ربما كان ملف النزاع الحدودي بين الخرطوم وأديس أبابا على الأراضي الخصبة الواقعة على طول خط الحدود بينهما وتحديدًا الحدود الفاصلة بين ولاية القضارف السودانية، وإقليمي أمهرة وتيجراي الإثيوبيين من أقدم ملفات النزاع الحدودي في أفريقيا، لكنه يتميز عن معظمها بأنه بات في السنوات الأخيرة مرتبطًا بشكل وثيق بحالة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين السودان وإثيوبيا، وكذا بالتطورات الجارية على الأراضي الإثيوبية، وهذا كان واضحًا من خلال تجدد الاشتباكات بين السودان وإثيوبيا، في نطاق محلية (الفشقة) الحدودية، وهي اشتباكات كانت التطورات في إقليم (تيجراي) الإثيوبي، إحدى أهم مسبباتها.

لفهم حقيقة هذا الخلاف الحدودي، وارتباطاته بالتطورات الأخيرة في الإقليم، سواء ملف التفاوض حول سد النهضة، أو الحرب المستمرة حتى الآن في إقليم تيجراي، لابد من العودة قليلًا إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 1901، حين بدأت المساعي الجدية من جانب السلطات البريطانية -التي كانت تحتل السودان ومصر آنذاك- لترسيم الحدود بين السودان وإثيوبيا.

جذور الخلاف الحدودي بين الخرطوم وأديس أبابا

المفاوضات حول ترسيم الحدود بين البلدين بدأت بشكل ضمني في أبريل 1899، بين منليك الثاني إمبراطور الحبشة، وجون هارنجتون ممثل التاج البريطاني في الحبشة، وقد كانت نقطة الخلاف الأساسية في هذه المفاوضات تكمن في رغبة إمبراطور الحبشة في ضم معظم أراضي ولايتي القضارف والنيل الأزرق إلى الأراضي التابعة له، وهو ما اصطدم برفض بريطاني، خاصة أن القوات البريطانية معززة بوحدات مصرية كانت قد قامت قبل ذلك بعام بدخول هاتين الولايتين والسيطرة بشكل كامل على أراضيهما.

ظلت الخلافات بين الجانبين مستمرة، وانضم إليهما الجانب الإيطالي ومصر الخديوية، إلى أن تم التوقيع في مايو 1902 على اتفاقية بين إمبراطور الحبشة وممثلي كل من بريطانيا وإيطاليا وإريتريا ومصر، تم بموجبها تشكيل لجنة لترسيم الحدود بين إثيوبيا والسودان، يرأسها ضابط برتبة رائد في الجيش البريطاني يدعى جون جريفيث، وقد أصبحت هذه الاتفاقية سارية بحلول أكتوبر من نفس العام، بعد تصديق ملك بريطانيا إدوارد السابع عليها.

قام الرائد جريفيث، بعد أن تلقى الإذن من إمبراطور الحبشة، بالنزول إلى النطاق الحدودي الفاصل بين إقليم تيجراي وأمهرة من جهة، وولايتي القضارف والنيل الأزرق من جهة أخرى، وبحلول نوفمبر 1903، كان قد أتم بشكل كامل تحديد العلامات الحدودية في هذا النطاق، حيث حدد نقطة بداية الحدود بين الجانبين عند تقاطع (خور الرويان) مع مجرى نهر (ستيت)، ومن ثم اتخذ نحو 37 علامة حدودية، تمثل الآن خط الحدود الدولية بين السودان وجنوب السودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى. 

على الرغم من الموافقة الواضحة لإمبراطور الحبشة على كافة البنود الواردة في اتفاقية 1902، وكذا تسلمه بشكل رسمي لنتائج الترسيم الذي أجراه الرائد جريفيث بناء على هذه الاتفاقية للحدود مع السودان، إلا أنه بات واضحًا منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي أن القبائل الإثيوبية القريبة من الحدود لا ترغب في التخلي عن الأراضي الخصبة التي تقدر بنحو مليوني فدان، والواقعة في منطقة (الفشقة) المحاذية للحدود.

فقد أصبحت هذه القبائل منذ ذلك التاريخ، متوطنة بشكل شبه دائم في هذه المنطقة الممتدة بمحاذاة جزء كبير من خط الحدود يبلغ طوله نحو 170 كيلو متر، يمتد من منطقتي سيتيت وباسلام شمالًا حتى منطقة القلابات، علمًا بأن إجمالي طول الحدود بين الجانبين في هذا التوقيت كان 740 كيلو مترًا.

