عرض/ آية عبد العزيز- فردوس عبد الباقي

نشر مركز بروكنجز الدوحة تقريرًا بعنوان “تركيا وأوروبا وشرق البحر المتوسط: رسم طريق للخروج من المأزق الحالي“، لـ “جاليب دالايزميل غير مقيم – مركز بروكنجز الدوحة، صادر في 28 يناير 2021؛ يتناول فيه العوامل المحفزة للنزاعات البحرية الحالية بين اليونان وتركيا، والتي تعد الأطول بين الجانبين منذ التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974؛ حيث اتخذت هذه النزاعات تقليديًا شكل نزاع مجمّد، مع اندلاعها في بعض الأحيان.

ويوضح التقرير أن الخلاف البحري بين البلدين يدور حول ثلاث قضايا: الخلاف حول حدود المياه الإقليمية اليونانية وملكية بعض الجزر أو الجزر في بحر إيجه، والمناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين في شرق البحر الأبيض المتوسط، وأخيرًا الطبيعة غير المحلولة لأزمة قبرص. بالإضافة إلى هذه الأمور، تؤكد تركيا أيضًا أن عددًا من القضايا الأخرى، مثل السيادة أو الوضع المجرد من السلاح لبعض الجزر اليونانية، لا تزال دون حل، وبالتالي تحتاج إلى المعالجة. في المقابل ترفض اليونان هذه المطالب بشكل قاطع بوصفها انتهاكًا لسيادتها.

وأفاد التقرير أن هذه الخلافات مرتبطة بإسقاطات كلا البلدين المتضاربة حول السيادة الوطنية، فضلًا عن أن التنازلات والتسويات التي ستكون ضرورية لحلها صعبة بطبيعتها ومكلفة سياسيًا. بالإضافة إلى ذلك، لا يبدو أن الجانبين يتفقان على إطار عمل لمعالجة الخلافات، فبينما تفضل اليونان خيار التحكيم الدولي تفضل تركيا المفاوضات الثنائية. ولكن حتى لو وافقت أنقرة على التحكيم الدولي، فإن الخلاف التالي الذي سينشأ فقط هو الذي سيحال إلى المحكمة الدولية. علاوة على ذلك، كما هو موضح أعلاه، تريد أثينا حكمًا دوليًا بشأن مجموعة محددة من الموضوعات، بينما تريد أنقرة وضع مجموعة أوسع من الموضوعات على الطاولة.

تحديات جيوسياسية متشابكة

كشف التقرير أن المصادر التقليدية للخلاف بين تركيا واليونان وقبرص تتوافق الآن مع مجموعة أخرى من التوترات الجيوسياسية المتشابكة ونزاعات الطاقة في شرق البحر المتوسط ​​بين تركيا ومجموعة من الدول بما في ذلك فرنسا ومصر والإمارات العربية المتحدة على هذا النحو، لم ينمو عدد البلدان المشاركة في الأزمة فحسب، بل اتسع نطاقها ليشمل قضايا جديدة، بما في ذلك الاكتشافات الحديثة للطاقة في شرق البحر المتوسط ​​والوضع الليبي المترامي الأطراف. هذه القضايا، بدورها، قد غيرت نوعيًا طبيعة الأزمة.

وفقًا للتقرير يُثير مثل هذا التحول في الأحداث في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ثلاثة أسئلة مترابطة: أولًا، بالنظر إلى نشأة الخلافات البحرية التركية اليونانية الطويلة، لماذا احتدمت الأزمة مؤخرًا؟ ثانيًا، كيف تطورت الأزمة، مع تحول الخلافات الثنائية اليونانية التركية إلى أزمة شرق البحر المتوسط ​​مع جهات فاعلة متعددة؟ وثالثًا، لماذا تكون الأزمة أكثر خطورة هذه المرة؟

يجادل التقرير بأن هذه الأزمة قد تفاقمت وتعقدت بسبب تطورين جيوسياسيين متميزين، وهما استكشاف الطاقة والصراع الليبي. كما تؤكد أن هذه الأزمة أكثر خطورة من الخلافات السابقة ويرجع ذلك جزئيًا إلى تغييرين نظاميين وهما: فراغ السلطة الذي أحدثته الولايات المتحدة في تقليص دورها الإقليمي في شرق البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط. فقدان إطار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فقد أدى الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة إلى اندلاع صراع على السلطة والنفوذ في البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط، وهو ما ينبغي أن يكون بمثابة دعوة للاستيقاظ للاتحاد الأوروبي للعب دور أكبر في تهدئة الأزمة.

