خلال سنوات عاصفة عاشتها البلاد، وصلت خلالها التيارات المتطرفة إلى أوج مجدها ، حاول المتطرفون الترويج للإسلام في نسخته كما يعرفونها، تلك النسخة التي –وفقًا لهم- لا تؤيد النساء وتطمس حقوقهن من جهة، ومن جهة أخرى تُعادي الوطن ولا تعترف بالوطنية ولا تُدين بالانتماء إلى الأرض ولا حتى تدعو للحفاظ عليها.

نعرف للداعية الراحلة عبلة الكحلاوي دورًا بارزًا، وأداءً مشهودًا، برعت من خلالها في تحطيم الصورة الأيقونية للمرأة المسلمة ودورها في الحياة ودعم العنف والتطرف، وفقًا للنموذج الذي لطالما طرحته ورعته جماعة الإخوان المسلمين المحظورة عبر نموذج زينب الغزالي.

ومن جهة أخرى، ضربت الكحلاوي مثالاً مشهودًا على كيف ينبغي للداعية الإسلامي الحق أن يعترف بالوطنية وروح الانتماء، باعتبارها روحا لا تتعارض مع روح الإسلام الحق القويم، بل بالعكس إنها تأتي كجزء لا يتجزأ منه.

عبلة الكحلاوي.. مسيرة دعوية مشهودة

في كثير من الأحيان، لا يعكس المظهر حقيقة ما يحمله البشر في سرائرهم. ولكن هذا لا يعني أن حقيقة الروح تجلو على وجه صاحبها كلما تطرف المرء بين قيمتين، أحدهما تصل إلى قمة “الفظاظة والشرور”، والأخرى تصل إلى قمة “التسامح والإيمان”.

وفي حالة الداعية عبلة الكحلاوي رحمها الله، يبدو بوضوح أن هناك طاقة من النور كانت تُطل عبر وجهها كلما ظهرت عبر الشاشات. ربما لهذا السبب جذبت العديد من المتابعين، وأحبها الناس من بلدان مختلفة، وهوت اليها القلوب بغض النظر عما يفصلهم من اختلافات.

وعاشت الكحلاوي حياة مديدة بذلت من خلالها كثيرا من الجهود للتقرب إلى الله، ومساعدة الناس في إظهار النسخة الأفضل عن أنفسهن، ونشرت روح المحبة فيما بينهم.

فقد ولدت عبلة محمد الكحلاوي بتاريخ 15 ديسمبر 1948. والتحقت بكلية الدراسات الإسلامية، جامعة الأزهر نزولاً عند رغبة والدها، الفنان محمد الكحلاوي رحمه الله، الذي اعتزل الغناء العاطفي واتجه للإنشاد الديني والتواشيح.

وتخصصت بعد ذلك في الشريعة الإسلامية، حيث حصلت على الماجستير عام 1974 في الفقه المقارن، ثم على الدكتوراه عام 1978 في التخصص ذاته.  ثم تنقلت بعد ذلك وشغلت أكثر من موقع في مجال التدريس الجامعي. حيث شغلت الكحلاوي، منصب أستاذة للفقه في كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر. كما عملت كعضو هيئة تدريس في كلية التربية للبنات في الرياض، ثم تولت رئاسة القسم ذاته فيما بعد ذلك.

وعند هذه النقطة، ومن أعلى منابر الجامعة في السعودية، انطلقت عبلة الكحلاوي في رحلتها نحو فتح الأبواب على مصراعيها أمام الفتيات للتوغل في العلوم الإسلامية، حيث ساعدتهن في وضع أيديهن على أمهات الكتب، ومخازن علوم الشريعة.

ثم ولت الكحلاوي بعد ذلك وجهها، صوب الكعبة المُشرفة، وبدأت في إلقاء دروس يومية للنساء بعد صلاة المغرب، وداومت على هذه الدروس في خلال الفترة ما بين عام 1987 إلى 1989، كانت تستقبل من خلالها المُسلمات القادمات من جميع أنحاء العالم، وعكفت من خلال ذلك على نشر مفاهيم الدين الإسلامي القويم باعتباره دين المحبة وروح الإنسانية.

لم تنقطع صلة الكحلاوي بالدروس الدينية للنساء بعد عودتها مرة أخرى إلى القاهرة، إذ أنها بدأت في إلقاء دروسً يومية للسيدات في مسجد عائلتها “الكحلاوي”، في البساتين. وأولت أهمية قصوى في هذه المحاضرات على إبراز الجوانب الحضارية للإسلام إلى جانب شرح النصوص الدينية والإجابة على التساؤلات الفقهية.

