آلاف الشائعات تستهدف مصر شهريًا، وبشكل متواصل ومتزايد ولافت للنظر منذ ثورة يونيو 2013، وبما يجعل من مصر الدولة الأولى التي تواجه مثل ذلك الكم من الشائعات وفي كل المجالات بهدف وحيد هو محاولة إسقاط الدولة أو على الأقل “فرملة” مشروعها للانطلاق والعودة إلى موقعها الطبيعي قائدة وملهمة للمنطقة. 

معظم تلك الشائعات تروج عبر شبكة الإنترنت التي صارت “بالوعة” حقيقية لنشر الحقد والكراهية. ومع أن الشائعات من الظواهر المعروفة في كل المجتمعات عبر كل العصور، فإن وسائل التواصل الاجتماعي قد سهلت مهمة مطلقي الشائعات بشكل لم يحدث من قبل، وشرعت لها كل الأبواب للوصول إلى الملايين في وقت قليل للغاية وربما في نفس لحظة إطلاق الشائعة. 

وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تحتل المقدمة في وسائل نشر الشائعات ليس في مصر وحدها بل إن كل دول العالم تعاني من استغلال تلك الوسائل لنشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي تمثل واحدة من أهم آليات أو أسلحة الحرب النفسية لإسقاط الدول من الداخل دون إطلاق رصاص وتحريك الجيوش. 

فمحور الشر يتوهم أن لديه من المهارة ما يكفي لإسقاط الدولة دون حرب، عملًا بمقولة أحد القادة العسكريين الصينيين، “إن أعظم درجات المهارة هي تحطيم العدو دون قتال”، وذلك بعد أن فشل في اسقاط الدولة باستخدام العنف أو العمليات الإرهابية. 

ومع تنامي المخاطر والمخاوف من الاستخدامات السيئة للفيس بوك انتظمت العديد من الجهات المعنية الرسمية وغير الرسمية في دول عديدة للبحث في كيفية التعامل مع تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي من تحديات بل وتهديدات للكثير من الدول والمجتمعات، ومن المؤكد أن ذلك الأمر سيتزايد ويتخذ أبعادا أكثر عملية في ضوء موقف وسائل التواصل الاجتماعي الأخير من الرئيس الأمريكي ترامب. 

وفي إطار ما تمثله الشائعات من خطر ليس فقط على سياسات الحكومة بل على المجتمع المصري عامة، نهض المركز الإعلامي منذ عام 2014 على إصدار تقرير سنوي يعنى برصد الشائعات التي تعرضت لها مصر خلال عام، ونسبة كل قطاع من قطاعات الدولة من تلك الإشاعات، علاوة على الدور المهم والجهد الجبار الذي يبذله المركز في الرد على تلك الشائعات لحظة إطلاقها في محاولة منه لوأد الشائعة في مهدها أو على الأقل تحييد آثارها وحرمان مطلقيها من تحقيق أهدافهم. وفي الحادي عشر من يناير الجاري أصدر المركز تقريره عن الشائعات في عام 2020 متضمنًا الكثير من المعلومات والتصنيفات وتوزيعها على القطاعات وشهور العام. 

والشائعات هي أخبار أو بيانات مختلقة أو لا تمت للواقع بأي صلة أو في أفضل الأحوال تعتمد على جزء ضئيل من الحقيقة مغلف بقدر هائل من الأكاذيب والمبالغة. إلا أن ما توفره لها وسائل التواصل الاجتماعي وفي القلب منها الفيس بوك -بوصفه الأكثر انتشارًا بين المصريين من حيث سرعة الانتشار وإمكانية نشر الآلاف من الشائعات دونما رقيب من أحد بصرف النظر عن مضمون تلك الشائعات وخطرها ومع كثرة تداول تلك الشائعات من خلال خاصية “الشير”- ينشأ تصور لدى الكثير من المتابعين بأن الخبر صحيح، وبالتالي تزداد عملية تناقله بطرق مختلفة مع بعض الإضافات التي قد يضيفها الناقل سواء بحسن نية أو عكس ذلك. ومن ثم تتحول الشائعة إلى ما يشبه “كرة الثلج” التي تكبر وتتضخم كلما تدحرجت. وفي هذا السياق لابد من التوقف عند الاعتبارات التالية التي تشكل البيئة المناسبة لعمل ماكينة الشائعات وقدرتها على تحقيق أهدافها:

أولا: أن الشائعات تستهدف الرأي العام في عمومه، بهدف خلق حالة من عدم اليقين والتشكك في كل شيء بصرف النظر عن أهميته وجدواه؛ فالشائعات لم تترك مجالًا أو حدثًا إلا وطالته مستهدفة تشويهه، وإن كانت تتركز بالأساس في المجالات التي تهم المواطنين في فترات معينة ويظل الاقتصاد دائمًا في مقدمة المجالات التي تطالها الشائعات. فمخاوف المواطنين بشأن وضعهم المعيشي تدفعهم للوقوع فريسة للشائعات التي تطال الاقتصاد، إذ تسهل عملية النفاذ إليهم في هذا المجال. وفي هذا السياق كان للاقتصاد دائما النصيب الأكبر من الشائعات خلال السنوات الماضية، حتى جاء عام 2020 لتحل الصحة في ظل جائحة كورونا محله، ويصبح عام 2020 هو الأكبر من حيث نسبة الشائعات من إجمالي الشائعات التي تعرضت لها مصر خلال السبع سنوات الماضية.

ثانيا، أن مشغلي ماكينة الشائعات يعرفون أن الإكثار من الشائعات سيدفع الكثيرين إلى إثارة التساؤل المعتاد الذي مفاده: هل يمكن أن تكون كل تلك الأخبار مجرد إشاعات؟ هل يمكن أن يكون كل ذلك الدخان بدون نار؟! ومع كثرة الشائعات وتزايد معدلات تناقلها لكثير من المتابعين أن ثمة حالة من الإجماع على حقيقة تلك الأخبار. وكما هو معروف فإن كثيرين من الرأي العام، خاصة المترددين أو من ليس لهم رأي واضح بالاصطفاف في معسكر ما عادة ما يستجيبون للآراء التي يبدو أن عليها توافقًا أو تأييدًا عامًا طبقًا للنظرية المعروفة في دراسات الرأي العام، وهي نظرية “دوامة الصمت”، التي تقرر أن الفرد يميل إلى تشكيل رأيه انسجامًا مع الرأي العام السائد في المجتمع. وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتسق مع الأفكار التي تدعمها أو تتناقلها وسائل الإعلام بكثرة. هذه النظرية تفسر كيف للرأي العام أن ينزاح بسهولة صوب تصديق الشائعة ما لم يكن هناك دليل قاطع على ما ينفيها.

ثالثا: أن مشغلي ماكينة الشائعات يعرفون أن ثمة وقتًا معينًا سيمر بالضرورة قبل أن يثبت كذب الشائعة أو الخبر الذي يروجون له، ويعرفون أنه خلال تلك الفترة -التي تعد كبيرة جدا بمعايير زمن التعامل مع الفضاء الاليكتروني- ستصل تلك الشائعة لأعداد كبيرة من الرأي العام، وأن ذلك سيصيبهم حتما بالاحتقان وتحميل الدولة المسؤولية بصرف النظر عن مصير تلك الشائعة، فالهدف الأساسي هو توتير الرأي العام، وجعله محاصرًا بالأخبار السلبية التي ستشكل مادة إعلامية خصبة لبرامج القنوات المعادية لمهاجمة الدولة، وتعزيز موقف مؤيدي تلك القنوات وتوجهاتها.

والأهم أنهم بتلك الشائعات يضعون الدولة في موقع المتهم الذي عليه أن يثبت أن ما تبثه تلك الماكينة هو شائعات لا أساس لها من الصحة، الأمر الذي يمثل بالضرورة إنهاكًا لمؤسسات الدولة المختلفة، وتشتيتًا لتركيزها. ولعل ذلك كان الدافع وراء إسناد مهمة رصد وتصحيح الشائعات للمركز الإعلامي بمركز الوزراء 

رابعا: أن مشغلي ماكينة الشائعات يعرفون أن الشائعة لن تموت بمجرد نفي مؤسسات الدولة لها، فذاكرة الإنترنت تبقي تلك الشائعة ويمكن استدعاؤها مستقبلًا عندما يثور أمر يتعلق بها، بل إنهم يعتمدون على ما أطلقوه من شائعات سابقة لإطلاق شائعات جديدة، فالباحث على الإنترنت في فترة معينة سيجد الشائعة دون أن يجد بالضرورة نفيها.

