجهات جديدة باتت مهددًا للأمن القومي العربي، وكانت مصر جزءًا من تنفيذها، ولا سيّما خلال عام 2012-2013.

شهد هذا العام لحكم جماعة الإخوان تغيرًا في أولويات وثوابت السياسة الخارجية المصرية وتعاطيها مع المحيطين العربي والإقليمي؛ إذ اتجهت بوصلة السياسة المصرية نحو الانخراط المتعمد في مشروعات إقليمية تسعى للهيمنة على المنطقة، فانتقلت مصر من القيادة العربية –الحقيقية أحيانًا والرمزية أحيانًا أخرى- إلى التبعية التامة إلى هذه المشروعات، وتحديدًا المشروع التركي والمشروع الإيراني.

فقد توجهت مصر إلى تعميق علاقاتها مع تركيا وإيران بوصفهما نموذجي الحكم الإسلامي في المنطقة، وتحديد مواقفها من القضايا المختلفة -ولا سيّما قضايا المنطقة- حسب مواقف تركيا. ومن شواهد ذلك إعلان الرئيس الأسبق مرسي فتح “باب الجهاد في سوريا”. وقد أثر هذا التوجه الجديد في سياسة مصر الخارجية سلبًا على علاقاتها مع محيطها العربي، وخاصة دول الخليج العربي.

نحو استعادة الدور

فرضت هذه التحديات والتحولات السياسية على مستوى السياسة المصرية وعلى مستوى المحيطين العربي والإقليمي نفسها بقوة على مصر بعد ثورة 30 يونيو، وجعلت من الضروري أن تطور مصر سياساتها ليمكنها التعامل مع هذا الواقع الجديد أولًا، وأن تعيد مكانتها ودورها في المنطقة العربية عبر وضع المشروع العربي في صدارة أولوياتها ثانيًا، ومواجهة المشاريع الإقليمية المعادية ثالثًا. وبناء على ذلك ارتسمت السياسة الخارجية المصرية وفق عدة ثوابت.

دعم الدول الوطنية

ملمح رئيس من ملامح سياسة مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو ومرتكزاتها هو دعم الدول الوطنية في حربها ضد الفواعل من غير الدول من الميلشيات المسلحة والجماعات الإرهابية التي دعمتها قوى إقليمية بعد 2011 لانتزاع السيطرة على هذه الدول. وذلك انطلاقًا من ثوابت الحفاظ على الأمن القومي العربي بمعناه الشامل والذي لا يمكن الاكتفاء بتحقيقه على المستوى الوطني فقط.

وذلك ما ظهر في مواقف مصر في كل من أزمات سوريا وليبيا واليمن؛ إذ أكدت دعمها للدول الوطنية ومؤسساتها، وذلك سعيًا لإنهاء حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الإقليم، والقضاء على الإرهاب.  ورغم أن هذا الثابت الأصيل في سياسة مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو كان أحد أسباب نشوب خلافات مع بعض البلدان التي انتهجت نهجًا مغايرًا داعمًا لهذه الميلشيات والفواعل من غير الدول، فإن مصر ظلت متمسكة بهذا الخيار ولم تحد عنه.

الاضطلاع بدور في الأزمات العربية

يمثل الانخراط الإيجابي في البحث عن تسويات وحلول لمختلف الأزمات العربية أحد ركائز استراتيجية مصر الخارجية، بناءً على الثابت الأول وهو دعم الدول الوطنية، وكذلك سعيًا لتحقيق عالم عربي أكثر استقرارًا. وقد تنوعت أدوات مصر في لعب هذا الدور تراوحًا بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي وما هو عسكري.

وتظل القضية الفلسطينية أحد الثوابت الراسخة للسياسة الخارجية المصرية وفق منظور الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي، ولذلك حرصت مصر على إعطاء دفعة سياسية ودبلوماسية للقضية التي توارت وتأخر ترتيبها في قائمة الأولويات العربية بعد 2011 بفعل بزوغ أزمات عربية جديدة استرعت الانتباه والتدخل العربي والإقليمي والدولي. 