كما لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى الجوار الأوروبي، سواء في الجنوب أو الشرق، على أنه يتمتع بقيمة استراتيجية عالية. على الرغم من أن الرئيس “دونالد ترامب” كان مسؤولًا عن العديد من القرارات السياسية غير المدروسة، إلا أن الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من المنطقة بدأ بالفعل في عهد الرئيس “باراك أوباما”. من غير المرجح أن تعكس إدارة “جوزيف بايدن” هذا الاتجاه بأي طريقة مهمة. في وقت الغياب الأمريكي، يقع على عاتق الأوروبيين مسؤولية منع أزمة شرق البحر الأبيض المتوسط ​​من الخروج عن السيطرة، حتى الآن، الصراع غير محتمل، ولكنه ليس مستبعدًا. في النهاية، هذه ليست أزمة في الجوار الأوروبي فحسب، بل هي أيضًا أزمة داخل أوروبا، نظرًا للمشاركة العميقة لثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وهي اليونان وقبرص وفرنسا.

وعليه فإن جهود الوساطة الألمانية والأوروبية لتهدئة الأزمة هي خطوات في الاتجاه الصحيح. ومع ذلك، فإن الآفاق المستقبلية لهذه الجهود ستتوقف على التشخيص الدقيق للأزمة، والصبر، والالتزام، والاستجابات السياسية المبتكرة. 

وفقًا للتقرير يكمن جوهر الأزمة في النزاعات البحرية متعددة الطبقات بين تركيا واليونان وقبرص، لكن العلاقات التركية اليونانية تتكشف على خلفية أوسع للإطار الأوروبي، فقد كانت فترة شهر العسل بين أنقرة وأثينا خلال أواخر التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين نتيجة طبيعية ومتطلبة لرؤية تركيا وعملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في ذلك الوقت. كان هذا هو السبب الرئيسي لدعم الحكومة التركية القوي لخطة الأمم المتحدة التي تم طرحها للاستفتاء في قبرص في عام 2004 بشأن توحيد الجزيرة. ومع ذلك، توقفت عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وتطلعاتها منذ فترة طويلة، الأمر الذي أضر بدوره بالعلاقات التركية مع اليونان وقبرص.

وعليه فإن الوساطة الألمانية الأوروبية يجب أن تهدف أولًا إلى تهدئة الصراع بين أثينا وأنقرة من خلال تخفيف حدة الخطاب الحاد من كلا الجانبين والدعوة إلى وقف مؤقت لاستكشاف الطاقة في المياه المتنازع عليها. علاوة على ذلك، هناك حاجة لألمانيا وفرنسا لإيجاد أرضية مشتركة في مناهج سياساتهما تجاه هذا الموضوع.

واستكمل التقرير أن الصراع المجمد يخاطر دائمًا بالذوبان وإتاحة الفرص للجهات الفاعلة الأخرى مثل روسيا للتدخل واكتساب المزيد من النفوذ في الجوار الأوروبي. على هذا النحو، يحث هذا الإيجاز الاتحاد الأوروبي على محاولة تسهيل انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط. إذا لم يكن ذلك ممكنًا، فيجب بذل الجهود لوضع إطار ثلاثي يضم دول منتدى غاز شرق المتوسط​​، والاتحاد الأوروبي، وتركيا للتعامل مع الأزمة واستكشاف السبل التي يمكن أن تكون احتياطيات الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​مصدرًا للتعاون، بدلا من الصراع.

وفقًا للتقرير إن أزمة شرق البحر المتوسط​​، في جوهرها، لا تتعلق بالطاقة حتى الآن، لم يتم العثور على غاز في المناطق المتنازع عليها. من المؤكد أن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط ​​التي قامت بها إسرائيل في عامي 2009 و2010 (تمار وليفياثان، على التوالي)، وقبرص في عام 2011، ومصر في عام 2015 (ظهر)، أدت إلى تفاقم الأزمة. ومع ذلك، تكمن جذور الأزمة في مكان آخر، في المطالبات المتضاربة من قبل تركيا واليونان فيما يتعلق بالحدود البحرية والمناطق الاقتصادية الخاصة (EEZs) من جهة، وقبرص من جهة أخرى.

