عرض – هبة شكري

تناول موقع “المونيتور” الأمريكي ما أسفرت عنه السياسات التركية المستندة على نشر الخرافات والأكاذيب حول مغامرات “أنقرة” الإقليمية، مؤكدا أن هناك معلومات مضللة تلقي بظلالها على سياسات تركيا تجاه إفريقيا.

وأشار الموقع الأمريكي – في تقرير تحت عنوان “المعلومات المضللة والدعاية تلقي بظلالها على سياسات تركيا تجاه إفريقيا”، أعدّهٌ الصحفي التركي ” فهيم تستكين” – إلى ما أسفرت عنه السياسات التركية المستندة على نشر الخرافات والأكاذيب في الصحافة التركية والعربية حول مغامرات تركيا الإقليمية، من خلق جبهة عربية معادية بقيادة السعودية والإمارات ومصر، مضيفا أنه على الرغم من أن طموحات تركيا لم تُترجم إلى قصة نجاح، إلا أنها ساهمت فقط في طرح الأساطير والأكاذيب تزامنا مع تزايد مغامرات تركيا الإقليمية المدفوعة بالحنين العثماني ليس إلا.

ولفت التقرير إلى قيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أغلب تعليقاته على القضايا الإقليمية، بتسليط الضوء على المعاهدات التي أدت إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية أواستحضار الإرث العثماني من خلال التعهد بالجنسية التركية للأتراك اللبنانيين أو التحدث عن مليون تركي من أصل تركي في ليبيا. وقد ساهمت تلك التصريحات  في إثارة الشكوك لدى البعض داخل الوطن العربي في وجود مخططات تركية للعودة إلى الأراضي العربية، ولم تؤد خرائط “تركيا الكبرى” التي قامت شخصيات مقربة من أردوغان بتوزيعها إلا إلى تزايد تلك الشكوك.

وفي السياق ذاته، أثارت الصحافة التركية التي يسيطر عليها أردوغان مخاوف العرب بسبب قيامها بالترويج لتحركات أنقرة الإقليمية بصورة مبالغ فيها ويسيطر عليها التفاخر بالقومية. إذ يرى بعض المؤيدين للحكومة أن الدفاع عن الحدود التركية يبدأ من البحر الأبيض المتوسط ​​والخليج العربي والمحيط الهندي، متفاخرين بأن تركيا تبني خطوط دفاع في ثلاث قارات. بالإضافة إلى ذلك، يقوم العديد من الصحفيين العرب أيضًا بطرح صورة مبالغ فيها عن تركيا وقدراتها، وهو ما يعد مثيراً للقلق، حيث تبدو تركيا كوحش ينتشر في منطقة مترامية الأطراف تشمل سوريا والعراق ولبنان وفلسطين واليمن إلى ليبيا والصومال وجيبوتي وإثيوبيا ومالي والسنغال، يستخدم  الأدوات ذاتها لتأجيج العداوة وخداع الشعوب.

حسبما ورد بالتقرير، فعلى سبيل المثال، أشادت وسائل الإعلام التركية الموالية للحكومة  قبل عدة سنوات بقرار السودان تأجير جزيرة سواكن لتركيا باعتباره تطورًا “يغير التوازن بعمق” في البحر الأحمر. فعلى الرغم من عدم وجود قاعدة تركية هناك حتى الآن، فقد تم ربط الجزيرة بالقواعد التركية في قطر والصومال للاحتفال بـ “المثلث التركي” في البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي. لكن المناطق نفسها تم تجاهلها متابعة القصة، أي تراجعت الطموحات التركية فيما يخص جزيرة سواكن بعد الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير في عام 2019. ففي أعقاب ذلك، سارع قائد القيادة العسكرية بالسودان للتأكيد على أن سواكن كانت “جزءًا لا يتجزأ” من السودان، وأكد أنه لا يمكن بيع تاريخ الجزيرة الذي لا يقدر بثمن، واعتبر مُعد التقرير أن هذا البيان طمأن الصحافة المصرية، التي زعمت أن تركيا ستستخدم سواكن للإطاحة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ، الذي يعد عدواً لأنقرة منذ الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في عام 2013، حسبما ذكر التقرير.

