عرض – نرمين سعيد

تحت عنوان ما يجب فعله وما لا يجب فعله في الشرق الأوسط، نشر معهد أبحاث بروكينجز تقريرًا تحليليًا مفصلًا حول تحركات الإدارة الديمقراطية القادمة في الشرق الأوسط.

وفي التفاصيل، أن الولايات المتحدة وعلى مدى عقد من الزمان سعت لإنهاء حروبها الأبدية في العراق وأفغانستان والتخفيض من أعداد قواتها في الشرق الأوسط في الوقت الذي وجهت فيه أنظارها إلى آسيا ومحاولة زيادة الاستثمارات فيها.

خصوصًا في الوقت الذي يوجد فيه اتجاه عالمي يوجه أنظاره نحو آسيا في الوقت الذي لا زالت واشنطن فيه تعاني مما أقحمت نفسها فيه في الشرق الأوسط ولذلك فإن التحدي الذي يواجه الإدارة الديمقراطية الحالية يختص بإعادة العمل على مصالح الولايات المتحدة في آسيا وينبغي على إدارة بايدن أن لا تضيع الفرصة.

الشركاء في منطقة الخليج العربي يواجهون تراجعات في اقتصاداتهم بعد الركود العالمي وانخفاض أسعار الطاقة الذي صاحب تفشي فيروس كورونا، ولذلك لديهم نزعة أكبر لحلحلة حالة الحروب في المنطقة لأن الاقتصادات لم تعد تحتمل.

وفقًا لذلك فإنه بعد انحسار وباء كورونا تميل كفة الميزان لصالح الجمهورية الإسلامية ومن هنا يجب على فريق بايدن أن يضع جانبًا سياسات الضغط الأقصى التي اتبعتها إدارة ترامب لأنها كانت غير مثمرة وذلك لصالح المزيد من التعاون الاستخباراتي والدبلوماسي وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية إضافة للعسكرية وهي الوسائل التي قد تمكن من ردع إيران وتعطيل نشاطها التخريبي في المنطقة مع تحفيز طهران على العودة لمائدة المفاوضات. وإلى جانب ذلك فإن على البنتاجون إجراء مراجعة صفرية لتواجد قواته في منطقة الخليج العربي لضمان الكفاءة والفعالية في أداء المهام الأساسية هناك.

كما أنه على واشنطن أن تعتمد بشكل أكبر على ما مثل تاريخيًا أحد أكثر أدواتها فعالية في الشرق الأوسط وهي الأداة الدبلوماسية، وخاصة فيما يتعلق بالاتجاهات في حل النزاعات.

ففي اليمن وليبيا على سبيل المثال قد تكون هناك فرصة سانحة لسحب القوى الإقليمية المتنازعة من هناك ثم التفاوض مع حكومات تقاسم السلطة التي من شأنها تعزيز الاستقرار والحد من حرية تحرك وعمل الجماعات الإرهابية.

على جانب آخر فإنه لا ينبغي أن تسمح إدارة بايدن للإسرائيليين والفلسطينيين بالاستمرار في نزاعهم طويل الأمد وعوضًا عن ذلك ينبغي أن تعمل الإدارة الأمريكية على إعادة الأطراف لمائدة المفاوضات مع الإصرار على نبذ الإجراءات الأحادية المزعزعة للاستقرار والعمل على تحسين مناخ الحرية والأمن لأولئك الذين يعيشون ضمن هذا الصراع في كل يوم.

وأخيرًا يجب على إدارة بايدن أن تضع حدودًا واضحة للعلاقات التي كانت غير متوازنة بسبب سياسات ترامب الأحادية المتهورة  خصوصًا أنه لدى كل من إسرائيل والسعودية والإمارات علامات استفهام حول مدى متانة الالتزامات الأمريكية الأمنية تجاه جيرانهم. ولذلك يفضل الأطراف الثلاثة إبقاء واشنطن منخرطة عن كثب.

وفي هذا الصدد يمكن للولايات المتحدة أن تخفض من حالة التصعيد مع إيران  عن طريق إشراك هذه الدول الذين يعدون شركاء أساسيين للولايات المتحدة وإطلاهم على النقاط التي تحدد بداية ونهاية المصالح الأمريكية. بحيث لا يكون هناك تضارب بين مصالح الشركاء الرئيسيين وبين مصالح الولايات المتحدة وبحيث يعكس التواصل الصادق والحدود الواضحة حالة من الاحترام المتبادل لمصالح جميع الأطراف.

