مصر حاضرة في المشهد اللبناني اليوم أكثر من غيرها من الدول العربية من المحيط إلى الخليج. حضور ترجمه المصريون غداة انفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020، وقبله وبعده. يطرح هذا الحضور أسئلة كثيرة عند المتحمسين للدور المصري في لبنان أو المتحسسين منه.

ياسر علوي أكاديمي من طراز رفيع، ترعرع ودرس في بريطانيا حيث أحد منازل أجداده وخدم لفترة في السفارة هناك كما رئيساً للقسم السياسي في سفارة مصر بالولايات المتحدة قبل أن يصبح مستشارا للشؤون العربية في وزارة الخارجية، الأمر الذي أفسح المجال أمامه لنسج شبكة علاقات عربية، ولا سيما في الملفين السوري والعراقي، ثم عاد الى لبنان سفيرا في خريف العام 2019، ليستعيد شبكة علاقات واسعة نسجها في بيروت في عز مرحلة 8 و14 آذار 2005 حتى العام 2010 مرورا بمرحلة أيار/ مايو 2008، التي عاشها بأدق تفاصيلها مع زميله القنصل طلال الفضلي، قبل انتقال علوي إلى واشنطن والفضلي إلى القاهرة. والمفارقة أن نزيه نجاري سلم علوي في العام 2005 مهامه القنصلية وعاد علوي في العام 2019 ليتسلم من نجاري المركز الأول في بيروت.

السفير المصري في لبنان ياسر علوي الواسع الاطلاع والثقافة المتنوّعة، كتب مقالاً في العام 2009 في صحيفة “الشروق” المصرية، بعنوان: ”اسطورة “مصر أولا”، الدور الاقليمي ليس صدقة جارية”. يخلص فيه الى نتيجة مفادها :”أهمية بلورة تصوّر ما للعروبة، لمصرَ مصلحة أكيدة فيه، تصور يستخدم “المدخل العروبي” كرباط حداثي ديموقراطي يؤسس للتعاون والتنمية وحماية الأمن المشترك لدول المنطقة، ويحمي مصالح مصر المتشعبة في المنطقة”.

هذا المقال نُشر قبل عامين من تنحّي الرئيس حسني مبارك عشية ثورة مصر. لم تكن الأحوال الاقتصادية في مصر جيدة، وانما كان مُبارك، وبرغم كل المآخذ الداخلية والخارجية عليه، لاعباً أساسياً في إعادة محورة دور مصر في المشهد الاقليمي والدولي بشكل كبير، مثلما رفع في سنواته الأخيرة مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لواء التصدي لما وصفه بالهلال الشيعي”.

ما يهّمنا في الأمر، ان هذا المقال، يعكس جزءا لا بأس به من التفكير العميق للدبلوماسية المصرية. قلقُ المقال المنشور عام 2009، يتجسد سلسلة حقائق اليوم:

برغم توقيع مصر اتفاقية كامب دافيد مع اسرائيل منذ أكثر من نصف قرن وتحميلها آنذاك مسؤولية تسلل اسرائيل الى الجسد العربي، الا ان السفير الاسرائيلي وكل إسرائيلي يزور مصر لا يستطيع النزول الى شوارع القاهرة علناً ولا الجلوس في المقاهي بحرية، ما يعني أن السلام الرسمي لم ينزل الى المستوى الشعبي، بل بقي في اطار دبلوماسي ورسمي محدود، بينما نُلاحظ ان اتفاقيات التطبيع العربية اللاحقة سُرعان ما شهدت انفتاحا واسعا على مستويات عديدة قبل توقيع الاتفاقيات وبعدها، فما عاد المرء قادرا على رصد مجالات الانفتاح والزيارات المتبادلة والمؤتمرات وغيرها. هذا التفكك العربي حيال اسرائيل، يُقلق مصر ضمنيا، حتى ولو أنها تعلن رسمياً تأييدها للتطبيع بحلقاته الأخيرة.

  صحيح أن حالة الحرب انتهت بين مصر واسرائيل منذ توقيع اتفاقية كامب دافيد، لكن الأدبيات العسكرية الاسرائيلية ما زالت تعتبر الجيش المصري الأكثر خطرا على الدولة العبرية، نظرا لكفاءاته العالية، وأسلحته المتطورة، وتنوع مصادر هذه الاسلحة، ناهيك عن العقيدة الضمنية التي وان نسّق اصحابها مع اسرائيل في سيناء، الا انها لم تتغير جذريا لتعتبر اسرائيل صديقا او حليفا.

    تتفكك منظومة الأمن الاقليمي حول كل المحيط المصري، فسوريا التي ما زال جيشها يُعتبر الجيش الأول في مصر منذ أيام الوحدة، غارقة بالحرب الضروس وحروب المحاور على أرضها، والبحر الأحمر مُخترق من قبل اسرائيل (راجع المقال المهم للزميل أمين قمورية على موقع 180)، والسودان اقتيد الى التطبيع، ومعظم الخليج طبّعا، بينما مستقبل السعودية يبقى غامضا، حتى تنجلي السحب بين ادارة جو بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان من جهة، ومعرفة هل يُصبح الأمير الملك المقبل أم لا، وفق الشروط الداخلية والخارجية من جهة ثانية. أما في الجوار الفلسطيني، الذي تسعى اسرائيل لتعزيز حضور خليجي ومغربي فيه بعيدا عن مصر، فالمستقبل أيضا محفوف بمليون سؤال، وتحاول القاهرة اعادة لملمة البيت الداخلي الفلسطيني، على صعوبة ذلك، ناهيك عن تحديات سيناء الأمنية وقضية سد النهضة والخطر المتأتي من الحدود مع ليبيا.