وانتقلت بعد ذلك إلى منح دروس دينية في مسجد الحصري بمحافظة السادس من أكتوبر، بناءً على طلب من السيدة ياسمين الخيام، والتي ترتب عليها أن لعبت الكحلاوي دورًا كبيرًا في وعظ عدد كبير من السيدات كان من بينهم فنانات شهيرات أعلن اعتزالهن وتوبتهن، ومن ضمنهم الفنانة نورا، وشهيرة.  ولم تقتصر مسيرتها الدعوية على هذا الحد، إذ أنها كُلفت بإلقاء دروس دينية الجامع الأزهر كما كان لها درس أسبوعي في بيت الحمد مسجد المقطم أيضًا.
ومشوارها في بسط الحُب والدعوى الى الله، لم يقتصر على الدعوى اللفظية فقط، ولا على التوجيه والوعظ والإرشاد فقط، لكنه امتد ليشتمل على أفعال خيرية حقيقية على الأرض لامست من خلالهم الكحلاوي حياة الكثيرين من المساكين وقدمت إليهم المساعدات التي غيرت حياتهم تمامًا.

ويأتي على رأس هذه الأفعال، تأسيسها لجمعية للأعمال الخيرية تحمل اسم “الباقيات الصالحات” في عام 2010، وكان مقر هذه الجمعية في حي المقطم. وعكفت الكحلاوي من خلال هذه الجمعية، على رعاية الأطفال الأيتام، وتقديم الدعم لمرضى السرطان، وكبار السن من مرضى الزهايمر. بالإضافة الى ضلوعها في إنشاء مجمع الباقيات الصالحات للأعمال الخيرية في المقطم، والذي وافتها المنية قبل أن تنتهي من إنشاؤه.

أثرت المكتبة الإسلامية بعددً من المؤلفات، على غرار؛ “المرأة بين طهارة الباطن والظاهر-دراسة مقارنة 1996″، و “بنوك اللبن 1998″، و”التحريم المتعلق بالدم 2003″، و”مسافر بلا طريق 2003″، و”قضايا المرأة في الحج والعمرة 2005″، و”البنوة والأبوة في ضوء القرآن الكريم والسنة 2005″، “أحبوه كما أحبكم 2011″، و”قلبي معكم 2011”.

وتميزت الكحلاوي بأسلوبها اللين وإلقائها ذي الطابع الرقيق، الذي أسهم بشكل كبير في إضفاء نوع من الراحة في نفوس كل متابعيها. بحيث قدمت الكحلاوي، خلال مسيرتها عددًا من البرامج التلفزيونية، حيث أطلت الكحلاوي خلال مسيرتها عبر شاشات قنوات دينية متعددة، مثل قناة “اقرأ”، وقناة “الناس”، وقناة الرسالة”.

وقدمت عددًا من البرامج من ضمنها، “في حب المصطفى”، و”اللهم تقبل”، و”مودة ورحمة”، و”فقه المغتربون”. وكان آخر هذه البرامج هو برنامج يحمل عنوان “الباقيات الصالحات”، كانت قد استمرت في تقديمه حتى لحظة وفاتها، ولكن عبر صفحتها على موقع فيس بوك نظرًا لعدم قدرتها على الحركة كما اعتادت من قبل.

محطات من حياتها العائلية

قدمت الكحلاوي الكثير الى الوطن، إما من خلال مشوارها في الدعوى الى بذل المزيد في سبيل نشر الخير وتذكية روح الإسلام القويم التي تنأى بالمرء عن التطرف والقسوة وبشاعتها، أو من خلال التضحية الفعلية التي بذلتها أسرتها أولاً وأخيرًا باعتبارها زوجة من زوجات شهداء حرب أكتوبر المجيدة. فقد كانت الراحلة زوجة للواء مهندس محمد ياسين بسيوني، الذي ترك أثرًا كبيرًا في مجرى الحرب بعد أن كان من ضمن الخمس مهندسين اللذين سافروا إلى ألمانيا لإحضار المواسير اللازمة لتفجير خط بارليف بشكل سري، ثم ساهم في تدميره بعد ذلك مما أدى الى تحقيق النصر العظيم. وشاءت الأقدار أن يستشهد زوجها في الحرب، بعد أن ترك خلفه 3 فتيات، تُدعى “مروة، ورودينا، وهايدي”،