وقبل عامين جادل كاتب التقرير مع أحد زملائه في معهد بروكنجر بأن الوقت قد حان للولايات المتحدة لإنهاء فترة طويلة من لعب الدور التطهيري في الشرق الأوسط، من خلال التوجه لاتخاذ قدر أقل من القرارات في تلك المنطقة مع الوضع بالاعتبار المخاطر والعقبات التي قد تتم مواجهتها.

بمعنى آخر فإنه بينما تحتفظ الولايات المتحدة بمصالحها في الشرق الأوسط فإنها لا تزال تحتل الأولوية في استراتيجياتها العالمية حتى في الوقت الذي تم فيه زعزعة استقرار المنطقة من الداخل وأصبح الشركاء الأساسيين أقل ميلًا للانضمام لتفضيلات الولايات المتحدة . ولذلك فإنه من غير المرجح أن يؤدي المزيد من الاستثمار في تلك المنطقة إلى تحسين الأوضاع أو حتى إلى تهدئتها.

عوضًا عن ذلك تم التوصل إلى أنه على الولايات المتحدة العمل على محاولة تقليل مصالحها الإقليمية للتوافق مع مصالحها الأساسية وبما يتيح لها العمل في القطاعين بشكل مريح. وهو ما تم الترحيب به من قبل بعض الأطراف في الوقت الذي رفضته فيه أطراف أخرى.

ولكن التطورات الدراماتيكية التي شهدها عام 2020 تشير بقوة إلى تكاليف بقاء الولايات المتحدة متورطة في الشرق الأوسط فضلًا عن الأخطار الناجمة عن خطورة إرث سياسات ترامب في المنطقة أو ما يوصف بالتوأمة لسياسات ترامب في الشرق الأوسط والتي تضمنت فرض الضغط الأقصى على إيران مع ترك هامش حرية لا حدود له لشركاء الولايات المتحدة التقليديين بغض النظر عن عواقب ذلك على المصالح الأمريكية.

التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة هو الكيفية التي يمكنها بها حماية مصالحها المتبقية والتي لا تزال مهمة على أي حال في منطقة الشرق الأوسط في خصوصًا في عصر التقشف والمنافسة الشرسة على السلطة.

كما أنه على إدارة بايدن القادمة أن تدرك أنه قد فات الوقت لما يعرف بصياغة استراتيجية جديدة للشرق الأوسط خصوصًا أنه ومع انحسار الوباء سوف تبدو المنطقة مختلفة إلى حد ما ووسط تغير هذا المشهد سيكون هناك أمام الولايات المتحدة فرص إلى جانب وجود تحديات.

والخيارات التي يمكن القول أنها مطروحة أمام بادين ليست خالية التكلفة وفي هذا الإطار فإن هذه الورقة ستقترح مسارًا للمضي قدمًا يحدد أولويات واضحة ويعالج العلاقات الرئيسية.

حدود السياسات التاريخية والقائمة

جعلت الأزمتان التوأم في 2020 “وهما تفشي وباء كوفيد 19 والانهيار في أسعار النفط عالميًا ” دول الخليج في مواجهة انخفاض كبير في مقدار الثروة مع عدم وجود القدر الكافي من السيولة لدعم الاقتصادات المحبطة لتلك الدول. ناهيك عن تراجع إمكانية دعم برامج الإصلاح الطموحة ومشاريع التنمية الضخمة. كما أنه من المرجح أن تؤدي حالة الفقر النسبي لدول الخليج إلى تراجعهم عن ممارسة دورهم في المنطقة بشكل فعال.

حيث أنه من المعروف أنه لطالما كانت الأداة الأساسية لدول الخليج العربي في المنافسة الجيوسياسية الإقليمية هي ” قوة المال”.