واستطرد التقرير، ففي إطار الأساطير التركية أيضاً، أفادت صحيفة ” العرب ويكلي” ، بتاريخ 26 يناير 2021، أن قرار أنقرة تمديد تفويض القوات البحرية لمكافحة القرصنة في خليج عدن والمياه الصومالية وبحر العرب كان جزءًا من “أجندتها المزعزعة للاستقرار” في اليمن والقرن الأفريقي. وبحسب الصحيفة ، فقد سعت تركيا إلى موطئ قدم في الصومال وجيبوتي في محاولة لعرقلة مصالح دول الخليج والسيطرة على الحركة التجارية في القرن الأفريقي من خلال السيطرة على الموانئ على مضيق باب المندب في الصومال وأرض الصومال وجيبوتي. .

لكن التقرير نفى وجود أية دلائل على أن أنقرة تتطلع إلى موانئ في جيبوتي أو الصومال، على الرغم من أن الشركات التركية تدير المطار الدولي والميناء البحري في العاصمة الصومالية. لكن تركيا تحدثت فقط عن إنشاء مركز تجاري في جيبوتي، التي تضم قواعد عسكرية لكل من المملكة العربية السعودية والصين وفرنسا والولايات المتحدة. أما بالنسبة إلى الصومال، فقد قامت تركيا بافتتاح قنصلية هناك في عام 2014.

وحملت الصحيفة تركيا مسؤولية تقويض جهود السعودية لتحقيق الاستقرار في اليمن من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية على حساب استمرار الفوضى، كما اتهمت تركيا بتوسيع العمليات الاستخباراتية في اليمن تحت غطاء بعثات المساعدات الإنسانية ومساعدة أعضاء جماعة للإخوان المسلمين في السيطرة على محافظة شبوة الغنية بالنفط وبناء ميناء بحري هناك.

 وأرجعت كل ذلك لتعزيز مصالحها الخاصة. أيضاً، زعمت تقارير سابقة للصحيفة ذاتها أن الحوثيين والإخوان قد تواطأوا للسيطرة على مضيق باب المندب بدعم تركي وأن تركيا قامت بتزويد عناصر الإخوان المسلمين في اليمن ودربتهم بطائرات بدون طيار. لكن التقرير اعتبر أن تلك الادعاءات المنسوبة لتركيا مبالغ فيها ، مدللاً على ذلك بعدم تضييع إردوغان لفرصة التباهي بتلك الإنجازات حال حدوثها.، حيث أن انتصارات تركيا لم تصل لتلك الدرجة من الضخامة.

واستعان التقرير برأي الدبلوماسي المصري السابق “رمزي عزالدين رمزي” ، حيث اعتبر أن سعي تركيا للحصول على موطئ قدم عسكري في السودان والصومال وقطر وليبيا هو جزء من سياسة تطويق مصر، كما يعتقد الكثيرون أن طموحات تركيا في ليبيا لا تقتصر على هذا البلد.

وفي الإطار ذاته، أشار الكاتب بصحيفة الشرق الأوسط “عبد الرحمن الراشد” ، إلى أن تركيا تشكل خطرا على ما لا يقل عن 15 دولة عربية. وكتب: “الأتراك في ليبيا هم أكبر تهديد لمصر منذ اتفاقيات كامب ديفيد” وتوقع أن تستخدم تركيا ليبيا لابتزاز الأوروبيين وتهديد مصر وتونس والجزائر والسودان، كما تنبأ أن تكون حرب تركيا القادمة في اليمن .