فيما يتعلق بالقضية الأولى، تختلف أنقرة وأثينا حول أدوار ونطاقات الجزر في إنشاء المنطقة الاقتصادية الخالصة؛ حيث تتخذ الأولى وجهة نظر أكثر تقييدًا والأخيرة وجهة نظر أكثر شمولية. فيما يتعلق بالأخير، تعترض تركيا على أن تكون جمهورية قبرص (أو القبارصة اليونانيون بشكل أكثر تحديدًا) هي الجهة الوحيدة المحركة لأنشطة استكشاف الطاقة في شرق المتوسط، من خلال الإصرار على المساواة السياسية بين القبارصة اليونانيين والأتراك، تدعي أنقرة أن الإدارة التركية في شمال قبرص (التي تعترف بها تركيا فقط) لها أيضًا الحق في القيام بأنشطة استكشاف الطاقة وإصدار التراخيص. وبهذه الطريقة، ترتبط مجموعة الخلافات البحرية المتشابكة بين تركيا واليونان ارتباطًا وثيقًا بإسقاطاتهما المتضاربة بشأن السيادة الوطنية. 

اكتشافات الغاز: ليست سبب الأزمة بل منطلق الأزمة

أشار التقرير إلى أن اكتشافات الغاز الأخيرة في شرق المتوسط أدت إلى جانب العديد من العوامل الأخرى، إلى زيادة شهية تركيا للتنقيب عن الهيدروكربون، علاوة على أن تجارة الطاقة هي المصدر الرئيس لعجز ميزانية الدولة؛ حيث استوردت تركيا 72.4٪ من احتياجاتها من الطاقة اعتبارًا من 2018 (انظر الشكل 1)، بينما شكلت الطاقة 16.8٪ من إجمالي وارداتها اعتبارًا من يونيو 2020. وفي السنوات الخمس الماضية، بلغ إجمالي عجز الموازنة التركية 220 مليار دولار، وفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي والبنك المركزي. في نفس الفترة، بلغ إجمالي فاتورة الطاقة في تركيا 213 مليار دولار. من خلال التنقيب عن الهيدروكربون، تأمل تركيا في معالجة مشاكلها الاقتصادية المزمنة. تحقيقًا لهذه الغاية، ضاعفت البلاد من أنشطتها في استكشاف الطاقة في كل من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأسود، والتي توجت مؤخرًا باكتشاف كبير للغاز. 

وبالمثل، لطالما طمحت تركيا إلى جعل نفسها مركزًا للطاقة وممرًا إلى أوروبا، ووقعت العديد من صفقات خطوط أنابيب النفط والغاز مع أذربيجان والعراق وإيران وروسيا (انظر الشكل 2). ومع ذلك، لم تتحقق تطلعاتها إلى حد كبير. على نفس المنوال، أرادت تركيا أن يمر أي مشروع خط أنابيب شرق البحر المتوسط ​​إلى أوروبا عبره. ومع ذلك، فإن علاقات أنقرة الصعبة مع جميع البلدان الأخرى المطلة على شرق البحر المتوسط ​​جعلت هذا الخيار غير واقعي للغاية.

وذكر التقرير أن تركيا تهدف من خلال استكشاف الطاقة في شرق المتوسط والبحر الأسود إلى تقليل ضعفها الاستراتيجي والاعتماد على الطاقة (انظر الشكل 3). لفترة طويلة، كان أكبر مصدرين للغاز الطبيعي إلى تركيا هما روسيا وإيران، وهما دولتان تمتلك تركيا معها تطلعات إقليمية تنافسية. وفي السنوات الأخيرة، اتبعت تركيا سياسة استقلال الطاقة عن هذه البلدان: خلال النصف الأول من عام 2020، انخفضت واردات الغاز الطبيعي من إيران وروسيا بنسبة 44.8 في المائة و41.5 في المائة على التوالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019 (على الرغم من، في حالة إيران، كان هذا الانخفاض ناتجًا جزئيًا عن تلف خط الأنابيب). في المقابل، زادت واردات تركيا من أذربيجان بنسبة 23.4 في المائة خلال نفس الفترة، مما منح أذربيجان الحصة الأكبر في سوق الغاز الطبيعي التركي.