ومن هنا جاء التأكيد المصري المستمر على أهمية حل القضية الفلسطينية بوصفها مفتاح الاستقرار الإقليمي الذي لن يتحقق دون الوصول إلى تسوية عادلة قائمة على مبدأ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967. وفضلًا عن الجهود المصرية المتواصلة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، تتواصل جهودها أيضًا لاستئناف التفاوض بين فلسطين وإسرائيل، وآخرها استضافة اجتماع اللجنة الرباعية الدولية في القاهرة (11 يناير) لجسر الهوة وتعبيد الطريق أمام استئناف المفاوضات.

وفيما يتعلق بالأزمات التي نتجت بعد 2011 نجد أن مصر لعبت دورًا في حل الأزمة السورية من خلال لعب دور الوساطة بين الحكومة السورية والمعارضة، والعمل على مواجهة التدخلات التركية في سوريا، ومحاولة إحياء دور جامعة الدول العربية كآلية جامعة للدول العربية تحفظ الأمن القومي العربي. وفي الأزمة الليبية أسست مصر مجموعة دول الجوار الليبي للمساهمة في تسوية الأزمة، وأطلقت “إعلان القاهرة”، وقوّضت مساعي تعميق الأزمة الليبية عبر رسم الخط الأحمر عند محور سرت-الجفرة. وقدّمت كذلك دورًا مهمًا في مساعدة كل من لبنان والسودان سياسيًا وإغاثيًا.

رفض مشروعات الهيمنة الإقليمية

أفسحت الأزمات التي مرت بها المنطقة العربية منذ 2011 -والتي أثرت على القدرات الفردية والجماعية للدول العربية، ولا سيّما تلك الدول التي شهدت اضطرابات سياسية هيكلية وبنيوية ولم تستطع حتى اللحظة الخروج من تبعاتها- المجال أمام قوى إقليمية غير عربية للعمل على فرض مشاريع للسيطرة والهيمنة والنفوذ على المنطقة، وهي كل من تركيا وإيران. 

وبقدر الاختلافات الأيدولوجية والتباينات المرجعية بين المشروعين، فإنهما قد اتفقا على هدف واحد وهو استهداف الدول العربية وتهديد الأمن القومي العربي. وقد تحركت مصر في هذا الملف عبر تعميق التعاون العربي لمواجهة هذين المشروعين، فدافعت عن الدول العربية التي تواجه هذين المشروعين من خلال جامعة الدول العربية ومجلس الأمن الدولي، وعززت علاقاتها التي تضررت عام 2012 مع دول الخليج العربي، وفتحت آفاقًا جديدة للعلاقات مع كل من سوريا والعراق لمواجهة التدخلات التركية والإيرانية وإعادة دمجهما في محيطهما العربي، وأعادت رسم علاقاتها مع دول شمال أفريقيا لتطويق المشروع التركي هناك.

تعميق مجالات التعاون العربي

سعت الدولة المصرية في إطار استراتيجيتها العربية الجديدة إلى تعميق أطر وأواصر مختلف أشكال التعاون مع الأقطار العربية بعدما باتت هذه العلاقات العربية في صدارة أولويات السياسة الخارجية المصرية. وتمثلت هذه الأشكال من التعاون في السياسي والاقتصادي والأمني.

التعاون السياسي

حرصت مصر على بلورة مواقف عربية متسقة مع مقتضيات الأمن القومي العربي، وهو ما يتطلب تنسيق مواقف القاهرة مع مختلف القوى العربية، وإصلاح العلاقات التي تضررت خلال الفترات الماضية، فنجد –كما سلف- إصلاح العلاقات مع دول الخليج العربي وتكوين حائط صد في مواجهة المشروعات الإقليمية قائم على تطابق الرؤى والمواقف.

ذلك فضلًا عن إصلاح العلاقات مع السودان، والتي تضررت إبان حكم الرئيس السابق عمر البشير، فدعمت القاهرة الانتقال السياسي الديمقراطي في السودان، وحرصت على حلحلة أي خلافات بين مكونات منظومة الحكم الانتقالي، ورعاية مباحثات السلام بين السودان والحركات المسلحة. والأمر ذاته ينطبق على العلاقات مع دول المغرب العربي (تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا). بجانب استحداث آلية للتعاون الثلاثي بين مصر والأردن والعراق لتطوير التعاون بين الدول الثلاث في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون السياسي والأمني.