وصدمة مفزعة كان لها بالغ الأثر على نفوسهن جميعًا

وارتبطت الكحلاوي بزوجها ارتباطًا وثيقًا، حيث تزوجت منه في سِن مبكر، ومن أبرز أقوالها عنه، أن وصفته بأنه كان أعظم رجل رأته في حياتها. حيث قالت، “كان هدية من الله وعشت معه واحدًا وعشرون عامًا، لا أبالغ إن وصفتها بأنني كنت أعيش في الجنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فكان رجلاً حنونًا، وكريمًا، وعطوفًا، على كل خلق الله وليس أسرته فقط”. ووفقًا لما قالته الراحلة بنفسها عن زوجها، فإنه قدم لها مساعدات كبيرة، وكان له بالغ الأثر في استكمال مسيرتها التعليمية حتى حصولها على درجتي الماجيستير والدكتوراه، وما تلي ذلك من مناصب تدرجت فيهم الراحلة. وذكرت الراحلة كذلك، عن زوجها، أنها اعتادت رؤيته في أحلامها بعد وفاته، ينعم في منزلة الشهداء والأبرار.

ولطالما ذكرت الكحلاوي أن وفاة زوجها تركت في نفسها عظيم الأثر، وتسببت لها بصدمة كبيرة. ولكن خلال حياتها، لم تعاصر الكحلاوي هذه الصدمة فحسب، فقد تكرر الأمر بلحظة وفاة والدتها في عام 2011. عندما قالت الكحلاوي أنها خسرت فيها المرأة التي كانت تعينها على تحمل مشقات الحياة، وتساعدها على الصبر وتحمل الابتلاءات التي اعتادت التعرض لها باستمرار، مشيرة إلى أن والدتها رحلت في عام 2011 بسبب حزنها الشديد على ما آلت إليه البلاد من أحوال في أعقاب أحداث 2011.

الكحلاوي والغزالي.. “العنف والتطرف” بين منظورين


بالنسبة للجماعات المتطرفة، المرأة منبوذة ودورها يقتصر على التكاثر ورعاية الأبناء في سبيل إنجاب المزيد من الجهاديين. ولكن هذه الأدوار يشذ عنها في كياناتهم شخصيات نسائية برزت أسمائها لما عُرف عنها من ضلوعها في تنفيذ العمليات الإرهابية من جهة، وفي نشر فكر العنف وتدريب بقية النساء عليه وعلى تقبله من جهة أخرى على غرار نموذج زينب الغزالي، التي عشقتها الجماعة ومنحتها مكانة كبيرة أملاً في إنتاج المزيد من النساء يحذون حذوها ويسيرون على نفس المنوال.

وبينما تنازلت الغزالي عن مكانتها المُكرمة في الدين والدنيا كامرأة حُرة لها مطلق الإرادة، ونصبت نفسها جارية وحملت السلاح في سبيل سفك دماء الأبرياء. برزت الكحلاوي من جهة أخرى، كنموذج نسائي إسلامي قويم ومضاد. واشتهرت دعواها للإسلام للتأكيد في كل مرة على نبذ العنف والتطرف وتذكية روح السلام والتمسك بالأخلاق الكريمة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المقام الأول.

وفي هذا السياق، كان للكحلاوي مواقف مشهودة تسببت في تحويلها الى أيقونة سلام ومحبة ترغب الجماعات المتطرفة في تحطيمها حتى يتسنى لها نشر الكراهية والعنف بالمعنى الذي تعرفه هي عن الإسلام. من ضمنها أن حذرت الكحلاوي في 2012 من انهيار مصر ودخولها في أزمات خانقة، بالتزامن مع انهيار الأمن والسياحة والاقتصاد.

وقالت في حديث لها، نشرته وقتها صحيفة “الإمارات اليوم“، إن مصر بحاجة إلى ثورة على العنف والفوضى والانقسامات، التي تضر بالاقتصاد وبحاضر شعبها ومستقبله. ودعت الكحلاوي في حديثها، إلى موجة ثانية من الثورة، تقوم على نشر الحب والتوافق، بدلا من الكراهية، التي حولت البلاد إلى فرق مختلفة تعطل مصالح الشعب.

كما أشارت الكحلاوي بوقتها، إلى أن ثوار مصر قدموا صورة جميلة وابهروا العالم عندما كانوا يعكفون على غسيل ميدان التحرير وتنظيفه. وأبدت شعورها بالأسف لأن الآلاف من المتظاهرين يخرجون الى الشوارع ويحتجون بشكل يومي، ويقومون بعقد الاعتصامات، مما يؤثر في عجلة الإنتاج ويدمر قيمة العمل.