هذا الوضع أدى إلى نشوب عدة أزمات دبلوماسية بين الجانبين، خاصة خلال عامي 1955 و1957، وتجددت هذه الأزمات مطلع عام 1971، بعد أن أعلن الرئيس السوداني آنذاك جعفر نميري نية الحكومة السودانية تفعيل خطة شاملة لتطوير منطقة الفشقة، خاصة على المستوى الزراعي، فاعترضت أديس أبابا، وأعلنت أن ترسيم الحدود الذي نفذه الرائد البريطاني جريفيث، لم يكن مطابقًا لاتفاقية عام 1902، هذا على الرغم من أن إثيوبيا أعلنت مرارًا التزامها بهذه الاتفاقية، وبنتائج الترسيم الذي تم عقبها، وهو الترسيم الذي بات نهائيًا، بحكم قبول إثيوبيا به أولًا، وبحكم أتفاق دول منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، على اعتماد الحدود التي تم ترسيمها خلال الحقبة الاستعمارية، كحدود دائمة ورسمية لكافة الدول الأفريقية.

هدأت هذه الأزمة قليلًا في يوليو 1972 بعد اتفاق السودان مع إثيوبيا على تشكيل لجان لبحث القضايا الخلافية حول الحدود، وتأجيل تنفيذ الخطة الحكومية السودانية لتنمية منطقة الفشقة. لكن ظل الوضع في هذا النطاق على ما هو عليه، إلى أن قامت وحدات عسكرية إثيوبية بالتوغل في هذه المنطقة عام 1995، وهو ما تسبب في زيادة التوتر بين الجانبين، خاصة وأن وجود القبائل الإثيوبية في كافة مناطق الفشقة، سواء الجزء الشمالي منها أو الجزء الجنوبي بات دائمًا ومتزايدًا. عقب هذا التوغل، وتحديدًا عام 1998، بدأ الجانبان مباحثات بشأن الوضع الفعلي لهذه المنطقة. 

التصاعد البطيء للأزمة في الألفية الجديدة

لم تصل المباحثات بين الجانبين إلى نتيجة واضحة منذ انطلاقها عام 1998، لكن في عام 2000 بدأ كلا الجانبين في بحث إمكانية فتح معابر حدودية بين أراضيهما، والاتفاق على الترتيبات المتعلقة بالنشاط التجاري والرعوي، وقد تم في هذا التوقيت الاتفاق على إرجاء بحث الوضع الحالي للحدود ومسألة التوغل الإثيوبي الذي تم عام 1995 إلى مباحثات لاحقة. 

في عام 2002، توصلت لجان ترسيم الحدود بين إثيوبيا وإريتريا إلى اتفاق بشأن شكل الحدود بين الجانبين، وخلال هذا الاتفاق قبلت إثيوبيا بأن تكون نهاية حدودها مع إريتريا هي نفس المنطقة التي تبدأ منها حدودها مع السودان حسب ترسيم عام 1903، وبالتالي هذا شكّل اعترافًا آخر من جانب إثيوبيا بالحدود القائمة، مما أعاد التفاوض بين الجانبين إلى نشاطه مطلع عام 2008، حين اتفق كلا البلدين على اعتراف إثيوبيا بشكل نهائي بالترسيم الحالي للحدود مع السودان، على أن تسمح الخرطوم للإثيوبيين الموجودين في منطقة الفشقة بأن يظلوا في مناطق وجودهم ولا يغادروها.

بهذا الاتفاق، دخلت المنطقة الحدودية بين الجانبين في فترة من الهدوء الحذر، لكن تصاعد التوتر بشكل مفاجئ وقوي في يوليو 2015، حين هاجمت ميليشيات إثيوبية على مدار أيام متتالية عدة نقاط للمراقبة توجد بها قوات تابعة للجيش السوداني في منطقة الفشقة، بجانب مهاجمة منازل السودانيين ومزارعهم في عدة قرى تقع في هذه المنطقة، وفي محليات أخرى تابعة لولاية القضارف، منها مناطق (الجكة) و(مربطة) في محلية القريشة، ومناطق (عطرب) و(خور شطة) و(أبو سعيفة)، (خور سعد) في محلية القلابات. 