على الرغم من طموحات تركيا في مجال الطاقة، فإن اكتشافات الغاز الأخيرة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​عمقت مخاوفها من تهميشها عن نظام الطاقة والأمن الناشئ في المنطقة. ويرجع ذلك في المقام الأول إلى سببين مترابطين: المسار المتوقع لمشروع خط أنابيب غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​وإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، بجانب خط الأنابيب المتوقع وصوله إلى أوروبا والذي تبلغ قيمته 6.2 مليار يورو مبني على تعاون أوثق بين اليونان وقبرص وإسرائيل، ويستثني منه تركيا؛ حيث اكتسب هذا التعاون الثلاثي شكلًا مؤسسيًا في يناير 2020 مع إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط​​، والذي يضم أيضًا مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا. 

وعليه فقد أدت الصراعات الجيوسياسية المختلفة، وعدم اليقين بشأن كمية الغاز في شرق البحر المتوسط، وأهداف الطاقة الخضراء للاتحاد الأوروبي جعلت تمويل المشروع أقل جاذبية، ومع انسحاب إيطاليا من المشروع، أصبح غير مجدي اقتصاديًا في هذه المرحلة، ومع ذلك، فإن خط الأنابيب والمنتدى المقترحين، بالإضافة إلى إعادة التنظيم الإقليمي التي دعمتهما، قد أسهمت في مخاوف تركيا من التهميش من إطار الطاقة والأمن الناشئ في شرق البحر الأبيض المتوسط.. ردا على ذلك، اتجهت تركيا إلى اتباع نهج مدفوع بالقوة الصلبة ودبلوماسية قسرية لمنع ظهور مثل هذا الإطار.

الوضع الليبي المعقد: ربط الخلافات البحرية بالمواجهة الجيوسياسية

اعتبر التقرير أن السياسة التركية تجاه ليبيا خدمت استراتيجيتها لتعطيل شرق البحر المتوسط​​، خاصة بعد توقيع مذكرتي تفاهم في نوفمبر 2019 مع حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة لتعيين حدود مناطق الاختصاص البحري في البحر الأبيض المتوسط ​​واتفاقية التعاون الأمني ​​والعسكري. إذ وضعت الاتفاقية الأولى الحدود البحرية لتركيا مع ليبيا لتمتد المنطقة الاقتصادية الخالصة من الساحل الجنوبي لتركيا على البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الساحل الشمالي الشرقي لليبيا من خلال تجاهل الجزر اليونانية الكبرى مثل كريت. وقد مكّن الاتفاق الثاني حكومة الوفاق من مواجهة الهجوم الذي شنه قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، بسبب الدعم العسكر المباشر الذي قدمته تركيا، في الوقت الذي لم يحدث حين طالبت بدعم الجهات الأوروبية، كانت صفقة الحدود البحرية هي الثمن الذي يجب دفعه لتركيا في مقابل صفقة التعاون العسكري. 

وفقًا لصفقة الحدود البحرية، سيتعين على خط أنابيب الغاز الإسرائيلي-اليوناني-القبرصي المُقترح أن يمر جزئيًا عبر المناطق البحرية التي تطالب بها تركيا، مما ينقل عن نية تركيا تعطيل أي مشاريع تهدف إلى التحايل عليه.  ردت اليونان بقوة على الصفقة بطرد سفير حكومة الوفاق الوطني من أثينا وإقامة علاقات أوثق مع الجيش الوطني الليبي. لم تؤد هذه الخطوة إلى زيادة التوتر بين تركيا واليونان فقط، بل مهدت الطريق أيضًا لليونان لتوقيع اتفاق مماثل مع مصر في أغسطس 2020 لتحديد اختصاصاتهما البحرية. تتعارض الصفقة التركية الليبية مع وجهة نظر اليونان، وتفعل الصفقة اليونانية المصرية نفس الشيء مع تركيا. 

ذكر التقرير أن سياسة تركيا في البحر المتوسط تقوم على عقيدة الوطن الأزرق، وهو مفهوم جيوسياسي غير دقيق وغامض يعود إلى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لم تكن مثل هذه المفاهيم والأفكار الجيوسياسية لضباط البحرية موضع تقدير، لكن بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، تصاعدت المشاعر المعادية للغرب في تركيا واتخذت الحكومة منعطفًا قوميًا مهد الطريق لعقيدة الوطن الأزرق لتصبح أكثر انتشارًا وتكتسب المزيد من المؤيدين بين النخب الحاكمة في أنقرة لأنها تحاول إضفاء الشرعية على سياسة الحكومة في شرق المتوسط، فهي تعتمد على التهديد المتصور بأن “تركيا محاصرة في الأناضول” وبالتالي تحتاج إلى الحفاظ على إمكانية الوصول إلى البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط. 

