عرض – نرمين سعيد

تحت عنوان ” أمريكا بحاجة لسياسة خارجية تجاه المسلمين يصيغها مسلمون” نشر معهد الشرق الأوسط تقريرًا للباحث محمد سليمان والمختص بشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا ضمن سلسلة تقارير تندرج تحت التحولات التي ستشهدها المنطقة مع وجود إدارة بايدن في السلطة.

وحسب التقرير فإن أمريكا لم تعد تعيش في حقبة ما بعد 11 سبتمبر حيث تبدو تهديدات الأمن القومي اليوم مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي واجهتها واشنطن من الجماعات الإرهابية   منذ ما يقرب من 20 عامًا.

وذكر التقرير أن واشنطن تأخرت كثيرًا في فتح صفحة جديدة مع المسلمين الذين يعيشون في الولايات المتحدة وحول العالم. والآن أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إدارة بايدن إلى سياسة خارجية شاملة تجاه العالم الإسلامي تعتمد على مواهب وخبرات الأمريكيين المسلمين، الذين هم في وضع أفضل اليوم ليمثلوا جسرًا موثوقًا به بين واشنطن وعواصم الدول الإسلامية.

وأفاد التقرير أن “الرئيس جو بايدن ورث اليوم نظامًا مختلفًا بشكل كلي عن النظام الذي تركه في عام 2017 حيث إن صعود الصين يعيد تشكيل ديناميكيات القوة داخل المجتمع الدولي، في الوقت الذي يبتعد فيه الأوروبيون عن واشنطن كما أن حلفاء إقليميين مثل تركيا وباكستان يقومون بالابتعاد تدريجيًا عن تحالفاتهم التقليدية ولديهم القدرة على قلب التوازنات في أي وقت.

وأضاف التقرير أنه علاوة على ذلك فإن المرشحين اليوم للقطاعات المختلفة في إدارة بايدن جميع التحديات التي تواجه الولايات المتحدة اليوم، ويتمحور تفكير المرشحين مثل وزير الخارجية أنطوني بلينكن وسفيرة الأمم المتحدة ليندا توماس حول استعادة الثقة في دور الولايات المتحدة وإعادة تنشيط العلاقات عبر الأطلنطي. وكذلك الحفاظ على نظام منع الانتشار النووي وحشد الدول الديمقراطية ضد الممارسات الصينية.

وتابع التقرير قائلا: “ومع ذلك فإنه على إدارة بايدن الديمقراطية أن تعمل على تطوير خطاب للدول الإسلامية بحيث يكون هناك نوع من الإشراك والدمج لهم ويبدأ ذلك بالطبع عن طريق تمكين المسلمين المتواجدين في الإدارة الأمريكية من العمل على صياغة وتشكيل سياسات الولايات المتحدة الخارجية”.

وأردف بالقول :”وإذا قام بايدن بعمل ذلك فسيكون هناك تداعيات عظيمة خصوصًا أنه بدأ بداية صحيحة عندما قام برفع الحظر عن سفر المسلمين في أول يوم له كرئيس لأمريكا مما يعد بداية جيدة لإدارته مع الإسلام والمسلمين”.

وأضاف المركز البحثي أنه مع  الأخذ بالاعتبار وجود ما يقرب من ملياري مسلم منتشرين في 50 دولة ذات أغلبية مسلمة ، وجميع هذه الدول تضم  ينتمي لها أعداد من مسلمي المهجر  ، فإن العالم الإسلامي مرتبط ارتباط وثيق بالخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأمريكية.

وحتى خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، في بلدان ومناطق متنوعة مثل الصين ” مناطق الإيجور” والهند في ” جامو وكشمير”  وميانمار ” الروهينجا”  ومنطقة الساحل والقرن الأفريقي التي تضم فواعل من غير الحكومات  ، فإن الولايات المتحدة  لا يزال لديها الكثير على المحك الاستراتيجي والأخلاقي في تلك المناطق أيضًا.

ولذلك فإن وجود سياسة خارجية للعالم الإسلامي يضعها  المسلمون ليس أمرًا ترفيهيًا أو اختياريًا بالنسبة لواشنطن.  ولكنه أمر لابد منه بالنظر إلى الوزن الجغرافي الاستراتيجي والجغرافي الاقتصادي للعالم الإسلامي في عصر تنافس القوى العظمى.