والآن وبعد الوباء يبرز أمام دول الخليج اختيار صعب حيث  يتعين عليهم إنفاق الأموال لمقاومة النفوذ الإيراني في العراق ولبنان ،إضافة إلى حماية مصالحهم الأساسية فيما يتعلق بمطالب إقرار حالة السلم في اليمن. وللأسف فإن الأحلام التي راودت بعضهم في وقت من الأوقات بخصوص القضاء على الأعداء الأيديولوجيين وإعادة تشكيل المنطقة بما يتلاءم مع طموحاتهم ينبغي أن يتم وضعها على الرف ولو مؤقتًا.

ولكن على أي حال فإن خسارة ثقل الخليج سيعيق أية جهود تقودها الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، كما أن الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من أوضاع صعبة في ظل جائحة كورونا سيكون من الصعب عليه استثمار حتى ولو أموال قليلة لمساعدة أي من الدول ذات الاقتصادات الضعيفة في الشرق الأوسط. ولذلك فإنه من المتوقع أن تميل الكفة الجيوسياسية لصالح إيران فيما بعد الجائحة.

مع الوضع بالاعتبار أن إيران قد اعتادت على أن تنجو دون الاعتماد على عوائد النفط بعد أن أقدمت الولايات المتحدة على تصفير عائداتها، فهي تمارس نفس التأثير الإقليمي بتكلفة رخيصة ولا يخفى أن الحرس الثوري الإيراني وهو الراعي الرئيسي لوكلاء إيران الإقليميين يكسب أمواله من عمليات التهريب بعد أن تم فرض العقوبات على القطاعات الاقتصادية الرئيسية في البلاد.

ولذلك فإنه بعد انتهاء الأزمة من المحتمل أن نجد استقرارًا للنفوذ الإيراني في دول مثل العراق وسوريا ولبنان وسط تراجع نفوذ دول الخليج.

تجاوز الحد الأقصى للضغط

هذا الاتجاه يخص النفوذ الإيراني ، ويتعلق بمراجعة نهج إدارة ترامب غير المثمر للجمهورية الإسلامية، فقد حول ترامب العلاقات مع الجانب طهران إلى إجراءات عقابية في معظمها في الوقت الذي لم يحدد فيه المطالب الأساسية أو ما هو ترتيبها من حيث الأولويات وأخذ في التأرجح بين المساعي الدبلوماسية الخرقاء مع المرشد الأعلى والتصعيد العسكري في منطقة الخليج الفارسي.

على جانب آخر فإن اغتيال الجنرال في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني خلص العالم من ” قاتل” وهذا صحيح لكنه لم يلغ بحال من الأحوال أدوات القتل التي استخدمها سليماني كما أنه لم يمثل أداة للردع. ولكن ادعاءات الولايات المتحدة التي كانت عكس ذلك كادت لتودي بواشنطن في حرب جديدة في الشرق الأوسط.

لأنه قبل عام فقط أصيب العشرات من القوات الأمريكية جراء الانتقام الإيراني بضرب أحد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وهو الانتقام الذي شمل أيضًا إسقاط طائرة ركاب مدنية لقي فيها 176 شخصً حتفهم. كما أن القوات الأمريكية المتمركزة في العراق وحلفائها هناك لا يزالوا يواجهون هجمات متكررة من كتائب حزب الله المرتبطة بإيران.

 وقد كانت النتائج المباشرة لحملة الضغط التي الأقصى التي طبقتها إدارة ترامب على إيران هو العزلة الاختيارية لواشنطن في مقابل زيادة نفوذ إيران الإقليمي وطموحها النووي . كما أن هناك ضغوطات تمارسها إيران على الوجود الأمريكي في العراق علاوة على التحديات المستمرة للأمن البحري والبنية التحتية لاقتصاد الطاقة في الخليج كما أننا أمام حقيقة وهي أن إيران أقرب إلى امتلاك سلاح نووي من أي وقت مضى بعد الوصول إلى تخصيب اليورانيوم لمستويات قياسية غير مسبوقة.

إن الشرق الأوسط الذي تتمتع فيه إيران بميزة نسبية فيما بعد الجائحة يجعل من تحديد الموقف وحجم الوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة ذو أهمية كبيرة، خصوصًا أن السياسة الردعية التي انتهجتها الولايات المتحدة طوال فترة عقدين من الزمان لمواجهة الإرهاب لم تكن بنفس التأثير الذي استطاعت الولايات المتحدة أن تعتمد فيه على نهج متعدد الأوجه باستخدام العقوبات والمعلومات الاستخباراتية لفضح السلوك الإيراني السيئ ووقفه وتوظيف الضغط متعدد الأوراق والتلويح باستخدام القوة عند الضرورة.