تمثل عقيدة الوطن الأزرق ثلاث أفكار رئيسية: أولًا، يمثل رؤية موسعة وفهمًا للحدود البحرية التركية في البحر المتوسط، وتعد الصفقة البحرية مع ليبيا أحد مظاهر هذا. لا تحتوي هذه العقيدة على أي أساس قانوني، إلا أنها تشير إلى تصميم تركيا على الدفاع عن هذه الحدود المتوقعة وحمايتها، أو على الأقل تحاول إعطاء هذا الانطباع.  ثانيًا، الوطن الأزرق هو دعوة البحرية التركية لإعادة وضع البلد كقوة بحرية. ثالثًا، تشير العقيدة إلى إعادة تصور مكانة تركيا في العالم. تمثل تلك العقيدة إعادة توجيه سياسات تركيا الخارجية والأمنية بعيدًا عن الغرب ونحو روسيا والصين.

تتفق الحكومة مع القوميين في النقطتين الأوليين، لكنهم يختلفون حول النقطة الأخيرة، حيث يبدو أن الحكومة مدركة لقيود العلاقات التركية الروسية في منطقة البحر الأسود على سبيل المثال، فقد أقامت تركيا علاقات أوثق مع أوكرانيا من أجل موازنة النفوذ الروسي. وقد تجلت هذه الاختلافات أيضًا في سياسات تركيا وروسيا المتعلقة بسوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ. يؤطر أنصار الوطن الأزرق سياسة تركيا تجاه ليبيا، ولا سيما الاتفاق البحري، الذي وضع تركيا واليونان في مواجهة بعضهما البعض.

كما أشار التقرير إلى أن الصراع الليبي وضع تركيا في مواجهة كل من الإمارات ومصر وفرنسا، مع انتشار آثاره عبر شرق البحر المتوسط. لا يمكن فصل قرار الإمارات واليونان بإجراء مناورات عسكرية في جزيرة كريت عن التنافس العميق بين الإمارات وتركيا، خاصة أثناء زيادة التوترات التركية اليونانية، فضلًا عن تعبير الإمارات المتكرر عن دعمها لموقف اليونان في شرق البحر المتوسط. 

يمكن القول إن اتفاق ترسيم الحدود البحرية اليونانية المصرية لم يكن ليتم التوقيع عليه إذا لم يكن هناك تنافس تركي مصري في ليبيا أو صفقة بحرية تركية ليبية. قامت تركيا مؤخرًا بعدة إيماءات تجاه مصر لاستكشاف ما إذا كان بإمكانها العثور على موعد مؤقت مع القاهرة في ليبيا، على أمل أن يكون لمثل هذه التسوية تأثير غير مباشر على أزمة شرق البحر المتوسط. 

نظرًا لأن تركيا وفرنسا تدعمان الأطراف السياسية وتسعى إلى تضارب المصالح في ليبيا، فقد أدى الصراع بشكل كبير إلى تأجيج التوترات بينهما، الأمر الذي أدى بدوره إلى تفاقم الأزمة في شرق البحر المتوسط. أصبحت فرنسا القوة الأوروبية الأكثر صوتًا التي تدعم الموقف القبرصي اليوناني، وأكد ذلك إجراءها مناورات عسكرية مع اليونان وإرسال حاملة الطائرات التي تعمل بالطاقة النووية من طراز شارل ديجول إلى شرق البحر المتوسط. كما أن فرنسا على خلاف بشأن موضوعات مثل سوريا ولبنان إلى شمال وغرب إفريقيا. في حين أن المنافسة بين البلدين في شرق البحر المتوسط ​​مرتبطة بشكل وثيق بمنافستهما في ليبيا، لا يحظى موقع فرنسا في دعم حفتر بشعبية دولية، إذ يمكن لفرنسا التعبير عن تضامنها مع باقي أعضاء الاتحاد الأوروبي. 