ومنذ 11 سبتمبر نظرت الولايات المتحدة إلى العالم الإسلامي من خلال عدسة مكافحة الإرهاب، حيث كان يتم النظر إلى حكومات الدول الأخرى باعتبارهم حلفاء أو أعداء بمقدار الدور الذي يلعبونه في مكافحة الإرهاب وفي اتجاهه. وذلك بصرق النظر عن موقف تلك الدول من قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتوصف هذه الاستراتيجية بضيق الأفق كما أنها عكست صورة عن الولايات المتحدة بشكل عام لدى المواطن المسلم بأنها دولة معادية للإسلام والمسلمين، وبالطبع فقد ساعد حظر سفر المسلمين الذي فرضه ترامب تعزيز وجهة النظر هذه.

اقلب الصفحة

يشير التقرير إلى أنه قد أتيحت لبايدن أول فرصة لقلب صفحة استراتيجية 11 سبتمبر تجاه المسلمين عندما قام بإطلاق دعوة قمة الديمقراطيات، ومن المتوقع أن تضم القمة دول مجموعة السبع بالإضافة إلى الهند وأستراليا وكوريا الجنوبية. وكلن على الرغم من ذلك فإنه يجب أيضًا تضمين القوى الديمقراطية الإسلامية في آسيا مثل ماليزيا وإندونيسيا. وذلك لأن كلًا من جاكرتا وكوالالمبور قد تمثلان الجسر الذي يمكن أن يعبر به بايدن إلى العالم الإسلامي دون تقويض الدعائم الديمقراطية.

لأنه من خلال دعوة الدول الديمقراطية الإسلامية لحضور القمة من الممكن لبايدن صياغة استراتيجية أوسع للتواصل مع العالم الإسلامي. وتقويض الفكرة الكلاسيكية التي تفترض ان واشنطن تريد فقط الحصول على تعاملات مع تلك الدول تختص بمكافحة الإرهاب. لأنه في النهاية على واشنطن العمل مع الدول الإسلامية فيما يخص المجالات ذات الاهتمام المشترك.

مثل الانتشار النووي وتغير المناخ على انتهاكات حقوق الإنسان، والتحديات التي تختص بمكافحة الإرهاب المستمرة مثل التعامل مع المنظمات الإرهابية الإسلامية العابرة للحدود. في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والساحل والقرن الأفريقي مع الوضع بالاعتبار أن هناك فرص كبيرة للتعاون في المستقبل.

وتبقى الولايات المتحدة قوى عظمى لا يمكن تجاهلها بأي مقياس من المقاييس وهي ضامن أمني لعدد من الدول الإسلامية وعلى الرغم من ذلك فإنها لم تستطع حتى الآن التوصل إلى الصيفة المناسبة لمخاطبة هذه الدول.

وفي أغلب الأحيان اعتمدت واشنطن في سياساتها تجاه العالم الإسلامي على فكرة صراع الحضارات كما اعتمدت على قادة الفكر ذوي النظرة العنصرية والاستشراقية تجاه العالم الإسلامي ولذلك فإن إدارة بايدن الآن بحاجة لصياغة رؤية إبداعية للتعامل مع العالم الإسلامي وهي الرؤية التي يجب أن يتردد صداها عما قريب.

ولحسن الحظ فإن واشنطن تملتك الكوادر المناسبة للقيام بذلك عن طريق المسلمين المقيمين في أمريكا،حيث يتمتع صانعو السياسة المسلمون الأمريكيون بالمصداقية علاوة على التفهم الثقافي والدين مما يؤهلهم لصياغة سياسات مناسبة تخلق مناخًا من حسن النوايا مع نظرائهم المسلمين وباختصار تحتاج إدارة بايدن إلى المزيد من المسلمين في فريق السياسات الخارجية.

 على أي حال تنبغي بالطبع الإشادة بإدارة بايدن للتنوع العرقي  بين مناصبها العليا في السياسة الخارجية. وذلك مع وجود توماس جرينفيلد كسفير للأمم المتحدة ، ولويد أوستن وزيرًا للدفاع ، وسامانثا باور كمسؤول مسؤول عن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ، وأفريل هينز مديرًا للاستخبارات الوطنية ، فقد تم بذل جهود واضحة لتعكس التركيبة السكانية لأمريكا بشكل أفضل.