من ناحية أخرى فإن حزمة سياسية فعالة لاحتواء التهديدات التي تشكلها إيران على الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمريكية ستوفر أيضًا خيارًا دبلوماسيًا أمام إيران للتخفيف من هذه السلوكيات والتخلي عنها في نهاية المطاف لصالح الانخراط في المجتمع الدولي. والأهم من هذا كله أنه لن يتم الاعتماد على الجيش بشكل كبير في هذه الحزمة السياسية. وكل هذا يتطلب تنسيقًا مع الشركاء الإقليميين والدوليين وهي ميزة كانت غائبة طوال فترة أربع سنوات حكم فيها ترامب ومارس فيها السياسات الأحادية.

تحديد حجم الوجود العسكري

عموماً يجب أن تكون الأولويات العسكرية الأمريكية مدفوعة بالأهداف والمصالح الاستراتيجية لواشنطن، وهو ما أشار إليه ” جيمس أندرسون ” المسؤول البارز في البنتاجون أمام الكونجرس في يونيو الماضي.

حين قال أن على الأمريكيين أن يضمنوا أن المنطقة ” الشرق الأوسط” لن تصبح ملاذًا آمنًا للإرهابيين كما أنه لا تهيمن عليها أية قوى معادية للولايات المتحدة الأمريكية، مما يسهم في النهاية في استقرار سوق الطاقة العالمي”.

وفي ضوء ما تقدم تصبح أهداف الاشتباك العسكري الأمريكي أكثر وضوحًا وهي هزيمة داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية الأخرى وحرمانهم من الوصول إلى أية ملاذات آمنة، إضافة إلى منع إيران من الحصول على سلاح نووي ومنع تعطيل تدفق الطاقة.

وحسب توصية دانييل بيانييم وجيك سوليفان فإن أفضل الطرق لتحقيق هذه الأهداف بأسلوب مستدام هو إحضار الجهات الفاعلة إقليميًا إلى حوار أمني إقليمي وتذكيرهم بالنتائج الإيجابية مع الوضع بالاعتبار أن أفضل نتائج حققتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدار التاريخ في الشرق الأوسط كان بتوظيف الأدوات الدبلوماسية. ولكن سيعتمد نجاح هذه الأداة على رغبة الإدارات الإقليمية الفاعلة في وقف المواجهات وبناء آليات للحوار بدلًا من النزاع.

وأشار التقرير إلى تأخر القيادة المركزية الأمريكية كثيرًا عن موعد إجراء مراجعة صفرية لوضعها وأفرادها، وإن تقليص القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق سيخلق فرصًا لتقليل التواجد العسكري في الخليج المرتبط بهذه العمليات، وأنه من المرجح بشكل متزايد خفض ميزانية الدفاع بالتزامن مع تسجيل العجز الفيدرالي عند الإغلاق 1.5 تريليون دولار، وذلك في إطار التذكير بأنه لا حاجة إلى قدرات بحرية وجوية إضافية في منطقة لديها بالفعل قدر كبير من كليهما، وبالتالي يبرز التساؤل حول سبب عدم إمكانية استمرار الاحتفاظ بمجموعتين هجوميتين في الشرق الأوسط.

وأشار التقرير أنه يجب على الجيش الأمريكي اتخاذ القرارات بشأن الموقف العسكري في المنطقة وفقاً لإجراءات عملية وواقعية تتفق وأولويات الولايات المتحدة وأهدافها وليس كرد فعل مخصص للأزمات أو تهدئة الشركاء غير الآمنين، وأنه قد لا تؤدي المراجعة العالمية الجارية الآن في وزارة الدفاع إلى مزيج أصغر ومختلف من القدرات العسكرية والأفراد والمقرات العسكرية في الشرق الأوسط، بل ستكون قد فشلت في مواءمة أولويات الولايات المتحدة بشكل هادف، وأنه يحتاج البنتاغون أيضًا إلى طريقة أكثر رسمية لقياس تأثير قرارات الموقف الإقليمي على الردع، بدلاً من النظر إلى الموقف الحالي باعتبار الأمر مجرد زيادة في التكلفة.