توصيات لحل الأزمة

بالنظر إلى ما تقدم من خلفية وسياق، وضع التقرير مجموعة من التوصيات لحل الأزمة في شرق المتوسط: 

  • الإيقاف المؤقت لأنشطة الحفر والاستخراج

اعتبر التقرير أنه أمرًا جيدًا لكنه ليس واقعيًا في هذه المرحلة لأنها أزمة متعددة، إذ تختلف التوترات بين تركيا وفرنسا عن النزاعات البحرية طويلة الأمد بين تركيا واليونان. لذلك، بدلًا من التفاوض على صفقة كبرى في شرق البحر المتوسط​​، يجب على ألمانيا التي تقود الدبلوماسية الأوروبية حول هذا الموضوع هي والاتحاد الأوروبي التركيز على تخفيف حدة الأزمة بين أنقرة وأثينا، وبالتالي يلعب فصل النزاعات البحرية التركية اليونانية عن القوى الجيوسياسية الأوسع في المنطقة أهمية كبرى بأن يتفق الطرفان على وقف أنشطة الحفر والاستكشاف في المياه المتنازع عليها لفترة زمنية على الأقل إذا كانت أي مفاوضات ستبدأ بجدية.

  • استضافة اجتماعات دولية لتعزيز الحوار وخفض التصعيد

يمكن أن تكون الاجتماعات والمؤتمرات الدولية وسيلة فعالة للتخفيف من حدة التصعيد. سبق لتركيا أن دعت إلى عقد مؤتمر للدول الساحلية في شرق المتوسط ​​لمناقشة خلافاتهم، ودعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل إلى مؤتمر دولي. إذا حدث ذلك، يمكن أن يكون البحر المتوسط​​، بالإضافة إلى أوروبا وحلف الناتو، بداية جيدة للتعامل مع الأزمة في إطار متعدد الأطراف.

بالإشارة إلى “فشل” مؤتمر برلين بشأن ليبيا، قد يلقي البعض بظلال من الشك على جدوى وفعالية مؤتمر دولي حول شرق المتوسط. لكن يعمل اللاعبين الرئيسيين في شرق المتوسط بأنفسهم وليس من خلال وكلاء كما في ليبيا، لذا لن يختبئ أحد وراء ستار الوكلاء إذا تسببوا في حادث، فمن المرجح أن يكون المؤتمر الدولي أكثر فعالية. لا يوجد طرف لديه أي مصلحة في إدامة الصراع في شرق المتوسط. لقد صعدت جميع الأطراف الموقف على أمل أن تتراجع الأطراف الأخرى وتمنحهم مخرجًا، وسيؤدي عقد المؤتمر إلى هذا المخرج وحفظ ماء الوجه.

  • إبعاد سلطة اتخاذ القرار عن العسكريين

اتفقت اليونان وتركيا على إنشاء آلية لفض النزاع على مستوى الناتو. هذا تطور مرحب به ويقلل من خطر وقوع حادث بينهما. لتقليل هذا الخطر بشكل أكبر، من الضروري أن تتخذ الأطراف المتنازعة قرارات على المستوى الوطني وألا تنقل أي سلطة رئيسية لصنع القرار إلى أفراد عسكريين لأنه سيؤدي إلى سوء تقدير وتصعيد غير مقصود، كما حدث في مسألة إسقاط تركيا لطائرة روسية في عام 2015.

  • التخفيف من النبرة الإخبارية لتجنب التداخل السردي

أشار التقرير إلى أن أزمة شرق المتوسط نتاج آراء وروايات تركيا واليونان المتضاربة فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، مما يجعل من الصعب حلها. في هذا السياق تختفي الفروق الدقيقة بين المطالب والحقوق، بين الخلافات والسيادة. 

يضاف إلى هذا، عندما يتبنى القادة السياسيون الأتراك واليونانيون لغة عالية الحدة لمناقشة نزاعاتهم، فإن أي حل وسط يظهر على أنه ضعف، وهذا يمهد الطريق للفخ الذي يقضي بشكل أساسي على أي مجال للحوار. 

  • تطوير خطة أوروبية حكيمة للتعامل مع الصراع

نوه التقرير إلى أن التوصيات السابقة تستهدف وقف تصعيد الصراع، لكن لا ينبغي أن يكون خفض التصعيد هو الهدف النهائي، فيجب أن تكون هناك استراتيجية لتسهيل المفاوضات وإفساح المجال لبدائل سياسية أكثر إبداعًا. إذا ظلت أزمة شرق المتوسط ​​دون معالجة، فستكون المنطقة في خطر حدوث أزمات جديدة. كما أن أي صراع يوفر فرصة للجهات الفاعلة مثل روسيا للتدخل. لذلك تحتاج أوروبا إلى تعزيز سياسة خارجية أكثر إبداعًا ورؤية إقليمية أوسع مثل دعوات لخطة شومان جديدة أو عملية برشلونة الجديدة.