ومع ذلك ، فإنه لا يمكن إنكار وجود نقص في  التنوع بين الأديان وسط   فريق  مرشحي بايدن. ولقد كان المسلمون غائبين إلى حد كبير عن المناصب الرئيسية في السياسة الخارجية التي تعمل في مناطقهم الأصلية ،وذلك  على الرغم من وجودهم السياسي والاقتصادي والثقافي والانتخابي المتزايد في الحياة الأمريكية.

في الواقع ، يعد 3.5 مليون مسلم أمريكي من بين أكثر الجماعات الدينية نشاطًا سياسيًا ولعبوا دورًا حاسمًا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وتحتاج إدارة بايدن إلى معالجة قضية تمثيل المسلمين من أجل تنوع أكبر واستراتيجية أفضل على الصعيدين المحلي والدولي.

كما أن الأمريكيين المسلمون هم من أكثر المجموعات تعليما في الولايات المتحدة مع تقدير كبير للحياة  والسعي وراء طموحاتهم. حيث ينتمي معظمهم إلى  عائلات مهاجرة ، جاء آباؤهم و أجدادهم إلى الولايات المتحدة في العقود الأخيرة بحثًا عن فرص أفضل.

ويتم غرس قيم الولاء والتقدير للديمقراطية الأمريكية في نفوس أطفال المهاجرين المسلمين اليوم. ولذلك فإن عدم استخدام الأمريكيين المسلمين في الشؤون السياسية والدبلوماسية سيكون بلا شك فرصة ضائعة للتعويض عن الأشخاص الذين تعرضوا للهجوم والتهميش في الداخل والخارج من قبل الإدارات السابقة.

الطريق إلى الأمام

الحل إذاً هو وضع الأمريكيين المسلمين في أدوار رئيسية وتمكينهم من المساهمة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي. وفي هذا الإطار يمكن للرئيس  بايدن أن يبدأ بدراسة المسلمين لشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية أو مناصب إدارية للمكاتب الإقليمية التي تغطي البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الأركان الثلاثة لمؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية وهي  وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

في الواقع ، هناك الكثير من المتخصصين المسلمين الممتازين في السياسة الخارجية الذين ليسوا غرباء عن هذه الوكالات ، وعلاقاتهم الثقافية بمناطقهم الأصلية – الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى وغرب إفريقيا والقرن الأفريقي وجنوب آسيا و البحرية جنوب شرق آسيا – يمكن أن تثبت وجود أصول إضافية بالإضافة إلى أوراق اعتمادهم الأخرى.

وعلاوة على ذلك فإنه يجب على الإدارة أيضًا استحداث  دورين رئيسيين: المستشار الخاص للرئيس حول العالم الإسلامي وقيصر العالم الإسلامي في مجلس الأمن القومي.

وهناك سابقة لهذا حين أنشأ الرئيس جورج دبليو بوش منصب المستشار / المبعوث الخاص بشأن العالم الإسلامي بعد 11 سبتمبر ، وقد شغل هو و تلاه الرئيس باراك أوباما  المنصب بالأكفاء من الأمريكيين المسلمين  .

وعلى الرغم من أنه لم يعد موجودًا ، إلا أن هذا الموقف يوفر نقطة انطلاق رائعة لإدارة بايدن ، كما أن إنشاء هذا النوع من الفريق لن يساعد فقط في تشكيل السياسة الخارجية تجاه العالم الإسلامي ، ولكنه أيضًا سيعزز أهداف الإدارة عبر ثلاث قارات في العديد من القضايا الاستراتيجية.

في حقبة ما بعد 11 سبتمبر ومع عودة المنافسة بين القوى العظمى ، تحتاج واشنطن إلى شراكة حقيقية ودائمة مع العالم الإسلامي. سيتم قريبًا نسيان زيارة وخطاب أوباما في القاهرة أو زيارة وقمة على غرار ترامب في الرياض ، على الرغم من أن هذا التواصل كان أفضل من لا شيء في ذلك الوقت. تتمتع إدارة بايدن بفرصة حقيقية لإحداث تغيير دائم وهادف في العالم الإسلامي ، ويجب أن يكون المسلمون الأمريكيون في مقدمة ومركز السياسة الخارجية للولايات المتحدة للمساعدة في جعل هذه الرؤية حقيقة.

Scroll Up