وبعد أيام من هذه الهجمات، اجتمعت لجان من كلا الجانبين، اتفقت على أن تمنع السلطات الإثيوبية المزارعين من عبور الحدود في اتجاه الأراضي السودانية، لكن لم يتم تطبيق هذا الاتفاق على الأرض، وترسخت قناعة أن هذه الهجمات تستهدف إنهاء الوجود السوداني في هذا النطاق، وترسيخ الحضور الإثيوبي الذي تحول إلى أمر واقع واتخذ شكل مستوطنات زراعية ونقاط يوجد في بعضها ميليشيات مسلحة تسمى (الشفتة)، ووحدات تابعة للشرطة الفيدرالية الإثيوبية والجيش، واستمر تدفق المزارعين الإثيوبيين على هذه المنطقة. وشهدت محليات ولاية القضارف على مدار السنوات اللاحقة اشتباكات متفرقة من حين لآخر، تحدث بشكل رئيس بسبب مهاجمة الميليشيات الإثيوبية للرعاة والمزارعين السودانيين.

في أبريل الماضي، بدأت الحكومة السودانية بشكل تدريجي وغير معلن في إعادة تفعيل نقاطها الحدودية في منطقة الفشقة، وهو ما ردت عليه أديس أبابا بتوغل قواتها في اتجاه المناطق الشمالية لمحلية القلابات الشرقية الواقعة جنوب الفشقة الصغرى، وتمركزت في مناطق جديدة في هذه المحلية، خاصة منطقة شرق قرية سندس التي تضم مشروعات زراعية خاصة بمزارعين سودانيين. 

هذه الخطوة صعّدت التوتر بشكل أكبر، رغم أن رئيس أركان الجيش الإثيوبي قام بزيارة الخرطوم في نفس الشهر، واتفق مع قيادة الجيش السوداني على عودة قوات كلا الجانبين إلى مواضعها السابقة، لكن لم تلتزم قوات أديس أبابا بهذا الاتفاق -كعادتها- بل تزايدت عمليات الاعتداء على المزارع والمواقع السودانية في هذه المنطقة، ففي مايو الماضي دخلت ميليشيات إثيوبية إلى مناطق عدة في منطقة الفشقة، وهاجمت مواقع للجيش السوداني، منها معسكر (بركة نورين)، واللافت هنا أن هذا الهجوم تم قبل أيام قليلة من اجتماع كان مقررًا للجنة المشتركة بين الجانبين حول الحدود.

ديسمبر 2020 … الجيش السوداني يبدأ استعادة أراضيه.

في الخامس من ديسمبر الماضي، بدأ الجيش السوداني عملية واسعة في اتجاه المناطق المحصورة بين نهر عطبرة وخط الحدود الدولية مع إثيوبيا، بهدف السيطرة على كامل مناطق محلية الفشقة بشقيها (الكبرى – الصغرى)،  وقد انطلقت العمليات التي استمرت المرحلة الأولى منها لمدة شهر، في اتجاهين رئيسين، الأول جنوبي انطلاقًا من منطقة بركة نورين غربي الفشقة الصغرى، باتجاه الشرق، وفيها سيطرت القوات على عدة مناطق رئيسة على رأسها مناطق أبو طيور وقلع اللبان وخورشيت وتلدا، بجانب عدة معسكرات منها معسكر (خور يابس)، ومعسكر كبير في منطقة ودكولي غربي النهر.

الاتجاه الثاني كان من اتجاه مدينة القضارف، باتجاه منطقتي الفريشة ومحلية الفشقة الكبرى، وسيطرت قوات الجيش السوداني في هذا الاتجاه على مجموعة كبيرة من المستعمرات والمعسكرات، منها 11 معسكرًا في منطقة القريشة، وثمانية معسكرات في الفشقة الكبرى، بجانب المناطق الأساسية في هذا النطاق، مثل منطقة اللكدي والجبل الملاصق لها، ومناطق برخت وحمدايت والزراف والقضيمة وعلاو وتبة سربي وهلكا عصارة. 

بنهاية شهر ديسمبر الماضي، كان الجيش السوداني قد سيطر على ما بين 70 إلى 80 بالمائة من أراضي محلية الفشقة، وذلك رغم تعرضه لعدة هجمات خلال عمليات التقدم، من بينها هجوم في الخامس عشر من ديسمبر شرق منطقة ود عاروض، بجانب عدة هجمات حول منطقة أبو طيور.