يستمد دعاة خطة شومان إلهامهم من تاريخ أوروبا وخبراتها في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، حيث وضع الأعداء السابقون، ألمانيا وفرنسا، الصناعات الاستراتيجية للحرب والفحم والصلب تحت سلطة مشتركة، مما استلزم التعاون وحقق منافع متبادلة. كما أن عملية برشلونة الأصلية التي انطلقت في عام 1995 هدفت إلى تعزيز العلاقات بين أوروبا ودول جنوب المتوسط. يحمل استدعاء مثل هذه العملية أجندة إيجابية للمستقبل.

تأتي في صميم هذه المقترحات فكرة أنه يجب التعامل مع شرق البحر المتوسط ​​كمساحة مشتركة وأن موارده الاستراتيجية من النفط والغاز يجب أن تعزز قضية التعاون بدلًا من الصراع بين الدول المطلة عليه. في حين أن هناك العديد من الطرق المختلفة لتحقيق هذه الأهداف السامية، فإنها تتطلب جميعًا من أوروبا تطوير رؤية والتزام جيوسياسي. في الوقت الحاضر، تقود المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الدبلوماسية الأوروبية والوساطة في صراع شرق المتوسط. ومع ذلك، فهي في عامها الأخير في المنصب وليس من الواضح ما إذا كان سيكون هناك أي زعيم أوروبي آخر بمكانتها ومصداقيتها يمكنه أن يلعب نفس الدور بمجرد مغادرتها.

رغم أن اكتشافات الغاز أدت إلى التوترات الأخيرة، فإن الأزمة سياسية في الأساس. فإن التفاؤل بشأن احتياطات الغاز أصغر وأقل ربحًا مما هو متوقع، مما يجعل مشروع خط أنابيب غاز شرق المتوسط ​​المتوقع إلى أوروبا أمرًا غير مجدٍ للغاية. بالإضافة إلى أن أهداف أوروبا المتعلقة بتحويل الطاقة وإزالة الكربون أن القيمة التجارية للغاز ستتقلص أكثر في المستقبل، مما قد يفتح مجالًا للمحادثات بين الاتحاد الأوروبي والدول المطلة على شرق المتوسط ​​حول هذه القضية. لكي يحدث ذلك، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز رؤية رئيسية لإزالة الكربون، إلى جانب خطة والتزام بتنفيذها. لكن في الوقت الحالي بسبب الانقسام داخل أوروبا والخلاف بين دول الشرق الأوسط حول طبيعة النظام الإقليمي، قد لا يكون لهذه الخطة الكبرى صدى على نطاق واسع. لكن هذا لا يمنع أن مجرد مناقشة الموضوع بين المسؤولين يمكن أن يحول طبيعة المحادثة في شرق المتوسط ​​نحو وضع أكثر تعاونًا، وبالتالي المساعدة في تقليل التوترات.

اختتم التقرير بأن مجموعة الأزمات المتشابكة التي تفككت في شرق المتوسط ​​بين تركيا وخصومها مستعصية على الحل بسبب المواقف الراسخة للفاعلين وحساسية الموضوعات المعنية، لذا يجب أن تكون أولوية الدبلوماسية الألمانية والأوروبية التركيز على إدارة الصراع أو إعادة تجميده بدلًا من حله لأنه سيكون صعب التحقيق في هذه المرحلة.

رغم ذلك، يجب ألا يؤدي أي خفض مؤقت للتوترات أو فترات الهدوء في النزاع إلى التوافق، حيث من المرجح أن يدور صراع شرق المتوسط ​​بين التصعيد والتراجع وإعادة التصعيد. يجب على أوروبا والأطراف المعنية أن تستغل هذه النافذة الضيقة من الفرص لدفع سياسة وخطة أكثر إبداعًا لشرق المتوسط​​ يمكن أن تخدم الأمن الجماعي، والمصالح الاقتصادية والطاقة لجميع الأطراف الرئيسية. في هذا الصدد، يجب على الاتحاد الأوروبي إما محاولة تسهيل انضمام تركيا إلى منتدى غاز شرق المتوسط ​​أو وضع إطار عمل ثلاثي حيث يمكن لبلدان منتدى غاز شرق المتوسط والاتحاد الأوروبي وتركيا استكشاف طرق لإدارة نزاعاتهم والتعاون.

Scroll Up