تحتاج أمريكا إلى حل النزاعات في الوقت الذي تعمل فيه على تقليل التركيز العسكري المكثف لسياستها الإقليمية، مما يجعلها بحاجة إلى تعزيز دبلوماسيتها لقمع الصراعات الإقليمية الأخرى التي تمنح فرصاً إضافية للمنافسين التقليدين في المنطقة مثل إيران وروسيا لتنمية نفوذهم.

تصحيح مسار العلاقات غير المتوازنة

إن إقناع الشركاء الإقليميين بالانسحاب من مغامراتهم الإقليمية هو جزء أوسع من إعادة تعيين الأوضاع الحالية، وعلى مدى العقد الماضي شهد الشرق الأوسط موجة من التحولات التاريخية بعد تآكل العقود الاجتماعية وضعف الخدمات الحكومية والقمع المستمر.

استطاعت الانتفاضات الشعبية تحدي هذا كله كما أطاحت بالدكتاتوريين ولكن في أعقاب هذه الانتفاضات نشبت حروب أهلية  في سوريا وليبيا واليمن، كما أن هذه الانتفاضات تركت زعماء المنطقة يركزون تفكيرهم وطموحهم بشكل كبير على كفاية حماية الأوضاع الأمنية في البلاد او بمعنى آخر أمن النظام مع توظيف بعض الإصلاحات وزيادة الإنفاق الحكومي مع زيادة القمع بشكل كبير لضمان البقاء في السلطة.

وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة وجدت نفسها على خلاف مع عدد من شركائها التقليديين في فترة حكم باراك أوباما ليس فقط فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان وإنما بسبب اختلافات حول الملف النووي الإيراني والتعامل مع خطة العمل المشتركة.

واليوم يعد الشرق الأوسط ساحة منافسة جيوسياسية شرسة بين الكتل التي تقودها تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران، وقد استفادت قوى أخرى من الأوضاع مثل روسيا التي سعت لاستغلال ذلك لتقويض الهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط من خلال تحدي الشراكات الأمريكية.

وفي عهد ترامب انسحبت واشنطن من خطة العمل المشتركة كما اتخذت قرارات في الشأنين الإيراني والسوري جعلت شركائها الأمنيين يراجعون مستويات الثقة مع الشريك الأمريكي، وقد ساعد قلق هؤلاء الشركاء بالإضافة إلى الأسلحة المتطورة والسخية التي قدمتها إدارة ترامب لهم في تحفيز اتفاقية التطبيع بين الإمارات وإسرائيل.

ومما عزز من هذا القلق أيضًا هو إدراك الشركاء أن الولايات المتحدة تهدف إلى تخفيض تواجدها في الشرق الأوسط والانسحاب للمواجهة مع قوى آسيا العظمى ” الصين وروسيا”.

في السنوات الأربع الماضية ، تضمنت بعض الاستراتيجيات التي نشرها الشركاء الإقليميون التقليديون للولايات المتحدة الاستفادة من غرور ، والجهل ، والإهمال ، والفساد الذي يمارسه ترامب وكبار مستشاريه ، مما أدى إلى اندماج أصدقاء واشنطن الإقليميين. في السياسة الداخلية الأمريكية شديدة الاستقطاب ، على حساب التعاون الثنائي.

وجوهر المعضلة التي تواجهها واشنطن في الشرق الأوسط هو أنها لتخفيف تواجدها هناك فإنها تحتاج للاعتماد على جهود شركائها الإقليميين لحفظ الأمن والاستقرار في هذه المنطقة. وفي نفس الوقت فإن واشنطن لا تملك رؤية واضحة لكيفية عودة الاستقرار الإقليمي لتلك المنطقة وحتى لو قللت جائحة كوفيد 19 بعضًا من اتجاهات الجهات الفاعلة الإقليمية فإن الفجوات بين واشنطن وحلفائها في المنطقة لا تزال قائمة.