    ثم في الاقليم، يتقدم الدوران التركي والايراني على نحو مُقلق لمصر، ليس أمنيا فحسب وانما في صلب صراع العقائد اذا صح التعبير. فمرشد الثورة الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي سارع بعد ثورتي مصر وتونس الى اعتبار الأمر “صحوة اسلامية” وحادثة اعجازية”، والقى خطبة مفصّلة باللغة العربية لشرح التغييرات الكبرى في مصر ضد “الاستكبار” ولصالح الشعوب. كان يقين طهران ان علاقة عضوية مع الاخوان المسلمين آنذاك ستقلب وجه المنطقة. والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رأى في الثورة حصان طروادة لأسقاط حكم مبارك واقامة نظام اسلامي اخواني يساهم في استعادة حلم الامبراطورية العثمانية. في القناعة المصرية العميقة اليوم، تماما ما يُعبّر عنه السفير المصري في مقاله الآنف الذكر، بأنه كلما تقدّم المشروع الاسلامي، هُدّد المشروع العروبي.

    الدبلوماسية المصرية، عارضت بالعمق سقوط الدولة السورية، ورفضت وضع علم المعارضة مكان علم الدولة السورية في جامعة الدول العربية، وقالت لمن زارها من المعارضين آنذاك: ان كنتم قادرين على اسقاط النظام واقامة نظام ديموقراطي مكانه سنكون أول من يعترف بكم، اما اذا جئتم الينا لنُسقط النظام معكم فلن نفعل وبالتالي سيبقى علم الدولة السورية هو المعتمد حتى على الطاولة التي تجلسون عليها. ويعرف الذين تواصلوا مع الدبلوماسيين المصريين في أوج اعتلاء الاخوان المسلمين سدة الحكم، ان الدبلوماسية العميقة رفضت رفضا قاطعا، شطحات الرئيس الراحل محمد مُرسي بقطع العلاقة مع دمشق. كما ان مصر التي أبقت سفارتها مفتوحة في دمشق، حيث نسج الدبلوماسي النشيط محمد ثروت سليم علاقات مع مختلف قطاعات المجتمع السوري، أسست “منصة القاهرة” للمعارضة السورية التي كان من بين اهدافها الحد من المشروع الإخواني والتدخلات الاقليمية في المشهد السوري.

    لُبنان بدوره يُشكل عامل قلق للدبلوماسية المصرية، ولا يعرف كثيرون ان المبادرة الفرنسية انما هي مبادرة فرنسية – مصرية، ساهمت القاهرة في بلورتها وتمريرها. مصر قلقة من انفراط عقد البلد، وانزلاق الطوائف الى التطرف، فهذا سيؤسس لاندلاع موجات تكفير وارهاب في بعض البيئات. صحيح ان القاهرة مقتنعة بأن الركائز التاريخية للبنان (القطاع المصرفي والسياحة والخدمات والمرفأ والاعلام والجامعات والطب إلخ..) تغيّرت جذرياً، وما عاد لبنان ساحة الثقل في الصراعات التي صار لها ساحات أكبر كما في سوريا والعراق واليمن وغيرها، والحرائق المندلعة في المنطقة كثيرة، إلى حد إنتفاء الحاجة لحريق جديد في لبنان، لكن الصحيح أيضا أن القاهرة مدركة أن ضرب لبنان وتدميره يصب في مصلحة المشاريع غير العربية. لذلك لا أولوية تتقدم على أولوية استقرار لبنان وتحييده عن اشتباكات الإقليم وما أكثرها.

    من هذه المنطلقات ومن زاوية المصالح الاقتصادية لمصر، يبدو أن ما قاله السفير علوي قبل 12 عاما، ما زال صالحا حتى اليوم، أو ربما اليوم صار صالحا أكثر من اي وقت مضى، فمصر لا تستطيع الانكفاء على نفسها تحت شعار “مصر أولا”، ومصر لا تقوم بواجبها العربي من أجل الآخرين فقط ولا من منطلق “صدقة جارية”، وانما لأن ليس أمامها أي خيار آخر سوى أولاً اعادة تفعيل مشروع عروبي حداثي نهضوي لإنقاذ ما يُمكن انقاذه، وثانيا حماية مصر نفسها، وثالثا التأسيس لمشروع يطرح بديلا مقبولا عند الشعوب العربية، ذلك ان فراغ الساحة من أي مشروع يفتح الأبواب على كل المشاريع الاخرى.

لكن كيف سيخدم ذلك فلسطين ويحد من تمدد اسرائيل؟

يبدو ان الدبلوماسية المصرية التي تخلّت عن فكرة الصراع العربي المسلح مع اسرائيل منذ نصف قرن، تُدرك ان الديموغرافيا وثبات أهل فلسطين ووحدتهم وانبعاث مشروع عربي، امور تحدد حتمية المستقبل.

هل نتذكر أن مصر تنجب مليوناً كل تسعة أشهر، أي أنها تنجب بلداً سنوياً بمعايير الديموغرافيا العربية؟

Scroll Up