في مطلع يناير الجاري، أصبح الموقف الميداني شبه ثابت، حيث لم يعد تحت سيطرة إثيوبيا في هذا النطاق سوى ثلاث مناطق فقط، الأولى هي منطقة (مرغد) في الفشقة الكبرى، ومنطقتي (خور حمر) و(قطران) في الفشقة الصغرى. لهذا حاولت الميليشيات الإثيوبية خلال هذا الشهر تنفيذ عدة هجمات على مواقع الجيش السوداني في محلية الفشقة، تركزت على منطقة أبو طيور، بجانب منطقة القريشة غرب نهر عطبرة، يضاف إلى ذلك عدة محاولات للتغلغل في عمق الفشقة الصغرى، وصلت إلى منطقة (ودكولي) الواقعة غربي نهر عطبرة. وقد وقع آخر اشتباك بين الجانبين تم تسجيله حتى الآن في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، حين قصفت المدفعية الإثيوبية منطقة أبو طيور، وردت عليها المدفعية السودانية.

آفاق تطور الوضع الميداني الحالي في محلية الفشقة

بشكل إجمالي يمكن القول إن الجيش السوداني قد تمكن من تحقيق معظم الأهداف التي أطلق من أجلها تحركاته في محلية الفشقة منذ أوائل الشهر الماضي. وقد ساهم استمرار عمليات الجيش الإثيوبي في إقليم تيجراي حتى الآن، وتعرضه مؤخرًا لعدة هجمات من جانب عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي في أن يكون رد الفعل الإثيوبي على التحركات السودانية محدودًا بشكل كبير، لكن العديد من المؤشرات تشير إلى أن الجيش الإثيوبي يقوم بالفعل بتجهيز قواته لبدء عملية كبيرة في اتجاه الحدود السودانية.

من ضمن هذه المؤشرات تجهيزه لعدة جسور ميدانية صينية الصنع من نوع (جي كيو أل – 111)، لم يكن معلنًا امتلاكه إياها من قبل، والدفع بها في اتجاه الحدود مع السودان، بمعية معدات عسكرية أخرى من بينها منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى (بانتسير). يضاف إلى ذلك نقله عددًا من طائراته المقاتلة إلى قواعد جوية في غرب البلاد، وتنفيذ هذه الطائرات لطلعات جوية قرب الحدود، تم في إحداها اختراق الحدود السودانية بالفعل، ناهيك عن الحشود الإثيوبية الكبيرة في عدة مناطق بإقليم أمهرة، مثل (دي نور) و(وار ماجو)، وهي مناطق تتحشد فيها أيضًا ميليشيات الأمهرة، التي كانت على مدار العقود الماضية، مستفيدة بشكل أساسي من الوضع الذي كان قائمًا على الجانب الأخر من الحدود.

ربما سيتأخر الهجوم الإثيوبي قليلًا، على الأقل ريثما تنتهي العمليات في إقليم تيجراي بشكل تام. وكذلك فإن الجيش الإثيوبي يضع في حسبانه حقيقة جغرافية مهمة، وهي أن طبيعة الأرض في محلية الفشقة تتسم بوجود العديد من الروافد المائية الصغيرة التي تفيض بشكل كبير معظم أوقات العام، بشكل يجعل من الصعب دخول المنطقة من الجهة السودانية، في حين تكون إمكانية الوصول لها من الجانب الإثيوبي أسهل، وهو ما قد يصعب المهمة أمام القوات السودانية في حالة ما إذا بدأ الهجوم الإثيوبي في وقت مفيض هذه الروافد. 

الأكيد أن السودان دفع غاليًا ثمن تسليمه خلال العقود الماضية بالأمر الواقع الذي فرضته إثيوبيا على الحدود، وهو موقف تعزز خلال السنوات الأخيرة بفعل وجهة النظر السودانية -المحايدة- في ملف سد النهضة. الآن الموقف السوداني فيما يتعلق بسد النهضة قد تغير كليًا، وكذلك موقفه من التغلغل الإثيوبي في أراضيه، وهي تغيرات قد تؤدي إلى نزاع عسكري واسع بين الخرطوم وأديس أبابا، في حالة إذا رغبت الحكومة الإثيوبية في مكافأة ميليشيات الأمهرة على دورها في معارك تيجراي، ودخلت في مواجهة عسكرية مع السودان، لإعادة عقارب الساعة على الحدود للوراء.

مصادر

 1-https://2u.pw/wETR4

2- https://2u.pw/F6kAc

3-https://2u.pw/zJpjp

4- https://2u.pw/XjAIH

5- https://2u.pw/D5aSx

6- https://2u.pw/FlkiU

Scroll Up