الفيس بوك والشائعات

تمثل وسائل التواصل الاجتماعي خاصة الفيس بوك “إكسير الحياة” لماكينة الشائعات. فالفيس بوك منصة مفتوحة دون أية ضوابط معتبرة لتقييم المحتوى، مع إتاحة كاملة لتغييب هوية المستخدم وامكانيات غير محدودة لإنشاء الحسابات المزيفة.

وقد أشار رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب أنه تم رصد حوالي 10 ملايين حساب مستعار من ضمن 65 مليون حساب على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر ، مؤكدًا أن مثل تلك الحسابات تقوم ببث الأخبار المزيفة والأخبار الكاذبة. هذا فيما يتعلق بالفيس بوك عامة ولكن الأمر تزداد خطورته في مصر في ظل كون الفيس بوك هو الوسيلة الأولى من ضمن وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المصريون، فمصر تحتل المرتبة التاسعة عالميا في استخدام الفيس بوك في عام 2020 بعدما كانت العاشرة في عام 2019، وعلى المستوى العربي تحتل مصر المرتبة الأولى في استخدام الفيس بوك. 

مكمن الخطر الإضافي لذلك الوضع يمكن تلمسه فيما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2019 من أن 97.7% من الشباب الذين يستخدمون الانترنت ونسبتهم 62% من إجمالي الشباب في الفئة العمرية 18 إلى 29 عامًا يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك وتويتر). وهذه الفئة هي الأكثر انكشافا في مواجهة الحملات الإعلامية والشائعات. 

ومن خلال متابعة تطور عدد مستخدمي الفيس بوك في مصر وعدد الشائعات التي تعرضت لها خلال السنوات السبع الماضية يمكن بسهولة اكتشاف أن ثمة علاقة بينهما، فكلما زاد استخدام الفيس بوك زادت الشائعات وزاد بالتالي معدل انتشارها. وبكل تأكيد فإن زيادة انتشار الشائعات في عام 2020 ورغم محورية دور جائحة كورونا في هذا التزايد، فإنه يرجع أيضًا وأساسًا إلى تزايد استخدام الفيس بوك والإنترنت بصفة عامة في ظل سياسات التباعد الاجتماعي التي فرضتها الجائحة. 

الإرهاب والشائعات

واجهت مصر منذ ثورة 30 يونيو 2013 موجة غير مسبوقة من الإرهاب، بعد أن كشفت الثورة الغطاء عن الوجه الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين ومن لف لفها من الجماعات الشقيقة لها أو تلك التي تمثل فروعًا لها أو حتى تلك التي انشقت عنها وزايدت عليها. فقد تعاونوا جميعًا لهدف واحد هو إسقاط الدولة المصرية ومعاقبة الشعب المصري على قراره في 30 يونيو 2013. 

وبالفعل بدأت العمليات الإرهابية تطال مؤسسات الدولة وحتى دور العبادة ومحاولات ترويع المواطنين. وتحسبا لتلك العمليات طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي حينما كان وزيرًا للدفاع تفويضًا لمواجهة الإرهاب الذي كان يراه قادمًا لا محالة. 

بدأ الإرهاب بمحاولات يائسة لإحداث فتنة طائفية من خلال إحراق الكنائس، فكان رد قداسة البابا تواضروس الثاني أن وطنًا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن، ومع ذلك لم تتوقف عمليات استهداف الكنائس وبل والمساجد أيضا. ثم كانت المواجهة المفتوحة مع المؤسسة الأمنية المصرية ممثلة في القوات المسلحة والشرطة خاصة في شمال سيناء. 

وكان العام 2015 هو الأعلى من حيث العمليات الإرهابية ثم بدأ التراجع عام 2016 لتصل العلميات الإرهابية إلى حوالي ثلث ما كانت عليه عام 2015، ثم تواصل الانخفاض لتصل إلى عملية واحدة عام 2020. وهو التراجع الذي جاء بسبب النجاحات التي حققتها القوات المسلحة في إطار عملية حق الشهيد وجهود الشرطة في تعقب الإرهابيين والضربات الاستباقية التي وجهتها لهم ولخلاياهم النائمة في عمق الداخل المصري. 