ولذلك يتطلب السير قدمًا في مسألة تحالفات واشنطن في الشرق الأوسط قدرًا أكبر من الصدق والوضوح مع الشركاء القدامى التقليديين للتغلب على حالة انعدام الثقة التي تراكمت على مدى العقد الماضي. وكما الحال داخل الأسر والعائلات تعتمد العلاقات الصحية على تواصل مفتوح وحدود قوية.

والعلاقات الإسرائيلية – الإماراتية دليل على ان أصدقاء أمريكا في المنطقة مستعدون للعمل بشكل وثيق وعلني ضد المخاطر الإيرانية، وبينما ينبغي على واشنطن أن تبني على هذا الأساس إلا أنه في نفس الوقت لا ينبغي لها أن تسمح لشركائها بانتهاك باقي القيم الأمريكية مثل تقييد حريات المواطنين أو القمع. وعن كثب ينبغي أن تراقب واشنطن مصير منظومات الأسلحة السخية التي تبيعها لشركائها لتضمن أن المنطقة لا تدخل في سباق تسلح كما تضمن أن هذه الأسلحة لا تستخدم لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

مع الوضع بالاعتبار أن امتلاك الإمارات لمنظومة إف 35 أثار بالفعل مطالب قطرية لتملك نفس المنظومة إضافة لحزمة تعويض كريمة لإسرائيل، كما أنه مع الدور الإماراتي المتنامي في ليبيا ينبغي وضع علامات استفهام حول الحكمة من بيعها طائرات بدون طيار.

توصيات سياسية ” ما لا يجب فعله”

في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تركيز مشاركتها الإقليمية الأكثر تواضعًا على المجالات التي يمكنها فيها إحداث فرق ذي مغزى ، يجب عليها أيضًا أن تعمل على تجنب إثارة الأزمات التي من شأنها أن تقلب الاستقرار الإقليمي وتتطلب مشاركة الولايات المتحدة للتخفيف.

وعلى وجه الخصوص ، يجب على واشنطن أن تتجنب حدوث اشتعال في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية. حيث أدى إعطاء ترامب الضوء الأخضر للضم الإسرائيلي ، وعزل القيادة الفلسطينية ، وقطع المساعدات الضرورية للصحة والرفاهية والاستقرار للفلسطينيين ، إلى نتائج عكسية للغاية.

إدارة ترامب بممارساتها قطعت أي أمل في حل النزاع ، ووضعت  شروطًا سلبية للاستجابة الوبائية والتعاون الأمني ​​وتعاقب القيادة وسط التقلبات في السياسة الإسرائيلية والفلسطينية.

علاوة على ذلك  يجب على الولايات المتحدة أن تقف بقوة في رفض تشجيع أو الاعتراف بأي ضم إسرائيلي للأراضي في الضفة الغربية ، ويجب أن تعمل على إعادة بناء علاقاتها مع الفلسطينيين واستئناف العمل الدؤوب المتمثل في إرساء قواعد أرضية جديدة  أساسها المفاوضات البناءة. لكن هذا العمل العاجل لا يعني أن القضية الإسرائيلية الفلسطينية يجب أن تكون مصدر قلق كبير للرئيس الجديد ، الذي ستكون أولى أولوياته حتمًا مواجهة الوباء المستمر.  ولذلك لا ينبغي تعيين مبعوث رفيع المستوى في عام 2021.

على صعيد آخر ، فإنه وعلى الرغم من قبضة إيران الثقيلة ، يجب على واشنطن ألا تبتعد تمامًا عن سوريا ولبنان. في حين أن كلاهما يعاني من خلل وظيفي عميق – تدخل الحرب السورية المروعة عقدها الثاني وتصل الأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان إلى الحضيض – في الوقت الذي لا يزال فه  تأثير التدخل الأمريكي محدودًا. قد يوفر الحفاظ على الوجود الصغير للقوات الأمريكية على الحدود السورية العراقية واستمرار العقوبات على كل من سوريا وإيران مزيدًا من النفوذ حيث يبدأ الرئيس السوري بشار الأسد بشكل أكثر جدية في البحث عن موارد لإعادة الإعمار .

