تُثير التغيرات التكنولوجية مجموعة من المخاوف المرتبِطة بالاقتصاد والأمن القومي وحقوق الإنسان في العلاقات الأمريكية الصينية. وفي هذا السياق، سيكون التنافُس التكنولوجي بين واشنطن وبكين أحد أهم التحديّات التي ستواجِه الإدارة الأمريكية الجديدة، الأمر الذي يستدعي استراتيجية متعددة الأطراف والتعاون مع الحلفاء بشأن الصين، لمواجهة انتهاكاتها المرتبطة بالتكنولوجيا.

جدير بالذكر، أن النهج الذي اتبعته إدارة الرئيس “ترامب” اعتمد على الإجراءات أحادية الجانب. ولم يأتِ هذا النهج بنتائج مرجوة. الأمر الذي يوجب على الإدارة الجديدة تبنَّي نهجًا جديدًا لسياسة أكثر واقعية تتمثل في تعزيز المصالح الأمريكية من خلال أطُر متعددة الأطراف.

وفي السطور التالية سنتطرق لأسباب المشكلة بين واشنطن وبكين فيما يتعلق بالمجال التكنولوجي، ولماذا فشلت استراتيجية الإدارة الأمريكية السابقة في كبح جِماح الصين في المجال التكنولوجي؟ إضافة للتطرق حول رؤية بايدن للتعامل مع الصين في هذا الصدد، وضرورة تعاونه مع الحلفاء الأوروبيين المعنيين بهذا الشأن، مع طرح عدد من الأمور يُمكن للإدارة الجديدة أخذها في الحسبان كنقطة انطلاق في بلورة سياسة واقعية تجاه الانتهاكات التكنولوجية من قِبل الصين.  

أسباب المشكلة بين واشطن وبكين

في السنوات التي تزامنت مع الارتفاع الدراماتيكي للثروة والقوة في الصين، شهد العالم سلسلة من التغيُّرات والتطورات التكنولوجية، وقد ارتبطت ذلك بالأمن القومي للدِوَل. فالعديد من هذه التطوُرات تنطوي بطبيعتها على تقنيات “استراتيجية” ذات استخدام مزدَوَج، وقد ساهمت هذه الديناميكية في عدم وضوح التمييز بين الاهتمامات الاقتصادية والأمن القومي

ومع تحوُّل العالم من نظام أُحادي القطبية إلى نظام مُتعدِّد الأطراف، بات من الصعب على أي دولة بمفردها إحكام السيطرة على أمن وخصوصية البيانات.  وفي هذا السياق يُمكن تلخيص المُمارسات الصينية التي تُمثِّل مصدر قلق رئيس لصانعي السياسة في الولايات المتحدة الامريكية، كما جاءت في تقرير الممثل التجاري للولايات المتحدة لعام 2018 وشمل التقرير عددًا من المخاوِف التي تقوم بها جمهورية الصين الشعبية، ومنها:

  • الضغط الصيني على الشركات الأمريكية لنقل التكنولوجيا الخاصة بها إلى الكيانات الصينية.
  • قيام الصين بفرض قيود كبيرة على قدرة الشركات الأمريكية على ترخيص التكنولوجيا الخاصة بها وفقًا لشروط السوق.
  • قيام الحكومة الصينية بتوجيه وتسهيل الاستحواذ على الشركات والأصول الأمريكية من قِبَل الشركات المحلية للحصول على أحدث التقنيات.
  • تدعم الحكومة الصينية عمليات الاختراق السيبراني في شبكات الشركات الأمريكية للوصول إلى المعلومات والأسرار التجارية. 
  • عدم وفاء الصين -بشكل عام- بالتزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية والوعود الأخرى التي قطعتها باحترام حقوق الملكية الفكرية الأمريكية أو السعي لتحقيق المنافسة التكنولوجية بشروط السوق العادلة.

أثار ذلك الأمر تزايد المخاوف –خاصة خارج الصين- بأنه في ظل حكم الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، أصبح دور الدولة أكثر شمولية؛ وأن جمهورية الصين الشعبية تنتهج استراتيجية للتقدم التكنولوجي تتعارض جزئيًا مع المصالح والقيم الأمريكية. 

فشل استراتيجية الرئيس “ترامب”

اعتمدت الاستراتيجية التكنولوجية لإدارة ترامب بشكل كبير على الإجراءات الأحادية بدلاً من بناء تحالُفات من الدول الراغبة في تبنّي وتطبيق القواعد والممارسات المشتركة. في السياق ذاته، قامت إدارة ترامب، بزيادة استخدام ضوابِط التصدير فيما يتعلق بكيانات محدَّدة – وأبرزها شركة “هواوي” (Huawei) والشركات التابعة لها– ولكنها ترددت في فرض ضوابط بنفس الدرجة على التقنيات الأخرى الحساسة. 

يرجع هذا التردد جزئيًا إلى المخاوف من أن الضوابط الجديدة ستضر بالشركات الأمريكية، خاصة إذا لم يتم تنسيقها بشكل وثيق مع الدول الحليفة.  على الرغم من ذلك، استطاع ترامب عبر سياساته أن يفرض تغييرات حاسمة في شبكات التكنولوجيا الآسيوية، حيث توافقت الشركات الكورية الجنوبية والتايوانية مع سياسة الولايات المتحدة وبدأت بالفعل في قطع بعض إمداداتها عن الصين.