التعاون الأمني والعسكري

كان التعاون الأمني والعسكري أحد أشكال التعاون التي حرصت مصر على تنميتها خلال السنوات الأخيرة، من منطلق أن الأخطار التي تتهدد الدول العربية واحدة، ومن ثم تستلزم مواجهة مشتركة. ولذلك أجرى المسؤولون الأمنيون والعسكريون المصريون عدة زيارات إلى عدد من الدول العربية وكذلك زيارات لمسؤولين أمنيين وعسكريين عرب إلى القاهرة لتبادل المعلومات حول التهديدات المشتركة.

وكذلك، استضافت مصر “المنتدى العربي الاستخباري” (فبراير 2020) بمشاركة رؤساء أجهزة المخابرات في الدول العربية؛ لتناول قضايا مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف والجريمة المنظمة، وأفضل الممارسات والسبل للمواجهة الفعالة لتلك التهديدات على نحو شامل يراعي الأبعاد والخصوصيات التنموية والاجتماعية والثقافية للدول العربية، ويحقق لها الأمن والاستقرار.

ومن أهم ملامح هذا التعاون المناورات العسكرية المشتركة؛ إذ حرصت مصر على إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع العديد من الدول العربية لرفع جاهزية القوات واستعداداتها لمواجهة التحديات في مختلف المسارح، وتبادل الخبرات بين الدول العربية، ومنها تدريبات العقبة وفجر الشرق مع الأردن. وتدريب سيف العرب مع كل من السعودية والإمارات والأردن والبحرين والسودان، وتدريب نسور النيل مع السودان.

التعاون الاقتصادي

الاستفادة من القدرات العربية المشتركة، وتقوية العلاقات والتعاون الاقتصادي بين مصر والدول العربية أحد أهم ملامح الاستراتيجية المصرية العربية. ولمّا تبنت مصر استراتيجية لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة توجهت نحو تعظيم مشروعات الربط الكهربائي مع الدول العربية وتعظيم قدرات مشروعات الربط القائمة. وترتبط مصر الآن مع كل من فلسطين والأردن والسعودية والسودان والعراق وليبيا بمشروعات ربط كهربائي. وتسهم هذه المشروعات بين مصر ومحيطها العربي في تعميق التعاون الاقتصادي بين مصر والبلدان العربية وخلق نفوذ فاعل لمصر في هذه الدول.

ويعد تحالف “الشام الجديد” أو “المشرق الجديد” بين مصر والعراق والأردن تكليلًا لكافة أشكال التعاون السابقة، إذ يمثل هذا التحالف في إطاره التكاملي بين البلدان الثلاثة أفقًا جديدًا لتحالف عربي نواته مصر، يعظم المصالح الاقتصادية بينها من خلال الربط الكهربائي وتصدير النفط والاستفادة من القدرات البشرية واللوجستية، فضلًا عن التنسيق السياسي والأمني بين الدول الثلاث في مختلف المواقف ومجابهة كافة التحديات.

إجمالًا، على الرغم من أن منظومة التعاون العربي قد واجهت تحديات وجودية عام 2011 أثرت على مجمل المشهد العربي وتفاعلاته الداخلية والخارجية، فإن مصر قد استطاعت بعد عشر سنوات أن تعيد توجيه دفة العمل العربي من جديد، وأن تعيد العمق العربي في هويتها إلى صدارة أولويات سياستها الخارجية انطلاقًا من دورها المحوري في المنطقة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا. وخاصة بعدما تهيأت لديها كل مقومات القوة الشاملة وخلقت مقاربة جديدة بين الأهداف الاقتصادية والسياسية والأمنية في المنطقة، وتمكنت من التأثير الذكي في محيطها العربي والإقليمي، وتحديث مفهوم الأمن القومي العربي، وبناء توازن عربي جديد للقوى.

Scroll Up