مع الأخذ بالاعتبار  أن كلًا من  روسيا وإيران  تكافحان من أجل الهيمنة على نظام الأسد الضعيف ،  في الوقت الذي تعانيان فيه من قلة الموارد . أما  في لبنان ،  فقد تسبب انفجار بيروت المدمر في حدوث أزمة لا ينبغي لواشنطن أن تضيعها. من خلال العمل مع فرنسا وغيرها ، يجب على الولايات المتحدة حشد الدعم الاقتصادي المشروط بإصلاح سياسي واقتصادي ذي مغزى ، ودعم المجتمع المدني في لبنان ، ومواصلة الاستثمار في عمل الجيش ضد التهديدات المتفق عليها بشكل متبادل مثل داعش

كما يجب على واشنطن أن تتجنب النظر إلى دورها في الشرق الأوسط فقط من خلال عدسة التنافس  الجيوسياسي مع روسيا والصين ، وافتراض أن الحكومات الإقليمية ستختار جانبًا. خصوصًا أنه لا يزال لدى كلا البلدين علاقات  مستقرة إلى  حد كبير مع الجهات الفاعلة الإقليمية ، ويريد أصدقاء أمريكا التنويع  في مصادر اعتماداتهم مع الحفاظ على علاقاتهم الخاصة مع واشنطن.

ولكن في أعقاب أزمة COVID-19 ، قد تحد القيود المحلية  الصارمة  من المشاركة الروسية والصينية ، وبالتالي قد تكون موسكو وبكين أقل نشاطًا في تشكيل السياسة الإقليمية.

لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تراقب الأنشطة الصينية والروسية في المنطقة بحذر ،  مع التركيز على مراقبة  القواعد العسكرية الروسية التي تمكِّن بشكل متزايد من إبراز القوة الروسية  مع التركيز على مشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية .

وقد   أظهرت الصين حرصًا على العلاقات الاقتصادية في إسرائيل وفي جميع أنحاء العالم العربي ، لكنها لم تظهر أي رغبة في أن تكون وسيطًا قويًا أو تلوث يدها في حالة الخراب المعقدة للشؤون الإقليمية

 كما لا يزال تعاون الصين التكنولوجي مع إسرائيل ودول الخليج العربي مصدر قلق حقيقي ، لكن التركيز الاستراتيجي لبكين لا يزال يقتصر إلى حد كبير على القرن الأفريقي التي تعتبرها بكين منطقة التنافس الحقيقي لها .

الخلاصة

في منطقة حكمت فيها الولايات المتحدة لفترة طويلة على أنها مهيمنة ، فإن الواقع الذي  أضحى حقيقة في أواخر عام 2018 و المتمثل في انخفاض الأولوية ، والمصالح المتضائلة ، وتضاءل النفوذ  الأمريكي  هو أمر مؤلم بالنسبة للكثيرين في دوائر السياسة الأمريكية ويصعب تقبله.

 لكن التاريخ  يعطي دروس مفيدة حول  السياسة التي جلبت للولايات المتحدة أعظم مكاسب استراتيجية في هذه المنطقة. وقد  كانت الدبلوماسية الأمريكية هي تلك الأداة.

مع وجود COVID-19 ، من بين أمور أخرى ، بعد أن غيّر ديناميكيات الشرق الأوسط ، تتمتع الولايات المتحدة بفرص للتقدم نحو منطقة أكثر استقرارًا لا تتطلب التزامات باهظة الثمن أو طويلة الأجل. إن التركيز على تقييد المنافسة الجيوسياسية داخل المنطقة ، ومواجهة السلوك الإيراني بشكل أكثر فاعلية ، واستخدام الدبلوماسية لحل النزاعات حيثما كان ذلك ممكنًا ، من شأنه أن يمكّن واشنطن من بذل جهود أقل وعدم تهديد هيمنتها الإقليمية. ولا تزال هناك مخاطر وتحديات للمصالح الأمريكية ، والفيروس هو تذكير بمدى هشاشة الحكم والخدمات الاجتماعية في أجزاء كثيرة جدًا من الشرق الأوسط ، مما يشكل تحديًا طويل الأجل للاستقرار والأمن. ربما تكون الولايات المتحدة قد وجدت طريقًا للخروج من دور المطهر للشرق الأوسط، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان هذا الطريق يتجه صعودًا أو هبوطًا.

Scroll Up