وإذا كانت الشائعات كما سبقت الإشارة قد تزايدت مع تزايد استخدام الفيس بوك، فإنها أيضًا قد تزايدت مع تراجع عدد العمليات الإرهابية. فالأعوام 2014 و2015 و2016 التي شهدت عدد كبيرًا من العمليات الإرهابية كانت الأقل من حيث عدد الشائعات التي استهدفت مصر. 

ويمكن إرجاع ذلك بوضوح إلى أنه مع النجاح في محاصرة الإرهاب على الأرض وتضييق الخناق عليه، اتجه إلى سلاحه البديل الأسهل في استخدامه وهو سلاح الشائعات، الذي وصل استخدامه إلى الذروة خلال عام 2020 الذي كان أيضًا أقل الأعوام من حيث عدد العمليات الإرهابية.

اللقاح ضد فيروس الشائعات

ما تقوم به الدولة لمواجهة الشائعات أشبه بالإجراءات الاحترازية المتبعة حاليًا مع فيرس كورونا المستجد، بينما اللقاح الحقيقي لفيروسي كورونا والشائعات هو الوعي كما قال الرئيس السيسي. والوعي هو اللقاح الوحيد الفعال لقطع الطريق على فيروس الشائعات من التمكن من الجسد المصري، فالشائعات تفعل بالمجتمع ما يفعله السوس بالأشجار. 

الشائعات تنخر في مناعة المجتمع حتى يصبح آيلًا للسقوط بلا مدافع أو طائرات أو تحريك لقوات عسكرية، فالحرب الجديدة هي حرب خرساء لا مكان فيها لصوت الآليات العسكرية. الأسلحة في الحرب النفسية كما قال الزعيم النازي هتلر هي “الاضطراب الذهني وتناقض المشاعر والحيرة والتردد والرعب الذي ندخله في قلوب الأعداء”.

وتزداد أهمية الوعي وبالتالي خطورة غيابه في ظل ما تتيحه الثورة التكنولوجية الحالية من آليات للخداع والكذب يصعب حتى على المتخصصين كشفها، فكيف يكون الأمر مع المستخدمين العاديين لتلك الوسائل التكنولوجيا دون أدنى دراية بتلك الآليات. حتما سيكون الوقوع في شرك تلك الشائعات مصير هؤلاء المستخدمين الهواة إذا جاز التعبير في عالم افتراضي الكلمة العليا فيه لتقنيات الذكاء الاصطناعي. 

الوعي كما أمور كثيرة أخرى يتطلب بناء العقلية النقدية القادرة على الفرز باستخدام المنطق ما تتوافر القدرات التكنولوجية. المنطق الذي يقضي بأن الصدق يسبق المصداقية، فلا مجال للوثوق بشخص أو وسيلة أو جهة سبق وأن كذبت مرات ومرات. هذه الوسائل وهؤلاء الأشخاص لابد من التعامل بمنطق الفيلسوف نيتشه الذي لخصه بمقولته “لست منزعجًا لأنك كذبت عليّ، لكنني منزعج لأنني لن أصدقك بعد هذه المرة”.

الوعي والمنطق بذلك المعني هو السلاح المتاح للمواطنين في مواجهة فيروس الشائعات تمامًا كما الكمامة وغسيل اليدين في حالة كورونا، حتى يكون لدينا الحل أو اللقاح التكنولوجي في حالة الشائعات والطبي في حالة كورونا. إنه كفيل أن يضع تأثير فيروس الشائعات في حده الأدنى، فلا يضطر المركز الإعلامي بمجلس الوزراء إلى الإشارة إلى أغرب الشائعات التي أطلقت على المصريين (شائعة: إيقاف عقود الزواج لمدة عام)، ولا إلى الشائعات التي تم نفيها أكثر من مرة (شائعة: وقف تداول العملات الورقية)، فحين توجد مثل تلك الشائعات بكثرة فدلالتها الأهم هي أن ماكينة الشائعات والقائمين عليها باتوا واثقين في أن كل وأي كذبة يمكن أن تمر على المصريين بصرف النظر عن تأثيرها حاليا، فمشغلو ماكينة الشائعات يقدسون مقولة هتلر “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، ويعتقدون تماما في أن الكذبة ليس فقط بإمكانها أن تدور حول العالم بينما لا تزال الحقيقة ترتدي ملابسها كما قال تشرشل، بل بإمكانها بمساعدة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أن تدور حول العالم مرات عديدة قبل أن تطل الحقيقة برأسها.

Scroll Up