وفي السياق ذاته، ذكر التقرير أن دعم أنقرة للإخوان المسلمين هو ما يبقي التوترات قائمة، كما يعتقد “حنا صالح” الصحفي بجريدة الشرق الأوسط، أن تركيا تعتمد على العثمانية الجديدة لبناء “هلال الإخوان المسلمين بالتوازي مع الهلال الفارسي”. أما الكاتب “صالح القلاب” الصحفي بالجريدة ذاتها، فرأى أن أردوغان “قد بايع الإخوان المسلمين فعليًا” لكنه أكد أن ولاء أردوغان في الواقع هو لمصالحه فقط. فمنذ الربيع العربي، أصبحت جماعة الإخوان بالفعل أداة للتأثير السياسي لأردوغان ، لكن براغماتيته قد تدفع بتعديل سياساته تجاههم في المستقبل .

ومن جانب آخر، اعتبر التقرير أن جهود تركيا لتوسيع نفوذها من خلال العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لا يمكن اختزالها أو تفسيرها على أنها عداء تجاه مصر، فربما كانت العلاقات الوثيقة بين تركيا والسودان في عهد البشير أو التقارب مع إثيوبيا وسط الخلاف بشأن تقاسم المياه مع مصر تبدو وكأنها تطويق للقاهرة التي لها اليد العليا في الوصول إلى العرب في مناطق تضارب المصالح، مؤكدا أن تطويق مصر هو ببساطة يفوق قدرة تركيا.

وأفاد التقرير، أن تركيا وصلت إلى طريق مسدود في سوريا على الرغم من تعزيز نفوذها العسكري هناك، وفي الوقت ذاته، فهي غير قادرة على ضمان مستقبل تعاونها العسكري أو اتفاقات ترسيم الحدود البحرية مع الحكومة الليبية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، فضلاً عن عودة علاقاتها مع السودان إلى نقطة الصفر.

ومن جانب آخر، فمن المتوقع أن تتضاءل أهمية قاعدتها في قطر في الوقت الذي تقوم فيه الدوحة بإصلاح العلاقات مع جيرانها. وبالنسبة للصومال،  أصبحت قضية القاعدة محل استقطاب في السياسة الصومالية.

أما في اليمن، فقد كان أردوغان مؤيدًا للسعودية في البداية لدرجة أنه دعا إلى التدخل، لكن العلاقات الثنائية شهدت توتراً منذ ذلك الحين، كما أن تركيا تفتقر إلى سياسة شاملة فيما يخص تلك الأزمة، في الوقت الذي تتمتع فيه السعودية بالتأثير من خلال شبكة واسعة في إفريقيا ، وتعيينها وزيرا مسؤولاً عن العلاقات مع الدول الأفريقية، فضلاً عن قيام  الملك سلمان برعاية اتفاق السلام بين إريتريا وإثيوبيا في عام 2019، لذا فإن التأثير السعودي على الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن يُعد أمراً لا يقبل الشك.  

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن موقع تركيا في إفريقيا يهدف في الأساس إلى مواجهة فرنسا، خاصة بعد ما تم ارتكابه من أخطاء مثل دعم المجلس الانتخابي المثير للجدل في الانتخابات المقبلة في الصومال والإسراع في زيارة المجلس العسكري في مالي بعد الانقلاب في سبتمبر. حيث كان طموح تركيا يتمثل في أن تصبح مركزًا اقتصاديًا نابضًا بالحياة بين القارات، لكن انتهى بها الأمر لتصبح ملاذًا للمجموعات التي تعاني من مشكلات، والمنفيين والهاربين.

فالقواعد التركية بالخارج هدية البلدان المضيفة اليائسة، ومن المرجح أن تصبح مثيرة للجدل بالتزامن مع تقلص أسباب اليأس. إجمالاً، فالفجوة بين طموحات تركيا وقدراتها آخذة في الاتساع ، وكذلك الفجوة بين خطابها والحقائق على الأرض. وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، فلم يتعد حجم تجارة تركيا مع أفريقيا عند حاجز 21 مليار دولار.

Scroll Up