وتابعت “إن هناك برنامجًا عبقريًا في مركز المعلومات بمجلس الوزراء، لإنهاء شكاوى المواطنين خلال شهر من تقديم الشكوى، وهو أفضل من فكرة ديوان المظالم”. وشجعت الناس على استخدام هذه الآلية بدلاً من اللجوء الى التظاهر والاحتجاج، حيث أكدت الكحلاوي مرارًا وتكرارًا على رفضها للمظاهرات الفئوية. وحذرت الكحلاوي من الأجندات الخارجية، وقالت إن مصر مستهدفة من أعداء الأمة، وأن هناك أيادي تسعى لإسقاطها. وطالبت الجميع باستيعاب هذه الحقائق، وعلقت على ما كان يدور في البلاد من أحداث وقتها، “إننا بحاجة إلى إعلاء قيمة الوفاء، التي ضاعت وسط الحماسة الثورية، وإنكار تجارب الماضي، حتى وصل الأمر بالبعض الى المطالبة بإلغاء ثورة 23 يوليو 1952”.

وفي موقف آخر، دعت الكحلاوي المعتصمين في ميدان رابعة العدوية، من جماعة الإخوان المسلمون المحظورة خلال عام 2013، إلى مغادرة الميدان. وبسبب هذا الموقف، تعرضت لانتقادات حادة من قِبَلهم وكالوا إليها الاتهامات، وبادروها بروح العداء التي لم تنته مع مرور السنوات، وكان آخرها أن عكف أعضاء الجماعة المحظورة في العام الماضي على نشر الشائعات حول وفاتها من وقت لآخر بهدف توجيه ضربات قاسمة الى جمعيتها الخيرية.

لحظة وفاتها.. العالم العربي يودع عبلة الكحلاوي

رحلت الدكتورة عبلة الكحلاوي عن عالمنا، مساء الأحد 25 يناير، عن عمر يناهز 72 عامًا، متأثرة بإصاباتها بفيروس كورونا. حيث أصيبت الداعية بوعكة صحية شديدة نقلت على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج. وفور وفاتها، قام سياسيون ورجال دين وشخصيات عامة ومشاهير بنعي الراحلة.

ونعت السيدة انتصار السيسي، الدكتورة عبلة الكحلاوي، ونشرت عبر صفحتها على موقع فيس بوك رسالة قالت من خلالها “ودّعت مصر نموذجًا مشرفًا وعظيمًا للمرأة المصرية المخلصة لدينها ووطنها وهي الدكتورة الفقيهة عبلة الكحلاوي التي وافتها المنية بعد رحلة عطاء.. ومسيرة إنسانية مشرفة في طريق الخير والدعوة.. رحم الله الدكتورة عبلة الكحلاوي، وألهم أهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان”.

فيما نعى فضيلة الأمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الراحلة، وقال في بيان نشرته صفحته الرسمية عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، “رحم الله الدكتورة عبلة الكحلاوي، كانت نموذجًا للمرأة الصالحة لدينها ومجتمعها، سلكت طريق الدعوة إلى الله، فأَلِفَتها القلوب، وأنارت بعلمها العقول، وجعلها الله عونًا لمساعدة الفقراء والأيتام، فاللهم تغمدها بواسع رحمتك ومغفرتك، واجعل علمها وعملها شفيعًا لها، إنا لله وإنا إليه راجعون”.

وبدورها قالت دار الإفتاء المصرية عبر “فيس بوك”، حيث نشرت ” ننعي بقلب راضٍ بقضاء الله وقدره الدكتورة عبلة الكحلاوي، فهي رحمها الله كانت من العالمات العاملات فقد جمعت بين علوم الشريعة علمًا وتعليمًا، وبين العمل الخيري حيث أسست واحدة من أكبر الجمعيات الخيرية في مصر التي تقوم بالكثير من أعمال الخير والبر، ونتوجه بخالص الدعاء إلى الله عز وجل أن يرحم الفقيدة ويشفع فيها علمها وأعمالها الصالحة وأن ينزلها منازل الأبرار، ويلهم أهلها ومحبيها الصبر والسلوان”.

ونشر عدد من الفنانين والشخصيات العامة والمشاهير نعيا للدكتورة عبلة الكحلاوي، أعربوا من خلاله عن بالغ الحزن والأسى لوفاة الفقيدة. وبهذه الطريقة تكون اختتمت الداعية الراحلة الدكتورة عبلة الكحلاوي حياة قضتها في نشر روح المحبة وفعل الخير.

Scroll Up