بايدن والتكنولوجيا في مواجهة الصين

نتيجة فشل سياسات الرئيس “ترامب”، تعهد الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن باتخاذ إجراءات صارمة في سياساته تجاه الصين، لكن تنفيذ تلك السياسات يتطلب مضاعفة الحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين والتي كان لها العديد من التداعيات السلبية على شركات التكنولوجيا مثل هواوي.

تحدث بايدن خلال حملته الانتخابية عن أهمية قطاع الصناعات التحويلية وضرورة إعطائه قدرًا أكبر من الاهتمام. ورغم أهمية ذلك القطاع، فتوجيه التركيز نحو الهيمنة على الشبكات التكنولوجية، هو العامل الأكثر حسمًا في السياسات الأمريكية لمواجهة الصين، والحفاظ على نفوذها الاقتصادي في المحيطين الهندي والهادئ.

في هذا السياق، كان الاتحاد الأوروبي قد شرع في تطبيق برنامج صارم لكبح جماح عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة الأمريكية، مثل “أمازون” و “أبل” و”فيسبوك” و “جوجل” و”مايكروسوفت”، ما يشير إلى أن بايدن سيواجه تحديًا رئيسًا يتمثل في بناء جبهة موحدة من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين لمواجهة الصين. كما سيتطلب الأمر أن تحافظ الإدارة الجديدة على الريادة التكنولوجية الأمريكية في مواجهة الصين. 

تعاون “بايدن” مع الدول المتقدمة تكنولوجيًّا يعزز موقفه ضد الصين

لكي تكون سياسة الإدارة الأمريكية الجدية فعًّالة تجاه بكين، يٌمكن للإدارة الجديدة عقد صفقة كبرى مع حلفائها في مجال التكنولوجيا لتقوية موقفها ضد الصين، ذلك أن الحرب ضد الصين تختلف عن الحرب ضد الاتحاد السوفيتي. ففي الأخيرة كان التنافس يرتكز على الأيديولوجية والأسلحة النووية، بينما ترتكز الحرب مع الصين على تكنولوجيا المعلومات. 

وكذلك فقد أصبح موقف الصين أقوى بكثير عقب انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية (WTO)في عام 2001؛ مما عزز اقتصادها العالمي، ومن هنا أدرك الحزب الشيوعي الصيني أن التكنولوجيا هي طريقه للهيمنة العالمية، حيث يقوم الحزب بتكثيف جهود الشركات الصينية من خلال الإعانات والدعم المتواصل.

وحتى تستطيع الإدارة الجديدة الحد من النفوذ الصيني في مجال التكنولوجيا يجب أن تسعى إلى إيجاد تفاهمات مع حلفائها من الدول الأوروبية لكسب ودها في الفترة الراهنة. مع استعدادات واشنطن لتقديم تنازلات لحلفائها بشأن الخصوصية والضرائب وبعض تفاصيل السياسة الصناعية. 

رؤية أمريكية

في الأخير يُمكن طرح عدد من الأمور –وفقًا لرؤى قادة الفكر والعديد من المحللين الأمريكيين- والتي يُمكن للإدارة الجديدة أخذها في الحسبان كنقاط انطلاق في بلورة سياسة واقعية تجاه الانتهاكات التكنولوجية من قِبل الصين.  

وهذه الاعتبارات يُمكن للولايات المتحدة الأمريكية الاسترشاد بها لحماية التكنولوجيا والأمن السيبراني، وذلك لتعزيز المصالح والقيم الأمريكية في إطار مُتعدد الأطراف وتحقيقًا لهذه الغاية، تقوم هذه الاعتبارات على الأمور الأتية: 

  • إنشاء إطار عمل وطني لأمن البيانات والخصوصية، مع الحفاظ على التدفقات الحرة للبيانات العابرة للحدود. ويجب أن يتضمن التشريع معايير واضحة لجمع ومعالجة ومشاركة المعلومات. 
  • إطلاق مبادرة تجارة رقمية متعددة الأطراف: لإيجاد أرضية مشتركة بشأن التجارة الرقمية مع البلدان التي لديها التزامات قوية بأمن البيانات.  
  • فرض عقوبات على النشاط السيبراني الضار: تستهدف ردع المتسللين الصينيين المرتبطين بالدولة بشكل ملحوظ.
  • يجب على الولايات المتحدة توسيع هذه الجهود لفرض عقوبات صارمة، وذلك لمواجهة حملات التضليل الأجنبية والرقابة على منصات الإنترنت التي تعمل في السوق الأمريكية.
  • تفعيل القانون والمؤسسات الدولية التي تتناول التقنيات الجديدة. مع التمسك بالقيم الأمريكية كاحترام حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون.
    • تمكين هيئة مخصَّصة لتنسيق السياسة التكنولوجية في الداخل والخارج تكون مهمتها السعي إلى التأكد من أن السياسات مُصممة لحماية التقنيات الحساسة، ويجب أن يتمتع هذا الكيان بالمرونة لتنسيق مقترحات سياسة الابتكار بين الحلفاء.
  • منع الانقسام العالمي إلى أنظمة تكنولوجية ومعلوماتية منافسة من شأنها تقويض هذه الأهداف.

المصادر:

  1. Source: “Biden’s cooperation with technologically advanced nations strengthens his stance against China”, (The Economist, November 19, 2020).
  2. Source: SALVATORE BABONES,  “Note to Biden: Forget Trade, the Real War With China Is Over Tech”, (foreign policy, NOVEMBER 18, 2020): https://foreignpolicy.com/2020/11/18/biden-china-huawei-technology-manufacturing/
Scroll Up